روجر كوهين
تركيا الآن تضع قدما خارج الخيمة الأوروبية وأخرى داخلها، ويتزايد فخرها بما أنجزته في عالم متحول متغير، ولم تعد تعتمد كثيرا على أمريكا. ويمكن للكونجرس أن يرغي ويزبد كيفما شاء، لكن ذلك لن يغير شيئا
ربما يكون اسم داود أوجلو اسما صعب النطق في الغرب. وربما لا يحتل الاسم صدارة الأخبار في محطة فوكس نيوز الاخبارية مثلا. لكني لو تمكنت من أن أرفق اسم سارة بالين (مرشحة الجمهوري لبطاقة نائب الرئيس في الانتخابات الرئاسية السابقة) واسماء حركات معارضة الزيادات الضريبية في أمريكا وعدد قليل من الأوروبيين المتعصبين المناهضين للمسلمين باسم دولة، وضحت لنا كيف أن العالم تغير، ستكون هذه الدولة هي موطن داود أوجلو، تركيا.
لقد أغضب أحمد داود أوجلو، الذي أوجد مذهبا للسياسة الخارجية، ويعمل وزيرا لخارجية تركيا منذ مايو 2009، عددا كبيرا من الأمريكان. فهو في عينهم الرجل المسؤول عن تحول تركيا "نحو الشرق"، صديقة لإيران، عدوة لإسرائيل، حليفة ضعيفة للناتو قلقة من درع صاروخية جديدة مقترحة، مهندس تركيا المراوغ للوضعية التركية الجديدة مع بلاد العرب. وقالت إدارة أوباما إنها "أُحبِطَت" عندما لم تصوت تركيا لصالح فرض عقوبات على إيران في يونيو الفائت. والكونجرس غير راض، ويرغي ويزبد حول مبيعات الأسلحة الأمريكية لتركيا.
وحنين واشنطن الى تركيا المطواعة، تركيا أيام الحرب الباردة، على أشده الآن. لكن داود أوجلو ليس به أي من ملامح تركيا المطواعة. وكان قد قال لي ذات مرة: "نحن لا نريد أن نكون دولة جبهة كما كنا أيام الحرب الباردة، نحن لا نريد أية مشكلات مع أي جار لنا"- وذلك بالطبع يشمل إيران.
وفلسفة "صفر مشكلات مع الجيران" تقع في قلب كتاب داود أوجلو صاحب التأثير الكبير "العمق الاستراتيجي"، الصادر في العام 2001. ومن حينها والتجارة السنوية لتركيا مع روسيا ارتفعت الى 40 بليون دولار. ولم تكن العلاقات التركية السورية أفضل حالا من قبل عما هي عليه الآن. وسيطرة تركيا التجارية على شمال العراق تتزايد وتغلب غيرها. ووقعت تركيا اتفاقية تجارة حرة مع الأردن. وتقول الآن إنها تهدف الى مضاعفة التجارة مع ايران ثلاثة أضعاف خلال السنوات الخمس القادمة.
وكل هذا يجعل الغرب المصاب بفقر الدم منفعلا: فالسياسة التركية أثمرت عن معدل نمو وصل 7 بالمائة هذا العام. وهناك أيضا شيء أكثر عمقا في العمل: وهو أن فكرة الترابط الاقتصادي كقاعدة للسلام والاستقرارالاقليميين أصبحت مألوفة جدا. لكن، ألم تكن تلك فكرة الاتحاد الأوروبي العبقرية؟
وهذا بدوره يقودنا الى سؤال آخر: هل يمكن أن تنجح الفكرة مع الأوروبيين فقط؟ لا أعتقد ذلك. فالغرب، مبقيا بسبب قصر نظره تركيا خارج الاتحاد الأوروبي، غير مؤهل إلا للشكوى. وكما قال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون- بريطانيا هي أقوى حليف لتركيا في أوروبا- من الخطأ أن نقول إن "تركيا بمقدورها أن تحرس المعسكر، لكن من غير المسموح لها أن تجلس في الخيمة".
وهذا أمر غبي وخاطئ حقا، لكنه حقيقة الوضع التركي الآن، فهي تضع قدما خارج الخيمة الأوروبية وأخرى داخلها، ويتزايد فخرها بما أنجزته في عالم متحول متغير. والأمم تزيد من خياراتها. هي لا تعتمد كثيرا على أمريكا. ويمكن للكونجرس أن يزبد كيفما شاء غضبا من هذا، لكنه لن يغير شيئا.
إذن، طريق القيادة الأمريكية يصبح شائكا أكثر، بالنسبة لأمريكا. فعندما سألت داود أوجلو عن زيارة ستيوارت ليفي، المسؤول رفيع المستوى في الخزانة الأمريكية، الأسبوع الفائت الى أنقرة ليتحدث في شأن العقوبات على إيران، قال لي بحساسية: "نحن لا نحتاج الى أية نصيحة. نحن دولة مسؤولة عضوة في الأمم المتحدة وعضوة في مجلس الأمن الأممي. وصوتنا ضد فرض العقوبات على إيران. وذلك كان قرارنا. وسنطبق قرار مجلس الأمن الأممي، و لسنا بحاجة الى أن يخبرنا أي شخص بذلك. لكن بالنسبة للقرارات أحادية الجانب -الأمريكية أو الأوروبية- سننظر وقتها الى مصالحنا القومية. فهل من الخطأ أن تكون لنا علاقات اقتصادية قوية مع جيراننا؟".
وأعتقد أن الاعتراف التركي الفوري بفوز محمود أحمدي نجاد عقب نهاية الانتخابات التي سادها الكثير من أعمال العنف في يونيو 2009 هو النقطة الوحيدة موطن الضعف في مذهب أوجلو وفلسفته. لكني أعتقد أيضا أن تركيا صاغت سياسة خاصة بها تجاه ايران هي سياسة سليمة. فعزل إيران سيثير أصحاب التوجهات المتشددة. والعقوبات لن تحول ايران أو تغيرها. واتفاقية تخصيب اليورانيوم الايراني التركية البرازيلية الايرانية، المتوصل اليها في مايو الفائت، كانت وسيلة "لفتح الطريق أمام التفاوض الدبلوماسي".
وداود أوجلو يصر على أن تركيا "كانت تنسق باستمرار مع الأمريكان في كل مرحلة من مراحل الاتفاقية. وما من أحد في واشنطن يمكنه أن يقول إن تركيا تصرفت من نفسها. لقد كان هدفنا هو تخفيف التوتر واحتواء برنامج ايران النووي".
ويمكن لتركيا أن تكون "قنطرة" الغرب الى العالم الاسلامي لو أن واشنطن تتمكن من أن تكتم غيظها منها. وتركيا الجديدة لن تتخلى عن الناتو أو عن حلفائها الأمريكان: ولو أراد الناتو أن يتحدث الى طالبان أو أردا الغرب أن يتحدث الى إيران، يمكن لتركيا أن تساعد في ذلك.
عندما تسوء العلاقات الاسرائيلية التركية يغلي الكابيتول الأمريكي من الغضب. لكن عندما يتزامن "ترقية مستوى" العلاقات الدبلوماسية التركية الايرانية مع مقتل ثمانية أتراك ومواطن أمريكي كانوا على متن اسطول الحرية التركي الذاهب الى قطاع غزة، يقول الكابيتول إنها أقدار. قال داود أوجلو عن هذا: "توقعت تركيا التضامن من أمريكا لأن مواطنيها قتلوا في مياه دولية"، وفي إشارة منه لمطالبة تركيا اسرائيل باعتذار رسمي قال: "هذه مسألة كرامة قومية، ونحن كنا نتوقع أن تعتذر اسرائيل لنا لأن الأصدقاء يعتذرون من بعضهم البعض". ولم تحصل تركيا على تضامن أمريكا، بل حصلت بدلا من ذلك على عداوتها.
نيويورك تايمز- ش
تركيا الآن تضع قدما خارج الخيمة الأوروبية وأخرى داخلها، ويتزايد فخرها بما أنجزته في عالم متحول متغير، ولم تعد تعتمد كثيرا على أمريكا. ويمكن للكونجرس أن يرغي ويزبد كيفما شاء، لكن ذلك لن يغير شيئا
ربما يكون اسم داود أوجلو اسما صعب النطق في الغرب. وربما لا يحتل الاسم صدارة الأخبار في محطة فوكس نيوز الاخبارية مثلا. لكني لو تمكنت من أن أرفق اسم سارة بالين (مرشحة الجمهوري لبطاقة نائب الرئيس في الانتخابات الرئاسية السابقة) واسماء حركات معارضة الزيادات الضريبية في أمريكا وعدد قليل من الأوروبيين المتعصبين المناهضين للمسلمين باسم دولة، وضحت لنا كيف أن العالم تغير، ستكون هذه الدولة هي موطن داود أوجلو، تركيا.
لقد أغضب أحمد داود أوجلو، الذي أوجد مذهبا للسياسة الخارجية، ويعمل وزيرا لخارجية تركيا منذ مايو 2009، عددا كبيرا من الأمريكان. فهو في عينهم الرجل المسؤول عن تحول تركيا "نحو الشرق"، صديقة لإيران، عدوة لإسرائيل، حليفة ضعيفة للناتو قلقة من درع صاروخية جديدة مقترحة، مهندس تركيا المراوغ للوضعية التركية الجديدة مع بلاد العرب. وقالت إدارة أوباما إنها "أُحبِطَت" عندما لم تصوت تركيا لصالح فرض عقوبات على إيران في يونيو الفائت. والكونجرس غير راض، ويرغي ويزبد حول مبيعات الأسلحة الأمريكية لتركيا.
وحنين واشنطن الى تركيا المطواعة، تركيا أيام الحرب الباردة، على أشده الآن. لكن داود أوجلو ليس به أي من ملامح تركيا المطواعة. وكان قد قال لي ذات مرة: "نحن لا نريد أن نكون دولة جبهة كما كنا أيام الحرب الباردة، نحن لا نريد أية مشكلات مع أي جار لنا"- وذلك بالطبع يشمل إيران.
وفلسفة "صفر مشكلات مع الجيران" تقع في قلب كتاب داود أوجلو صاحب التأثير الكبير "العمق الاستراتيجي"، الصادر في العام 2001. ومن حينها والتجارة السنوية لتركيا مع روسيا ارتفعت الى 40 بليون دولار. ولم تكن العلاقات التركية السورية أفضل حالا من قبل عما هي عليه الآن. وسيطرة تركيا التجارية على شمال العراق تتزايد وتغلب غيرها. ووقعت تركيا اتفاقية تجارة حرة مع الأردن. وتقول الآن إنها تهدف الى مضاعفة التجارة مع ايران ثلاثة أضعاف خلال السنوات الخمس القادمة.
وكل هذا يجعل الغرب المصاب بفقر الدم منفعلا: فالسياسة التركية أثمرت عن معدل نمو وصل 7 بالمائة هذا العام. وهناك أيضا شيء أكثر عمقا في العمل: وهو أن فكرة الترابط الاقتصادي كقاعدة للسلام والاستقرارالاقليميين أصبحت مألوفة جدا. لكن، ألم تكن تلك فكرة الاتحاد الأوروبي العبقرية؟
وهذا بدوره يقودنا الى سؤال آخر: هل يمكن أن تنجح الفكرة مع الأوروبيين فقط؟ لا أعتقد ذلك. فالغرب، مبقيا بسبب قصر نظره تركيا خارج الاتحاد الأوروبي، غير مؤهل إلا للشكوى. وكما قال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون- بريطانيا هي أقوى حليف لتركيا في أوروبا- من الخطأ أن نقول إن "تركيا بمقدورها أن تحرس المعسكر، لكن من غير المسموح لها أن تجلس في الخيمة".
وهذا أمر غبي وخاطئ حقا، لكنه حقيقة الوضع التركي الآن، فهي تضع قدما خارج الخيمة الأوروبية وأخرى داخلها، ويتزايد فخرها بما أنجزته في عالم متحول متغير. والأمم تزيد من خياراتها. هي لا تعتمد كثيرا على أمريكا. ويمكن للكونجرس أن يزبد كيفما شاء غضبا من هذا، لكنه لن يغير شيئا.
إذن، طريق القيادة الأمريكية يصبح شائكا أكثر، بالنسبة لأمريكا. فعندما سألت داود أوجلو عن زيارة ستيوارت ليفي، المسؤول رفيع المستوى في الخزانة الأمريكية، الأسبوع الفائت الى أنقرة ليتحدث في شأن العقوبات على إيران، قال لي بحساسية: "نحن لا نحتاج الى أية نصيحة. نحن دولة مسؤولة عضوة في الأمم المتحدة وعضوة في مجلس الأمن الأممي. وصوتنا ضد فرض العقوبات على إيران. وذلك كان قرارنا. وسنطبق قرار مجلس الأمن الأممي، و لسنا بحاجة الى أن يخبرنا أي شخص بذلك. لكن بالنسبة للقرارات أحادية الجانب -الأمريكية أو الأوروبية- سننظر وقتها الى مصالحنا القومية. فهل من الخطأ أن تكون لنا علاقات اقتصادية قوية مع جيراننا؟".
وأعتقد أن الاعتراف التركي الفوري بفوز محمود أحمدي نجاد عقب نهاية الانتخابات التي سادها الكثير من أعمال العنف في يونيو 2009 هو النقطة الوحيدة موطن الضعف في مذهب أوجلو وفلسفته. لكني أعتقد أيضا أن تركيا صاغت سياسة خاصة بها تجاه ايران هي سياسة سليمة. فعزل إيران سيثير أصحاب التوجهات المتشددة. والعقوبات لن تحول ايران أو تغيرها. واتفاقية تخصيب اليورانيوم الايراني التركية البرازيلية الايرانية، المتوصل اليها في مايو الفائت، كانت وسيلة "لفتح الطريق أمام التفاوض الدبلوماسي".
وداود أوجلو يصر على أن تركيا "كانت تنسق باستمرار مع الأمريكان في كل مرحلة من مراحل الاتفاقية. وما من أحد في واشنطن يمكنه أن يقول إن تركيا تصرفت من نفسها. لقد كان هدفنا هو تخفيف التوتر واحتواء برنامج ايران النووي".
ويمكن لتركيا أن تكون "قنطرة" الغرب الى العالم الاسلامي لو أن واشنطن تتمكن من أن تكتم غيظها منها. وتركيا الجديدة لن تتخلى عن الناتو أو عن حلفائها الأمريكان: ولو أراد الناتو أن يتحدث الى طالبان أو أردا الغرب أن يتحدث الى إيران، يمكن لتركيا أن تساعد في ذلك.
عندما تسوء العلاقات الاسرائيلية التركية يغلي الكابيتول الأمريكي من الغضب. لكن عندما يتزامن "ترقية مستوى" العلاقات الدبلوماسية التركية الايرانية مع مقتل ثمانية أتراك ومواطن أمريكي كانوا على متن اسطول الحرية التركي الذاهب الى قطاع غزة، يقول الكابيتول إنها أقدار. قال داود أوجلو عن هذا: "توقعت تركيا التضامن من أمريكا لأن مواطنيها قتلوا في مياه دولية"، وفي إشارة منه لمطالبة تركيا اسرائيل باعتذار رسمي قال: "هذه مسألة كرامة قومية، ونحن كنا نتوقع أن تعتذر اسرائيل لنا لأن الأصدقاء يعتذرون من بعضهم البعض". ولم تحصل تركيا على تضامن أمريكا، بل حصلت بدلا من ذلك على عداوتها.
نيويورك تايمز- ش
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية