بيليتش: سأخضع لضغط أقل لو كنت أشرف على تدري

    • بيليتش: سأخضع لضغط أقل لو كنت أشرف على تدري

      زغرب-ش
      سلافين بيليتش مدربٌ بمواصفات خاصة، فبينما يُخفي العديد من المديرين الفنيين مشاعرهم الجياشة عند وقوفهم خارج خط التماس، لا يتردد الداهية الكرواتي في التعبير عما يخالجه من عواطف وهو يتابع مباريات فريقه من دكة الإحتياط، إذ لا يعتبر كرة القدم مجرد مهنة وحسب، بل إنها تمثل بالنسبة إليه عشقاً وشغفاً يجب أن يعيشهما المرء بكل جوارحه في كل لحظة وحين.
      ويحظى بيليتش بشعبية كبيرة في أوساط لاعبي كرواتيا وجماهيرها، وقد تحدث اللاعب السابق في قلب دفاع ويستهام وإيفرتون بكل صراحة عن هفوات الماضي وتحديات الحاضر والمستقبل، في مقابلة مشوقة خصنا بها المدرب الكرواتي. إذ استحضر ذكريات هزيمة منتخب بلاده أمام تركيا في نهائيات كأس الأمم الأوروبية 2008 وإخفاق أبنائه في التأهل إلى كأس العالم جنوب إفريقيا 2010، معرباً في الوقت ذاته عن آمال كتيبته في بلوغ كأس العالم البرازيل 2014 وإعادة أمجاد كرواتيا في بلاد السامبا.
      لطالما استُعملت عبارة "العشق والشغف" لوصفك وأنت تدير فريقك إلى جانب خط التماس. فهل يمكن استخدام هاتين الصفتين للتعبير عن شخصيتك؟
      بطبيعة الحال. لقد كنت مفعماً بالعشق والشغف عندما كنت صبياً ولاعباً والآن مدرباً. لا يمكنك أن تفدي حياتك كاملة لرياضة ما دون أن تعشقها حد الجنون. أحياناً يراودني إحساس بأني شخص غريب الأطوار، لكني أنظر إلى كل من حولي وأرى أن الجميع يقوم بنفس الأشياء ثم أقول في قرارة نفسي "إما أني إنسان طبيعي، أو أن الجميع مصاب بالجنون!"
      (يضحك). إنني أستمتع بعملي حقاً. يعتقد الناس أن شغل منصب مدرب وطني يُعد عملاً جزئياً، لكني أباشره طوال ساعات اليوم وعلى امتدا أيام الأسبوع. إنني أمضي كل وقتي في دراسة الفريق والحديث إلى اللاعبين وتحليل الخصوم. إنها وضعية مثالية، إذ أقوم بما أحب وهو في الوقت نفسه عمل يتيح لي الإنفاق على عائلتي.
      بالاستماع إلى كلامك، نستحضر تلك اللقطة التي انفعلت فيها عند هزيمتكم أمام تركيا في كأس الأمم الأوروبية 2008، وخاصة ردة فعلك بعد تلقي هدف التعادل في آخر أنفاس الشوط الإضافي الثاني. هل تعتقد أن مشاعرك تغلب عليك في بعض الأحيان؟
      آه من تلك المباراة! لقد كنت غاضباً بشدة على الحكم لأني لم أتمكن من القيام بتغيير كنت أنوي إجراءه في تلك اللحظات. ثم تحدثت إلى اللاعبين وحاولت إقناعهم بأن الفرصة ما زالت أمامنا للفوز (بركلات الترجيح)، إذ كانت الحظوظ متكافئة مع الأتراك. لكن لاعبينا كانوا محبطين حينها، إذ كانت آثار الصدمة بادية على وجوههم، ولم أجد نفسي قادراً على الرفع من معنوياتهم، بكل بساطة. وبصراحة، كان الجميع غارقاً في الحسرة والإحباط.
      بالعودة إلى لاعبي كرواتيا الحاليين، هل تعتقد أن هذا الجيل قادر على العودة إلى أعلى المستويات من جديد؟
      لا بد من ذلك. كنت أظن أننا قادرين على التأهل إلى كأس العالم 2010، لكننا أخفقنا في مشوار التصفيات. والآن بالنظر إلى صغر سن لاعبي الفريق الحالي، فإنني أعتقد أننا ما زلنا بعيدين عن قمة مستوانا، لكننا سنكون جاهزين (العام 2014) في البرازيل. ستكون هناك بعض التغييرات لا محالة، إذ سيأتي لاعبون جدد وسيرحل آخرون. بيد أننا سنكون في وضع جيد بعد عامين من الآن، بل وسيكون الأمر أفضل حالاً بعد أربع سنوات.
      هل هذا يعني أن فريقك بدأ يشق طريقه بثبات منذ أولى مبارياته في تصفيات كأس الأمم الأوروبية 2012؟
      نحن سعداء بالوضع الذي نوجد فيه حالياً. إننا نتصدر مجموعتنا ولدينا فرصة كبيرة للتأهل. إذا قارنتم مجموعتنا هذه بتلك المجموعات التي كانت تضعنا فيها القرعة خلال التصفيات السابقة، سواء تعلق الأمر بكأس الأمم الأوروبية أو كأس العالم، فإن هذه تبدو أسهل على الورق. وعلى أية حال، فإنه من السذاجة أن نعتقد أننا قطعنا المشوار على خير ما يرام، لأن مجموعتنا لا تضم سوى كرواتيا واليونان وإسرائيل، بل إنها تشمل كذلك ليتوانيا وجورجيا، وهما فريقان يجب أن ننازلهما بكل حذر وتركيز وعزيمة. سيتعين علينا أن نعمل بكل جد واجتهاد.
      شهدت منتخبات البلقان تراجعاً واضحاً في المنافسات الأخيرة. إلى ماذا تعزو ذلك؟
      لقد سمعت كثيراً من الناس يقولون إنها مسألة نفسية، لكني لست متأكداً من صحة هذا الطرح. قيل مثلاً أننا لم نتحلَّ بالقوة النفسية الكافية لإنهاء مباراتنا بالشكل الصحيح أمام تركيا، بيد أن كل ما في الأمر هو أن الحظ حالفهم في الدقيقة الأخيرة وسجلوا هدف التعادل من كرة مرتدة. قد يقع المرء في فخ التعميم إذا قال إن ذلك لا يمكن أن يقع أمام إيطاليا، إذ يكفي أن نشاهد كيف انهزم الإيطاليون أمام سلوفاكيا في كأس العالم. وهناك من يقول إن ذلك لا يمكن أن يقع للألمان، لكن المرء قد يغير رأيه إذا استعاد شريط هزيمة بايرن ميونيخ أمام مانشستر يونايتد (في نهائي دوري أبطال أوروبا عام 1999) عندما تلقت شباكه هدفين متأخرين. صحيح أن هناك عاملاً نفسياً، لكن الحظ يلعب لعبته هو الآخر.
      هل أنت متفق مع من يقول إن أفضل منتخب كرواتي على مر العصور هو ذلك الذي خضت معه نهائيات كأس العالم فرنسا 1998؟ ما الذي جعل من ذلك الفريق قوة ضاربة بحق؟
      كنا نتمتع بشخصية قوية. لكن بالعودة للحديث عن الحظ، أريد أن أذكر أننا كنا نملك فريقاً أفضل من ذلك في كأس الأمم الأوروبية 1996، لكننا خسرنا 1-2 أمام ألمانيا في ربع النهائي، حيث لعبنا في تلك المباراة أفضل من اللقاء الذي هزمناهم فيه بثلاثية نظيفة (في ربع نهائي فرنسا 1998)، إذ كانوا متفوقين علينا بشكل واضح في الشوط الأول، لكنهم عجزوا عن التهديف. أعتقد أننا تميزنا حينها بشخصيتنا القوية. صحيح أننا لم نكن نلعب في أفضل الأندية العالمية آنذاك، لكن كل واحد منا كان يُعد عنصراً أساسياً في فريقه، وقد ساعدنا ذلك على تحمل مسؤوليتنا بشكل صحيح. كما كانت تربطنا علاقات صداقة داخل الملعب وخارجه.
      هل سيكون من الممكن إعادة فريق وطني بتلك المواصفات مع هذا الجيل الجديد؟
      ليس بالضرورة، لأن كل جيل يختلف عن الآخر. لكن أفضل ما يميز كرواتيا هو الحب الكبير الذي يكنها لها أبناؤها، بغض النظر عن الأموال الطائلة التي يكسبونها والأندية الكبيرة التي يمثلونها. إن لاعبينا يتحرقون شوقاً للدفاع عن القميص الوطني وتمثيل بلادهم على الدوام. وهذا امتياز كبير بالنسبة إلينا.
      يدعي عدد من المدربين عدم اكتراثهم لما تقوله وسائل الإعلام. هل تطَّلع على ما يُكتب في صفحات الجرائد؟
      نعم، بطبيعة الحال، ولو أني لا أقرأ الصحافة كل يوم. لا يراودني ذلك الهاجس، كما لا تدخل مطالعة الصحف في خانة أول الأعمال التي أقوم بها في الصباح. أفضل التحدث إلى أصدقائي والإستمتاع بلحظاتي أو قضاء وقتي مع أطفالي. لست خائفاً من الصحافة، بل إنني أحترم النقد عندما يكون بناءاً. كرواتيا بلد صغير، وهذا عامل يتيح لي معرفة من يقف وراء كل تعليق يُنشر. وربما يرجع السبب في عدم تأثري بالانتقاد إلى ثقتي بمحيطي. أنا المسؤول عن الجهاز الفني، ويقف إلى جانبي روبيرت بروزينيتشكي وأليوزا أسانوفيتش وعدد من اللاعبين السابقين، إضافة إلى مدير العلاقات العامة. ويأتي أخي بعد ذلك، إلى جانب عدد من كبار المفكرين، ثم المدربين فعائلتي. إذا كان المحيط صلباً ومتيناً، فلا يمكن لأحد أن يخترقه.
      لكن مهمة تدريب المنتخب الوطني تبقى غاية في الصعوبة، لا سيما في بلد مثل كرواتيا حيث الجماهير ووسائل الإعلام لا تفوت أي صغيرة وكبيرة عن ممثليها إلا وعلقت عليها وتفاعلت معها بكل جوارحها.
      نعم (يضحك). صحيح أن مستوى الضغط مرتفع هنا لدرجة يصعب تصديقها، إذ أعتقد أحياناً أني سأخضع لضغط أقل لو كنت أشرف على تدريب ريال مدريد. لكني أتحمل كل ذلك لأني أدرب منتخب بلادي، ويا لها من بلاد! إنها كرواتيا وما أدراك ما كرواتيا! لا يمكنني أن أشتكي من شيء، إذ يمر كل واحد بتجربة مماثلة. دعوني أنهي حديثي بقصة طريفة. قبل أيام خرجت لشراء البيتزا، وعندما كنت في الإنتظار، صادفت صديقاً لم أره منذ سنوات وهو الآن يعمل في قسم تسليم الطلبات التابع لذلك المطعم. فسألني إن كان بالإمكان مساعدته على إيجاد عمل جديد، حيث قال لي بالحرف: "لم أعد أطيق هذا الضغط، إذ علي أن أوصل الطلبات في 30 دقيقة على أقصى تقدير، مما يحتم علي تخطي الضوء الأحمر في إشارة المرور، ناهيك عن التوتر الذي يسببه غضب الزبائن. لم أعد قادراً على تحمل كل هذا!" عندما تسمع مثل هذا الكلام، تدرك حقاً كم أنت محظوظ بتوليك هذا العمل الرائع.
      موقع الاتحاد الدولي لكرة القدم

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية