توماس فريدمان
لم تكن قيادة أمريكا للعالم أبدا بسبب أنها تمتلك المزيد من السلاح. بل كانت بفضل الأفكار والخيال والبحث عن الجدارة. ولو ابتعدت أمريكا عن قيمها الأساسية، لن يكون هناك أي آخر يتولى القيادة بدلا منها
تذهب جائزة "عدم معرفة في أي عالم نعيش" لهذا الأسبوع بكل تأكيد لطلبة المدارس الثانوية والجامعات الفرنسية، الذين حاصروا الحرم الجامعي والمدارس التي يتعلمون فيها، وعطلوا حركة السير في السكك الحديدية، في إضراب عم البلاد كلها ضد قرار الحكومة الفرنسية برفع سن التقاعد من 60 عاما الى 62 عاما.
ولو فهم هؤلاء الطلبة طبيعة العالم مفرط التنافسية والمتكامل اقتصاديا الذي يعيشون فيه اليوم، لكانوا خرجوا الى الشوارع ليطالبوا بعدد أقل من الطلبة في كل فصل، وبتدريس أفضل، وبالمزيد من الفرص لروح المبادرة و المزيد من الاستثمارات الأجنبية الخاصة في فرنسا -حتى يكون لديهم تلك الأنواع من وظائف القطاع الخاص الجيدة التي ستمكنهم من تمويل تقاعدهم في سن الثانية والستين. فلقد اكتشفت فرنسا بالفعل أن أسبوع عمل قوته 35 ساعة أمرا مستحيلا في عالم يحاول المهندسون الهنود فيه العمل 35 ساعة في اليوم الواحد- واكتشفت أيضا أن مستويات معاشات التقاعد لا يدعمها قطاع خاص نشط.
على الرغم من ذلك، أكثر ما أذهلني وأنا في الهند هو عدد الهنود، من الشباب والكبار في السن، الذين عبروا عن مخاوفهم من أن أمريكا تبدو في بعض الأوقات أنها تهرب من عالم هي اخترعته، ومن أن الهند تتبنى هذا العالم.
وفي ظل وجود زيارة الهند على جدول الرئيس أوباما، في وقت يشجب فيه عدد من الساسة الامريكان اكثر من مجرد بضع أشخاص، وبصوت مرتفع إصلاحات قانون الهجرة، والتوسع في التجارة الحرة، والاستعانة بالمصادر الخارجية، نجد أن هناك عددا من كبار رجال الأعمال الهنود هم أكثر من مجرد بضعة أشخاص، يريدون أن يسألوا الرئيس أوباما هذا السؤال:" ما الأمر؟ ألم تصدر امريكا الى العالم كل التكنولوجيا وعقائد السوق الحر التي أوجدت هذا الملعب العالمي الاقتصادي الذي يصبح على نحو متزايد أكثر انبساطا- وتأتون الآن لتتحولوا ضد هذه التكنولوجيات والعقائد؟"
كتب نايان شاندا، مدير تحرير مجلة "يال جلوب" الإليكترونية، كتب هذا الأسبوع في مجلة "عالم الأعمال" الهندية:" كانت ثورة وادي السيليكون هي التي مكنت من تحقيق تلك النهضة الكبيرة في الخدمات القابلة للتداول، وشبكات الاتصالات أمريكية الصنع التي سمحت بقيام المكاتب الافتراضية. لكن أمريكا تبدو، وللأسف، غير مستعدة أن تستفيد من تلك الثورة التي أوجدتها هي. فبنية الدولة الأساسية المتداعية، والنظام التعليمي المنهار، وعدم وجود توافق سياسي حرموا أمريكا من ركوب موجة جديدة الى الرخاء."
ويوضح لنا سوراب سريفاستافا، المؤسس المشارك للرابطة الوطنية لشركات البرمجيات والخدمات الهندية، يوضح لنا الأمر قائلا إنه خلال الأربعين عاما الأولى على استقلال الهند، كانت المشاريع التجارية في الهند غير رائجة. فالدولة فقدت الثقة في قدرتها على التنافس، لذا مالت الى النهج الوقائي. لكن عندما اقتربت فترة التسعينيات من القرن الفائت، وكانت الحكومة الهندية مفلية تقريبا، كانت صناعة التكنولوجيا الهندية قادرة على حمل الحكومة على فتح الاقتصاد، جزئيا، من خلال النظر الى أمريكا ووادي السيليكون كمثال يحتذى به. ومن حينها والهند تزدهر.
و"أمريكا" بحسب قول سيريفاستافا "كانت هي من قال للهند: عليكم بالبحث عن الجدارة. ليس عليكم أن تنتجوا كل شيء بأنفسكم. كونوا مع التجارة الحرة والأسواق المفتوحة. وكان هذا هو النشيد الوطني الأمريكي، ونحن ضغطنا على حكومتنا ودفعناها لأن تترنم به. لكن بمجرد أن بدأنا نجيد الترنم بهذا النشيد قمتم أنتم بتغييره.... كانت صناعتنا هي من يدفع حكومتنا الى فتح أسواقنا أمام الواردات الأمريكية، والى الملكية الكاملة بنسبة 100 بالمئة للشركات، والى تبني قوانين حقوق ملكية فكرية صارمة، عندما لم يكن الأمر شبيه بمسايرة الموضة."
ولو ابتعدت أمريكا عن هذه القيم، بحسب رأي سيريفاستافا، سيستخدم الاشتراكيون وأنصار التدابير الحمائية من بين بيروقراطي الهند ذلك الابتعاد ليبطؤوا أي مزيد من فتح أسواق الهند أمام الصادرات الأمريكية.
والأمر في عين الرجل يبدو كما لو أن ما يحدث في امريكا هو فقدان للثقة في النفس. والهنود لا يريدون أن تفقد أمريكا ثقتها في نفسها. فمن هناك يا ترى ليحل محل أمريكا قائدا أخلاقيا للعالم؟ فلم تكن قيادة أمريكا للعالم أبدا بسبب أنها تمتلك المزيد من السلاح. بل كانت بفضل الأفكار والخيال والبحث عن الجدارة. ولو ابتعدت أمريكا عن قيمها الأساسية، لن يكون هناك أي آخر يتولى القيادة بدلا منها. فهل تريد الهند الصين قائدا أخلاقيا للعالم؟ لا، الهند تريد أن تنجح أمريكا، بحسب ما قال سيريفاستافا.
وليس هذا الكلام مجرد انتصار عظيم للقيم الأمريكية. ففي ظل وجود صين صاعدة من جانب، وباكستان متفتت من جانب آخر، تتخذ صداقة الهند المكتشفة حديثا لأمريكا أهمية استراتيجية. يقول شيكار جوبتا، مدير تحرير صحيفة إنديان إكسبريس الهندية، يقول:" من المقلق بشدة أن نعيش في عالم لم يعد فيه توازن القوة الذي كان فيه طوال ستين عاما. وهذا هو السبب وراء أن الجميع قلق على أمريكا."
وشرح أحد كبار المسؤولين الهنود لي الأمر قائلا إن كلا من أمريكا والهند ديمقراطيتان، لكن عاطفيا، بحسب رأيه هو، تلكما الديمقراطيتان أشبه بالسفن العابرة ليلا. لأنه في وقتنا هذا، تعتقد أفقر عاملة منزل هندية أنها لو تتمكن من أن توفر بضعة دولارات فقط من أجل تكلفة دروس اللغة الانجليزية لابنها أو ابنتها، سيعيش ذلك الابن أو تلك الابنة حياة أفضل من حياتها هي. لذا، هي متفائلة. لكن من يعيشون في أمريكا، والذين يستمتعون اليوم بحياة أفضل من حياة عاملة المنزل الهندية، قلقون من ألا يتمكنوا من مساعدة أبنائهم على أن يعيشوا نفس عيشهم الهانئ. لذلك هم متشائمون.
وحقيقي أنه عندما "تزل" قدم أمريكا وتهوي الى المزاج السيئ، يلاحظ ذلك الجميع. وبعد طلبه مني تفسيرا لسياسات حركات معارضة الزيادات الضريبية في أمريكا، علق جوبتا قائلا:" لقد ابتعدنا عن سياسات الظلم، وانتقلنا الى سياسات الطموح . فأين هو الحلم الأمريكي؟ أين التفاؤل؟"
نيويورك تايمز- ش
لم تكن قيادة أمريكا للعالم أبدا بسبب أنها تمتلك المزيد من السلاح. بل كانت بفضل الأفكار والخيال والبحث عن الجدارة. ولو ابتعدت أمريكا عن قيمها الأساسية، لن يكون هناك أي آخر يتولى القيادة بدلا منها
تذهب جائزة "عدم معرفة في أي عالم نعيش" لهذا الأسبوع بكل تأكيد لطلبة المدارس الثانوية والجامعات الفرنسية، الذين حاصروا الحرم الجامعي والمدارس التي يتعلمون فيها، وعطلوا حركة السير في السكك الحديدية، في إضراب عم البلاد كلها ضد قرار الحكومة الفرنسية برفع سن التقاعد من 60 عاما الى 62 عاما.
ولو فهم هؤلاء الطلبة طبيعة العالم مفرط التنافسية والمتكامل اقتصاديا الذي يعيشون فيه اليوم، لكانوا خرجوا الى الشوارع ليطالبوا بعدد أقل من الطلبة في كل فصل، وبتدريس أفضل، وبالمزيد من الفرص لروح المبادرة و المزيد من الاستثمارات الأجنبية الخاصة في فرنسا -حتى يكون لديهم تلك الأنواع من وظائف القطاع الخاص الجيدة التي ستمكنهم من تمويل تقاعدهم في سن الثانية والستين. فلقد اكتشفت فرنسا بالفعل أن أسبوع عمل قوته 35 ساعة أمرا مستحيلا في عالم يحاول المهندسون الهنود فيه العمل 35 ساعة في اليوم الواحد- واكتشفت أيضا أن مستويات معاشات التقاعد لا يدعمها قطاع خاص نشط.
على الرغم من ذلك، أكثر ما أذهلني وأنا في الهند هو عدد الهنود، من الشباب والكبار في السن، الذين عبروا عن مخاوفهم من أن أمريكا تبدو في بعض الأوقات أنها تهرب من عالم هي اخترعته، ومن أن الهند تتبنى هذا العالم.
وفي ظل وجود زيارة الهند على جدول الرئيس أوباما، في وقت يشجب فيه عدد من الساسة الامريكان اكثر من مجرد بضع أشخاص، وبصوت مرتفع إصلاحات قانون الهجرة، والتوسع في التجارة الحرة، والاستعانة بالمصادر الخارجية، نجد أن هناك عددا من كبار رجال الأعمال الهنود هم أكثر من مجرد بضعة أشخاص، يريدون أن يسألوا الرئيس أوباما هذا السؤال:" ما الأمر؟ ألم تصدر امريكا الى العالم كل التكنولوجيا وعقائد السوق الحر التي أوجدت هذا الملعب العالمي الاقتصادي الذي يصبح على نحو متزايد أكثر انبساطا- وتأتون الآن لتتحولوا ضد هذه التكنولوجيات والعقائد؟"
كتب نايان شاندا، مدير تحرير مجلة "يال جلوب" الإليكترونية، كتب هذا الأسبوع في مجلة "عالم الأعمال" الهندية:" كانت ثورة وادي السيليكون هي التي مكنت من تحقيق تلك النهضة الكبيرة في الخدمات القابلة للتداول، وشبكات الاتصالات أمريكية الصنع التي سمحت بقيام المكاتب الافتراضية. لكن أمريكا تبدو، وللأسف، غير مستعدة أن تستفيد من تلك الثورة التي أوجدتها هي. فبنية الدولة الأساسية المتداعية، والنظام التعليمي المنهار، وعدم وجود توافق سياسي حرموا أمريكا من ركوب موجة جديدة الى الرخاء."
ويوضح لنا سوراب سريفاستافا، المؤسس المشارك للرابطة الوطنية لشركات البرمجيات والخدمات الهندية، يوضح لنا الأمر قائلا إنه خلال الأربعين عاما الأولى على استقلال الهند، كانت المشاريع التجارية في الهند غير رائجة. فالدولة فقدت الثقة في قدرتها على التنافس، لذا مالت الى النهج الوقائي. لكن عندما اقتربت فترة التسعينيات من القرن الفائت، وكانت الحكومة الهندية مفلية تقريبا، كانت صناعة التكنولوجيا الهندية قادرة على حمل الحكومة على فتح الاقتصاد، جزئيا، من خلال النظر الى أمريكا ووادي السيليكون كمثال يحتذى به. ومن حينها والهند تزدهر.
و"أمريكا" بحسب قول سيريفاستافا "كانت هي من قال للهند: عليكم بالبحث عن الجدارة. ليس عليكم أن تنتجوا كل شيء بأنفسكم. كونوا مع التجارة الحرة والأسواق المفتوحة. وكان هذا هو النشيد الوطني الأمريكي، ونحن ضغطنا على حكومتنا ودفعناها لأن تترنم به. لكن بمجرد أن بدأنا نجيد الترنم بهذا النشيد قمتم أنتم بتغييره.... كانت صناعتنا هي من يدفع حكومتنا الى فتح أسواقنا أمام الواردات الأمريكية، والى الملكية الكاملة بنسبة 100 بالمئة للشركات، والى تبني قوانين حقوق ملكية فكرية صارمة، عندما لم يكن الأمر شبيه بمسايرة الموضة."
ولو ابتعدت أمريكا عن هذه القيم، بحسب رأي سيريفاستافا، سيستخدم الاشتراكيون وأنصار التدابير الحمائية من بين بيروقراطي الهند ذلك الابتعاد ليبطؤوا أي مزيد من فتح أسواق الهند أمام الصادرات الأمريكية.
والأمر في عين الرجل يبدو كما لو أن ما يحدث في امريكا هو فقدان للثقة في النفس. والهنود لا يريدون أن تفقد أمريكا ثقتها في نفسها. فمن هناك يا ترى ليحل محل أمريكا قائدا أخلاقيا للعالم؟ فلم تكن قيادة أمريكا للعالم أبدا بسبب أنها تمتلك المزيد من السلاح. بل كانت بفضل الأفكار والخيال والبحث عن الجدارة. ولو ابتعدت أمريكا عن قيمها الأساسية، لن يكون هناك أي آخر يتولى القيادة بدلا منها. فهل تريد الهند الصين قائدا أخلاقيا للعالم؟ لا، الهند تريد أن تنجح أمريكا، بحسب ما قال سيريفاستافا.
وليس هذا الكلام مجرد انتصار عظيم للقيم الأمريكية. ففي ظل وجود صين صاعدة من جانب، وباكستان متفتت من جانب آخر، تتخذ صداقة الهند المكتشفة حديثا لأمريكا أهمية استراتيجية. يقول شيكار جوبتا، مدير تحرير صحيفة إنديان إكسبريس الهندية، يقول:" من المقلق بشدة أن نعيش في عالم لم يعد فيه توازن القوة الذي كان فيه طوال ستين عاما. وهذا هو السبب وراء أن الجميع قلق على أمريكا."
وشرح أحد كبار المسؤولين الهنود لي الأمر قائلا إن كلا من أمريكا والهند ديمقراطيتان، لكن عاطفيا، بحسب رأيه هو، تلكما الديمقراطيتان أشبه بالسفن العابرة ليلا. لأنه في وقتنا هذا، تعتقد أفقر عاملة منزل هندية أنها لو تتمكن من أن توفر بضعة دولارات فقط من أجل تكلفة دروس اللغة الانجليزية لابنها أو ابنتها، سيعيش ذلك الابن أو تلك الابنة حياة أفضل من حياتها هي. لذا، هي متفائلة. لكن من يعيشون في أمريكا، والذين يستمتعون اليوم بحياة أفضل من حياة عاملة المنزل الهندية، قلقون من ألا يتمكنوا من مساعدة أبنائهم على أن يعيشوا نفس عيشهم الهانئ. لذلك هم متشائمون.
وحقيقي أنه عندما "تزل" قدم أمريكا وتهوي الى المزاج السيئ، يلاحظ ذلك الجميع. وبعد طلبه مني تفسيرا لسياسات حركات معارضة الزيادات الضريبية في أمريكا، علق جوبتا قائلا:" لقد ابتعدنا عن سياسات الظلم، وانتقلنا الى سياسات الطموح . فأين هو الحلم الأمريكي؟ أين التفاؤل؟"
نيويورك تايمز- ش
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية