إشكالية المعادن النادرة واستعراض القوة ا

    • إشكالية المعادن النادرة واستعراض القوة ا

      بول كروجمان

      وقع الشهر الفائت صدام بين سفيتة صيد صينية وسفينتين تابعتين لقوة خفر السواحل اليابانية، في مياه تحت سيطرة اليابانيين. واعتقلت اليابان ربان سفينة الصيد الصينية؛ وردت الصين من جانبها على هذا التحرك الياباني بوقف تصدير المواد الخام الضرورية إلى اليابان.

      وما من مكان آخر تيمم اليابان وجهها شطره غير الصين، لأن الأخيرة تمتلك 97 بالمئة من إمدادات العالم من المعادن النادرة التي تلعب دورا لا غنى عنه في الكثير من منتجات التكنولجيا المتقدمة، بما في ذلك التجهيزات العسكرية. ولأن اليابان تعرف ذلك خير معرفة، أطلقت سريعا سراح الربان الصيني.

      وأنا عن نفسي أجد هذه القصة قصة مزعجة، ولا أعرف ما هو الحال معكم، وهي كذلك بالنسبة لي بسبب كلا من الذي تقوله عن الصين والذي تقوله عنا نحن (الأمريكان). فمن جانب، يلقي ما حدث الضوء على ضعف صناع السياسة في أمريكا، والذين لم يفعلوا شيئا بينما شدد نظام حكم لا يُعتمد عليه (الصين) قبضته إحكاما على مواد أساسية. ومن جانب أخر، تكشف هذه الحادثة عن حكومة صينية سعيدة أنها تضغط على الزناد، ومستعدة لأن تشن حربا اقتصادية لأقل الأسباب.

      وإليكم بعض الخلفية لتطلعوا أكثر على الأمر: المعادن النادرة هي عناصر تلعب خواصها الفريدة دورا حاسما لا غنى عنه في عدد من التطبيقات يتراوح من محركات السيارات الهجين إلى الألياف البصرية. وحتى منتصف الثمانينيات كانت أمريكا تهيمن على إنتاج تلك المعادن، لكن من بعدها هيمنت الصين.

      في العام 1992، أعلن دينج تشياوبينج، مهندس التحول الاقتصادي الصيني، أعلن قائلا: " النفط موجود في الشرق الأوسط، والمعادن النادرة موجودة في الصين". وبالفعل تمتلك الصين قرابة ثلث المعادن النادرة في العالم. وهذه الوفرة، مصحوبة برخص تكلفة الاستخراج- ما يعكس أيضا كلا من الأجور المنخفضة والمعايير البيئية الضعيفة- تسمح للمنتجين الصينيين أن يقوضوا الصناعة الأمريكية.

      وربما يتعجب المرء حقا لماذا لم يدق أحد أجراس الإنذار بينما كان هذا يحدث، إلا إذا كان هذا(الصمت) لأسباب تعلق بالأمن القومي. لكن صناع السياسة، وقفوا بكل بساطة يتفرجون وصناعة المعادن النادرة في أمريكا تغلق أبوابها. ففي حالة واحدة على الأقل، حدثت في العام 2003، وهو وقت كانت اعتبارات الأمن القومي، لو أنكم كنتم تصدقون إدارة بوش، هي العامل الذي يحكم على كل جوانب سياسة أمريكا ويسيطر عليها- في تلك الحالة، قام الصينيون، حرفيا، بحزم كل التجهيزات في أحد مرافق الإنتاج في أمريكا وشحنوها إلى الصين.

      وكانت النتيجة هي أن تمتعت الصين بوضعية احتكارية فاقت احتكار البعض في الشرق الأوسط للنفط. وحتى من قبل حدوث الصدام بين الصين واليابان، أظهرت الصين نفسها دولة مستعدة وجاهزة لتحقيق أقصى استفادة من تلك الوضعية. وقامت نقابة عمال الحديد والصلب الأمريكية مؤخرا برفع دعوى قضائية ضد الممارسات التجارية الصينية، لتخطو داخل منطقة تخشى الأعمال والمشاريع التجارية الأمريكية أن تخطو فيها خطوة، لأنها تخاف من إنتقام الصين. ووضعت النقابة فرض الصين المزيد من القيود على صادراتها من المعادن النادرة- وهي قيود تعطي الانتاج الصيني في عدد من الصناعات ميزة تنافسية مهمة- على رأس القائمة.

      بعدها وقعت حادثة الصدام بين سفينتي خفر السواحل اليابانيتين وسفينة الصيد الصينية. وكانت القيود الصينية على صادرات المعادن النادرة تنتهك بالفعل ما اتفقت الصين عليه و وافقت عليه قبل انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية. لكن حظر الصين لصادراتها من المعادن النادرة إلى اليابان كان انتهاكا صارخا وصريحا لقانون التجارة الدولي.

      ولم يُلَطِف المسؤولون الصينيون الأمور باستغفالهم لنا قائلين أنه ما من حظر رسمي. فكل مصدري المعادن النادرة الصينية، بحسب زعم الصينيون- وبعض المصدرين شركات تملكها جهات غير صينية- كلهم في نفس الوقت قرروا وقف شحناتهم إلى اليابان بسبب ما يحملون من مشاعر شخصية اتجاهها!!

      فما الدرس المستفاد إذن من مشاجرات المعادن النادرة؟ أولا، وهو الأمر الأكثر وضوحا، يحتاج العالم إلى أن يطور مصادر غير صينية لهذه الموارد. فهناك احتياطات ضخمة من المعادن النادرة في أمريكا وفي كل مكان أخر. ومع هذا، يحتاج تطوير هذه الاحتياطات إلى الوقت والدعم المالي أيضا. فهل نلجأ الى البدليل الأبرز، وهو "التعدين الحضري"، أو ما يُعرف بإعادة تدوير المعادن النادرة والمواد الأخرى من الأجهزة الإليكترونية المستعملة؟

      ثانيا، ردة فعل الصين اتجاه الصدام بين سفينتها وخفر السواحل الياباني هي دليل آخر، وأنا آسف أن أقول هذا، هي دليل أخر على أن أحدث قوة عظمى اقتصادية في العالم غير مستعدة لتولي المسؤوليات التي تترافق مع هذه المكانة.

      فالقوى الاقتصادية الكبرى، مدركة أن لها نصيب مهم في النظام العالمي ككل، تتردد في العادة في الدخول في حروب اقتصاية، حتى لو تعرضت لانتهاكات صارخة من قبل البعض- ولننظر إلى مدى العذاب والحيرة عند صناع السياسة الأمريكان عندما تعلق الأمر بتحديد التحرك الأمريكي المناسب لمواجهة سياسة تحديد قيمة العملة الصينية، والتي هي واضح جدا أنها سياسة حمائية. ومع ذلك، لم يظهر عل الصين أي تردد في استخدام عضلاتها التجارية لتشق طريقها في خلاف سياسي، في انتهاك واضح- حتى وإن أنكرت الصين- لقانون التجارة الدولي.

      ولو قَرَنا حكاية المعادن النادرة بسلوك الصين فيما يتعلق بجبهات أخري- مثل الدعم المالي الذي تقدمه الحكومة لمساعدة بعض الشركات على الحصول على عقود، الضغط على الشركات الأجنبية لتنقل الإنتاج الى الصين، وقبل الجميع، سياسة سعر الصرف- فما سنحصل عليه هو صورة لقوة عظمى اقتصاية مارقة، غير مستعدة لأن تلعب وفق القوانين والقواعد وتذعن لها. والسؤال الآن هو ما الذي سيفعله بقية العالم إزاء هذا؟

      نيويورك تايمز- ش

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية