الحديث الأول ...
عن أميرالمؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليهوسلم يقول " إنما الأعمال بالنيات , وإنما لكل امرئ ما نوى , فمن كانت هجرته إلىالله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله , ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها و امرأةينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " متفق عليه
-الشرح -
هذا الحديث اصل عظيم في أعمال القلوب , لانالنيات من أعمال القلوب قال العلماء : وهذا الحديث نصف العبادات , لأنه ميزاالأعمال الباطنة وحديث عائشة رضي الله عنها " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهورد " وفي لفظ آخر " من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد " نصف الدين , لأنه ميزاالأعمال الظاهرة فيستفاد من قول النبي صلى الله عليه وسلم " إنما الأعمال بالنيات " أنه ما من عمل إلا وله نية , لأن كل إنسان عاقل مختار لا يمكن أن يعمل عملا بلا نية , حتى قال بعض العلماء " لو كلفنا الله عملا بلا نية لكان من تكليف ما لا يطاق " ويتفرع من هذه الفائدة :الرد على الموسوسين الذين يعملون الأعمال عدة مرات ثم يقوللهم الشيطان : إنكم لم تنووا . فإننا نقول لهم : لا , لا يمكن أبدا أن تعملوا عملاإلا بنية فخففوا على أنفسكم ودعوا هذه الوساوس .
ومن فوائد هذا الحديث أنالإنسان يؤجر أو يؤزر أو يحرم بحسب نيته لقول النبي صلى الله عليه وسلم " فمن كانتهجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله "
ويستفاد من هذا الحديث أيضاأن الأعمال بحسب ما تكون وسيلة له , فقد يكون الشيء المباح في الأصل يكون طاعة إذانوى به الإنسان خيرا , مثل أن ينوي بالأكل والشرب التقوي على طاعة الله , ولهذا قالالنبي صلى الله عليه وسلم " تسحروا فإن في السحور بركة "
* ومن فوائد هذاالحديث : أنه ينبغي للمعلم أن يضرب الأمثال التي يتبين بها الحكم , وقد ضرب النبيصلى الله عليه وسلم لهذا مثلا بالهجرة , وهي الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلاموبين أن الهجرة وهي عمل واحد تكون لإنسان أجرا وتكون لإنسان حرمانا , فالمهاجر الذييهاجر إلى الله ورسوله هذا يؤجر , ويصل إلى مراده . وهذا الحديث يدخل في بابالعبادات وفي باب المعاملات وفي باب الأنكحة وفي كل أبواب الفقه
الحديث الثاني ...
عن أم المؤمنين أم عبدالله عائشة رضي الله عنها قال : قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " رواه البخاري ومسلم , وفي رواية لمسلم " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد "
-الشرح -
هذا الحديث قال العلماء : إنه ميزان ظاهرالأعمال وحديث عمر الذي هو في أول الكتاب " إنما الأعمال بالنيات " ميزان باطنالأعمال , لأن العمل له نية و له صورة فالصورة هي ظاهر العمل والنية باطن العمل .
وفي هذا الحديث فوائد : أن من أحدث في هذا الأمر -أي الإسلام- ما ليس منهفهو مردود عليه ولو كان حسن النية وينبني على هذه الفائدة أن جميع البدع مردودة علىصاحبها ولو حسنت نيته .
ومن فوائد هذا الحديث : أن من عمل عملا ولو كان أصلهمشروعا ولكن عمله على غير ذلك الوجه الذي أمر به فإنه يكون مردودا بناء على الروايةالثانية في مسلم .
وعلى هذا فمن باع بيعا محرما فبيعه باطل , ومن صلى صلاةتطوع لغير سبب في وقت النهي فصلاته باطلة ومن صام يوم العيد فصومه باطل وهلم جرا , لأن هذه كلها ليس عليها أمر الله ورسوله فتكون باطلة مردودة .
الحديث الثالث ...
عن أبيعبدالله النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلميقول " إن الحلال بين و الحرام بين , وبينهما مشتبهات قد لا يعلمهن كثير من الناس , فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه , ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام , كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه , ألا وأن لكل ملك حمى , ألا وإن حمى اللهمحارمه , إلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله , وإذا فسدت فسد الجسد كله , ألا وهي القلب " رواه البخاري ومسلم .
-الشرح -
قسم النبي صلى الله عليه وسلم الأمور إلىثلاثة أقسام :
-قسم حلال بين لا اشتباه فيه
- وقسم حرام بين لااشتباه فيه
وهذان واضحان أما الحلال فحلال ولا يأثم الإنسان به , وأماالحرام فحرام ويأثم الإنسان به .
مثل الأول : حل بهيمة الأنعام ... ومثالالثاني : تحريم الخمر .
أما القسم الثالث فهم الأمر المشتبه الذي يشتبه حكمههل هو من الحلال أم من الحرام ؟ ويخفى حكمه على كثير من الناس , وإلا فهو معلوم عندآخرين .
فهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم الورع تركه وأن لا يقع فيهولهذا قال : " فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " استبرأ لدينه فيما بينهوبين الله , واستبرأ لعرضه فيما بينه وبين الناس بحيث لا يقولون : فلان وقع فيالحرام , حيث إنهم يعلمونه وهو عند مشتبه ثم ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلالذلك بالراعي يرعى حول الحمى " أي حول الأرض المحمية التي لا ترعها البهائم فتكونخضراء , لأنها لم ترعى فيها فإنها تجذب البهائم حتى تدب إليها وترعاها " " كالراعييرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه " ثم قال عليه الصلاة والسلام : " ألا وأن لكل ملكحمى "يعني بأنه جرت العادة بأن الملوك يحمون شيئا من الرياض التي يكون فيها العشبالكثير والزرع الكثير " ألا وإن حمى الله محارمه " أي ما حرمه على عباده فهو حماه , لأنه منعهم أن يقعوا فيه ثم بين أن في الجسد مضغة يعني لحمة بقدر ما يمضغه الاكلإذا صلحت صلح الجسد كله ثم بينها بقوله " ألا وهي القلب " وهو إشارة إلى أنه يجبعلى الإنسان أن يراعي مافي قلبه من الهوى الذي يعصف به حتى يقع في الحرام والأمورالمشتبهات .
- فيستفاد من هذا الحديث -
أولا : أن الشريعة الإسلامية حلالها بين وحرامها بين والمشتبه منهايعلمه بعض الناس .
ثانيا : أنه ينبغي للإنسان إذا اشتبه عليه الأمر أحلال هوأم حرام أن يجتنبه حتى يتبين له أنه حلال .
ومن فوائد الحديث : أن الإنسانإذا وقع في الأمور المشتبه هان عليه أن يقع في الأمور الواضحة فإذا مارس الشيءالمشتبه فإن نفسه تدعوه إلى أن يفعل الشيء البين وحينئذ يهلك .
ومن فوائدهذا الحديث : جواز ضرب المثل من أجل أن يتبين الأمر المعنوي بضرب الحسي أي أن تشبيهالمعقول بالمحسوس ليقرب فهمه .
ومن فوائد هذا الحديث : حسن تعليم الرسولعليه الصلاة والسلام بضربه للأمثال وتوضيحها .
ومن فوائد هذا الحديث : أنالمدار في الصلاح والفاسد على القلب وينبني على هذه الفائدة أنه يجب على الإنسانالعناية بقلبه دائما وأبدا حتى يستقيم على ما ينبغي أن يكون عليه .
ومنفوائد الحديث : أن فاسد الظاهر دليل على فاسد الباطن لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا صلحت صلح الجسد كله , وإذا فسدت فسد الجسد كله " ففساد الظاهر عنوان فسادالباطن
ومن فوائد هذا الحديث :بيان أن الإسلام له خمسة أركان , لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب بذلك وقال " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاةوتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا "
*ومنفوائد هذا الحديث :أنه لا بد أن يشهد الإنسان شهادة بلسانه موقنا بها بقلبهأن لا إله إلا الله فبمعنى لا إله أي لا معبود حق إلا الله فتسهد بلسانك موقنابقلبك أنه لا معبود من الخلق من الأنبياء أو الأولياء أو الصالحين أو الشجر أوالحجر أو غير ذلك حق إلا الله وأن ما عبد من دون الله فهو باطل لقول الله تعالى " ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَالْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ " الحج/62 ...
*ومن فوائد هذا الحديث :أن هذا الدين لا يكملإلا بشهادة أن محمدا رسول الله وهو محمد بن عبدالله القرشي الهاشمي , ومن أراد تمامالعلم بهذا الرسول الكريم فليقرأ القران وما تيسر من السنة وكتب التاريخ .
*ومن فوائد هذا الحديث :أن رسول الله صلىالله عليهوسلم جمع شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله في ركن واحد , وذلك لأن العبادة لا تتم إلا بأمرين الإخلاص لله وهو ما تضمنته شهادة أن لا إله إلاالله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما تتضمنه شهادة أن محمدا رسولالله , ولهذا جعلهما النبي صلى الله عليه وسلم ركنا واحدا في حديث ابن عمر حيث قال " بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله , وإقامالصلاة ... " وذكر تمام الحديث .
*ومن فوائد هذا الحديث :أن لا يتم إسلام العبد حتى يقيم الصلاة , وإقامة الصلاة أن يأتي بهامستقيمة حسب ما جاء به الشريعة , ولها –أي إقامة الصلاة- إقامة واجبة و إقامة كاملة , فالواجبة أن يقتصر على أقل ما يجب فيها .
*ومن فوائد الحديث :أنه لا يتم الإسلام إلا بإيتاء الزكاة . والزكاة هي المال المفروض من الأموال الزكوية وإيتاؤها وإعطاؤها من يستحقها , وقدبين الله ذلك في سورة التوبة في قوله " إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِوَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِيالرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةًمِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " التوبة/60 ...
وأما صوم رمضان فهوالتعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس , ورمضان هوالشهر الذي بين شعبان وشوال .
وأما حج البيت فهو القصد إلى مكة لأداءالمناسك , وقيد بالاستطاعة , لأن الغالب فيه المشقة وإلا فجميع الواجبات يشترطلوجوبها الاستطاعة لقوله تعالى " فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ " التغابن/16
ومن فوائد هذا الحديث :وصف الرسول الملكي للرسول البشري محمد صلى الله عليه وسلم بالصدق ولقد صدق جبريلفيما وصفه بالصدق فإن النبي صلى الله عليه وسلم أصدق الخلق .
*ومن فوائد الحديث : ذكاء الصحابة رضي الله عنهم حيث تعجبواكيف يصدق السائل من سأله , والأصل أن السائل جاهل والجاهل لا يمكن أن يحكم علىالكلام بالصدق أو الكذب لكن هذا العجب زال حين قال النبي صلى الله عليه وسلم " هذاجبريل جاء يعلمكم دينكم " .
*ومن فوائد هذا الحديث : أن الإيمان يتضمن ستة أمور : وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليومالآخر والقضاء والقدر خيره وشره .
*ومن فوائد هذاالحديث :التفريق بين الإسلام والإيمان , وهذا عند ذكرهما جميعا فإنه يقسرالإسلام بأعمال الجوارح والإيمان بأعمال القلوب ولكن عند الإطلاق يكون كل واحد منهاشاملا للآخر فقوله تعالى " .. وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا .. " المائدة/3 ... وقوله " وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا .. " ال عمران/85 ... يشملالإسلام والإيمان وقوله تبارك وتعالى " وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ... " الأنفال/19 ... وما أشبهها من الآيات يشمل الإيمان و الإسلام وكذلك قوله تعالى " .. فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ .. " النساء/92 ... يشمل الإسلام والإيمان .
*ومن فوائد هذا الحديث العظيم :أن الإيمانبالله أهم أركان الإيمان وأعظمها ولهذا قدمه النبي صلى الله عليه وسلم فقال " أنتؤمن بالله .. " .
والإيمان يتضمن الإيمان بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائهوصفاته ليس هو الإيمان بمجرد وجوده بل لا بد أن يتضمن الإيمان هذه الأمور الأربعة : الإيمان بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته .
*ومن فوائد هذا الحديث العظيم :إثبات الملائكة والملائكة عالغيبي وصفهم الله تعالى بأوصاف كثيرة في القران ووصفهم النبي صلى الله عليه وسلم فيالسنة وكيفية الإيمان بهم : أن نؤمن بأسماء من عينت أسماؤهم منهم ومن لم يعينلأسمائهم فإننا نؤمن بهم إجمالا ونؤمن كذلك بما ورد من أعمالهم التي يقوموه بها ماعلمنا منها , ونؤمن كذلك بأوصافهم التي وصفوا بها ما علمنا بها , ومن ذلك أن النبيصلى الله عليه وسلم رأى جبريل الصلاة والسلام وله ستمائة جناح قد سد بها الأفق علىخلقته التي خلق عليها .
وواجبنا نحو الملائكة أن نصدق بهم وأن نحبهم لأنهمعباد الله قائمون بأمره كمال قال تعالى".. وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَعَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَايَفْتُرُونَ " الأنبياء19/20.
*ومن فواد هذا الحديث : وجوب الإيمان بالكتب التي أنزلها الله عزوجل على رسله عليهم الصلاة والسلامقال تعالى " لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُالْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ .. " الحديد/25 .
فنؤمن بكل كتاب أنزله الله علىرسله لكن نؤمن إجمالا ونصدق بأنه حق . أما تفصيلا فإن الكتب السابقة جرى عليهاالتحريف والتبديل والتغيير فلم يكن للإنسان أن يميز من الحق منها والباطل وعلى هذافنقول : نمن بما أنزله الله من الكتب على سبيل الأجمال . أما التفصيل فإننا نخشى أنيكون مما حرف وبدل وغير هذا بالنسبة للإيمان بالكتب . أما العمل بها فالعمل إنما هوبما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم فقط . أما ما سواه فقد نسخ بهذه الشريعة .
*ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الإيمان بالرسلعليهم الصلاة والسلام فنؤمن بأن كل رسول أرسله الله فهو حق أتى بالحق صادق فيماأخبر صادق بما أمر به فنؤمن بهم إجمالا فيمن لم نعرفه بيعنه وتفصيلا فيمن عرفناهبيعنه .
قال تعالى " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْمَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ .. " غافر/78.. فمن قص علينا وعرفناه آمنا به بيعنه ومن لم يقص علينا ولم نعرفه نؤمن به إجمالا , والرسل عليهم الصلاة والسلام أولهم نوح و آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم , ومنهمالخمسة أولوا العزم الذين جمعهم الله في آيتين من كتاب الله فقال الله تبارك وتعالىفي سورة الأحزاب " وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَوَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ .. " الآيةالأحزاب/7 , وقال تعالى في سورة الشورى " شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىبِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَوَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا .. " الايةالشورى/13 .
*ومن فوائد هذا الحديث :الإيمانباليوم الآخر , واليوم الآخر هو يوم القيامة وسمي آخرا , لأنه آخر المطاف للبشر فإنللبشر أربعة دور :
الدار الأول : بطن أمه ... الدار الثاني : هذه الدنيا ... والدار الثالث : البرزخ ... والدار الرابع : اليوم الآخر , ولا دار بعده فإما إلىجنة أو إلى نار .
والإيمان باليوم الآخر يدخل فيه – كما قال شيخ الإسلام ابنتيمية رحمه الله- " كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموتفيدخل في ذلك ما يكون في القبر من سؤال الميت عن ربه ودينه ونبيه وما يكون في القبرمن نعيم أو عذاب "
ومن فوائد هذا الحديث : وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره وذلك بأن تؤمن بأمور أربعة :
الأول :أن تؤمن أن الله محيط بكل شيء علما جملة وتفصيلاأزلا وأبدا .
الثاني : أن تؤمن بأن الله كتبفي اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى قيام الساعة .
الثالث : أن تؤمن بأن كل ما يحدث في الكون فإنه بمشيئةالله عزوجل لا يخرج شيء عن مشيئته .
الرابع :أن تؤمن بأن الله خلق كل شيء , فكل شيء مخلوق لله عزوجل سواء كان من فعله الذي يختصبه كإنزال المطر وإخراج النبات أو من فعل العبد وفعل المخلوقات , فإن فعل المخلوقاتمن خلق الله عزوجل , لأن فعل المخلوق ناشئ من إرادة وقدرة والإرادة والقدرة من صفاتالعبد . والعبد وصفاته مخلوقة لله عزوجل فكل ما في الكون فهو من خلق الله تعالى .
ولقد قدر الله عزوجل ما يكون إلى يوم القيامة قبل خلق السماوات والأرضبخمسين ألف سنة فما قدر على الإنسان لك يكن ليخطئه وما لم يقدر لك يكن ليصيبه . هذهأركان الإيمان الستة بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتم الإيمان إلابالإيمان بهاجميعا . نسأل الله أن يجعلنا جميعا من المؤمنين بها .
*ومن فوائد هذا الحديث : بيان الإحسان وهو أن يعبد الإنسانربه عبادة رغبة وطلب كأنه يراه فيحب أن يصل إليه , وهذه الدرجة من الإحسان الأكمل , فأن لم يصل إلى هذه الحال فإلى الدرجة الثانية : أن يعبد الله عبادة خوف وهرب منعذابه ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم " فإن لم تكن تراه فإنه يراك " أي فإن لمتعبده كأنك تراه فإنه يراك .
*ومن فوائد هذا الحديثالعظيم :أن علم الساعة مكتوم لا يعلمه إلا الله عزوجل فمن ادعى علمه فهوكاذب , وهذا كان خافيا على أفضل الرسل من الملائكة جبريل عليه الصلاة السلام وأفضلالرسل من البشر محمد عليه الصلاة السلام .
*ومن فوائدهذا الحديث :أن للساعة أشراطا أي علامات كمال قال تعالى " هَلْ يَنْظُرُونَإِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُون " الزخرف/66 ... أي علاماتها , وقسم العلماء علامات الساعة إلى ثلاثة أقسام :
قسم مضىوقسم لا يزال يتجدد , وقسم لا يأتي إلا قرب قيام الساعة تماما وهي الأشراط الكبرىالعظمى كنزول عيسى ابن مريم عليه السلام والدجال ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس منمغربها .
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من أماراتها أن تلد الأمة ربتهايعني أن تكون المرأة أمة فتلد امرأة فتكون هذه المرأة غنية تملك مثل أمها وهو كنايةعن سرعة كثرة المال وانتشاره بين الناس ويؤيد ذلك المثل الذي بعده " وأن ترى الحفاةالعراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان " .
*ومنفوائد هذا الحديث : حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم حيث استفهم الصحابةهل يعلمون هذا السائل أم لا ؟ من أجل أن يعلمهم به وهذا أبلغ مما لو علمهم ابتداء , لإنه إذا سألهم ثم علمهم كان ذلك أدعى لوعي ما يقول وثبوته .
*ومن فوائد هذا الحديث العظيم :أن السائل عن العلم يعتبرمعلما وسبقت الإشارة إلى هذا لكن أريد أن أبين أنه ينبغي للإنسان أن يسأل عمايحتاجه ولو كان عالما به من أجل أن ينال أجر التعليم . واللهالموفق
الحديث الخامس ...
عن أبي عبدالرحمن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان " رواه البخاري ومسلم.
-الشرح -
هذا الحديث بين فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن الإسلام بمنزلة البناء الذي يظلل صاحبه ويحميه من الداخل والخارج , وبين فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنه بني على خمس ك شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان وقد تقدم الكلام على كل هذه الأركان في حديث عمر بن الخطاب الذي قبل هذا فليرجع إليه .
عن أميرالمؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليهوسلم يقول " إنما الأعمال بالنيات , وإنما لكل امرئ ما نوى , فمن كانت هجرته إلىالله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله , ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها و امرأةينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " متفق عليه
-الشرح -
هذا الحديث اصل عظيم في أعمال القلوب , لانالنيات من أعمال القلوب قال العلماء : وهذا الحديث نصف العبادات , لأنه ميزاالأعمال الباطنة وحديث عائشة رضي الله عنها " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهورد " وفي لفظ آخر " من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد " نصف الدين , لأنه ميزاالأعمال الظاهرة فيستفاد من قول النبي صلى الله عليه وسلم " إنما الأعمال بالنيات " أنه ما من عمل إلا وله نية , لأن كل إنسان عاقل مختار لا يمكن أن يعمل عملا بلا نية , حتى قال بعض العلماء " لو كلفنا الله عملا بلا نية لكان من تكليف ما لا يطاق " ويتفرع من هذه الفائدة :الرد على الموسوسين الذين يعملون الأعمال عدة مرات ثم يقوللهم الشيطان : إنكم لم تنووا . فإننا نقول لهم : لا , لا يمكن أبدا أن تعملوا عملاإلا بنية فخففوا على أنفسكم ودعوا هذه الوساوس .
ومن فوائد هذا الحديث أنالإنسان يؤجر أو يؤزر أو يحرم بحسب نيته لقول النبي صلى الله عليه وسلم " فمن كانتهجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله "
ويستفاد من هذا الحديث أيضاأن الأعمال بحسب ما تكون وسيلة له , فقد يكون الشيء المباح في الأصل يكون طاعة إذانوى به الإنسان خيرا , مثل أن ينوي بالأكل والشرب التقوي على طاعة الله , ولهذا قالالنبي صلى الله عليه وسلم " تسحروا فإن في السحور بركة "
* ومن فوائد هذاالحديث : أنه ينبغي للمعلم أن يضرب الأمثال التي يتبين بها الحكم , وقد ضرب النبيصلى الله عليه وسلم لهذا مثلا بالهجرة , وهي الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلاموبين أن الهجرة وهي عمل واحد تكون لإنسان أجرا وتكون لإنسان حرمانا , فالمهاجر الذييهاجر إلى الله ورسوله هذا يؤجر , ويصل إلى مراده . وهذا الحديث يدخل في بابالعبادات وفي باب المعاملات وفي باب الأنكحة وفي كل أبواب الفقه
الحديث الثاني ...
عن أم المؤمنين أم عبدالله عائشة رضي الله عنها قال : قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " رواه البخاري ومسلم , وفي رواية لمسلم " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد "
-الشرح -
هذا الحديث قال العلماء : إنه ميزان ظاهرالأعمال وحديث عمر الذي هو في أول الكتاب " إنما الأعمال بالنيات " ميزان باطنالأعمال , لأن العمل له نية و له صورة فالصورة هي ظاهر العمل والنية باطن العمل .
وفي هذا الحديث فوائد : أن من أحدث في هذا الأمر -أي الإسلام- ما ليس منهفهو مردود عليه ولو كان حسن النية وينبني على هذه الفائدة أن جميع البدع مردودة علىصاحبها ولو حسنت نيته .
ومن فوائد هذا الحديث : أن من عمل عملا ولو كان أصلهمشروعا ولكن عمله على غير ذلك الوجه الذي أمر به فإنه يكون مردودا بناء على الروايةالثانية في مسلم .
وعلى هذا فمن باع بيعا محرما فبيعه باطل , ومن صلى صلاةتطوع لغير سبب في وقت النهي فصلاته باطلة ومن صام يوم العيد فصومه باطل وهلم جرا , لأن هذه كلها ليس عليها أمر الله ورسوله فتكون باطلة مردودة .
الحديث الثالث ...
عن أبيعبدالله النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلميقول " إن الحلال بين و الحرام بين , وبينهما مشتبهات قد لا يعلمهن كثير من الناس , فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه , ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام , كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه , ألا وأن لكل ملك حمى , ألا وإن حمى اللهمحارمه , إلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله , وإذا فسدت فسد الجسد كله , ألا وهي القلب " رواه البخاري ومسلم .
-الشرح -
قسم النبي صلى الله عليه وسلم الأمور إلىثلاثة أقسام :
-قسم حلال بين لا اشتباه فيه
- وقسم حرام بين لااشتباه فيه
وهذان واضحان أما الحلال فحلال ولا يأثم الإنسان به , وأماالحرام فحرام ويأثم الإنسان به .
مثل الأول : حل بهيمة الأنعام ... ومثالالثاني : تحريم الخمر .
أما القسم الثالث فهم الأمر المشتبه الذي يشتبه حكمههل هو من الحلال أم من الحرام ؟ ويخفى حكمه على كثير من الناس , وإلا فهو معلوم عندآخرين .
فهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم الورع تركه وأن لا يقع فيهولهذا قال : " فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " استبرأ لدينه فيما بينهوبين الله , واستبرأ لعرضه فيما بينه وبين الناس بحيث لا يقولون : فلان وقع فيالحرام , حيث إنهم يعلمونه وهو عند مشتبه ثم ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلالذلك بالراعي يرعى حول الحمى " أي حول الأرض المحمية التي لا ترعها البهائم فتكونخضراء , لأنها لم ترعى فيها فإنها تجذب البهائم حتى تدب إليها وترعاها " " كالراعييرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه " ثم قال عليه الصلاة والسلام : " ألا وأن لكل ملكحمى "يعني بأنه جرت العادة بأن الملوك يحمون شيئا من الرياض التي يكون فيها العشبالكثير والزرع الكثير " ألا وإن حمى الله محارمه " أي ما حرمه على عباده فهو حماه , لأنه منعهم أن يقعوا فيه ثم بين أن في الجسد مضغة يعني لحمة بقدر ما يمضغه الاكلإذا صلحت صلح الجسد كله ثم بينها بقوله " ألا وهي القلب " وهو إشارة إلى أنه يجبعلى الإنسان أن يراعي مافي قلبه من الهوى الذي يعصف به حتى يقع في الحرام والأمورالمشتبهات .
- فيستفاد من هذا الحديث -
أولا : أن الشريعة الإسلامية حلالها بين وحرامها بين والمشتبه منهايعلمه بعض الناس .
ثانيا : أنه ينبغي للإنسان إذا اشتبه عليه الأمر أحلال هوأم حرام أن يجتنبه حتى يتبين له أنه حلال .
ومن فوائد الحديث : أن الإنسانإذا وقع في الأمور المشتبه هان عليه أن يقع في الأمور الواضحة فإذا مارس الشيءالمشتبه فإن نفسه تدعوه إلى أن يفعل الشيء البين وحينئذ يهلك .
ومن فوائدهذا الحديث : جواز ضرب المثل من أجل أن يتبين الأمر المعنوي بضرب الحسي أي أن تشبيهالمعقول بالمحسوس ليقرب فهمه .
ومن فوائد هذا الحديث : حسن تعليم الرسولعليه الصلاة والسلام بضربه للأمثال وتوضيحها .
ومن فوائد هذا الحديث : أنالمدار في الصلاح والفاسد على القلب وينبني على هذه الفائدة أنه يجب على الإنسانالعناية بقلبه دائما وأبدا حتى يستقيم على ما ينبغي أن يكون عليه .
ومنفوائد الحديث : أن فاسد الظاهر دليل على فاسد الباطن لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا صلحت صلح الجسد كله , وإذا فسدت فسد الجسد كله " ففساد الظاهر عنوان فسادالباطن
ومن فوائد هذا الحديث :بيان أن الإسلام له خمسة أركان , لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب بذلك وقال " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاةوتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا "
*ومنفوائد هذا الحديث :أنه لا بد أن يشهد الإنسان شهادة بلسانه موقنا بها بقلبهأن لا إله إلا الله فبمعنى لا إله أي لا معبود حق إلا الله فتسهد بلسانك موقنابقلبك أنه لا معبود من الخلق من الأنبياء أو الأولياء أو الصالحين أو الشجر أوالحجر أو غير ذلك حق إلا الله وأن ما عبد من دون الله فهو باطل لقول الله تعالى " ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَالْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ " الحج/62 ...
*ومن فوائد هذا الحديث :أن هذا الدين لا يكملإلا بشهادة أن محمدا رسول الله وهو محمد بن عبدالله القرشي الهاشمي , ومن أراد تمامالعلم بهذا الرسول الكريم فليقرأ القران وما تيسر من السنة وكتب التاريخ .
*ومن فوائد هذا الحديث :أن رسول الله صلىالله عليهوسلم جمع شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله في ركن واحد , وذلك لأن العبادة لا تتم إلا بأمرين الإخلاص لله وهو ما تضمنته شهادة أن لا إله إلاالله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما تتضمنه شهادة أن محمدا رسولالله , ولهذا جعلهما النبي صلى الله عليه وسلم ركنا واحدا في حديث ابن عمر حيث قال " بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله , وإقامالصلاة ... " وذكر تمام الحديث .
*ومن فوائد هذا الحديث :أن لا يتم إسلام العبد حتى يقيم الصلاة , وإقامة الصلاة أن يأتي بهامستقيمة حسب ما جاء به الشريعة , ولها –أي إقامة الصلاة- إقامة واجبة و إقامة كاملة , فالواجبة أن يقتصر على أقل ما يجب فيها .
والكاملة أن يأتي بمكملاتها على حسب ماهو معروف في الكتاب والسنة وأقوال العلماء .
*ومن فوائد الحديث :أنه لا يتم الإسلام إلا بإيتاء الزكاة . والزكاة هي المال المفروض من الأموال الزكوية وإيتاؤها وإعطاؤها من يستحقها , وقدبين الله ذلك في سورة التوبة في قوله " إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِوَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِيالرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةًمِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " التوبة/60 ...
وأما صوم رمضان فهوالتعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس , ورمضان هوالشهر الذي بين شعبان وشوال .
وأما حج البيت فهو القصد إلى مكة لأداءالمناسك , وقيد بالاستطاعة , لأن الغالب فيه المشقة وإلا فجميع الواجبات يشترطلوجوبها الاستطاعة لقوله تعالى " فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ " التغابن/16
ومن فوائد هذا الحديث :وصف الرسول الملكي للرسول البشري محمد صلى الله عليه وسلم بالصدق ولقد صدق جبريلفيما وصفه بالصدق فإن النبي صلى الله عليه وسلم أصدق الخلق .
*ومن فوائد الحديث : ذكاء الصحابة رضي الله عنهم حيث تعجبواكيف يصدق السائل من سأله , والأصل أن السائل جاهل والجاهل لا يمكن أن يحكم علىالكلام بالصدق أو الكذب لكن هذا العجب زال حين قال النبي صلى الله عليه وسلم " هذاجبريل جاء يعلمكم دينكم " .
*ومن فوائد هذا الحديث : أن الإيمان يتضمن ستة أمور : وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليومالآخر والقضاء والقدر خيره وشره .
*ومن فوائد هذاالحديث :التفريق بين الإسلام والإيمان , وهذا عند ذكرهما جميعا فإنه يقسرالإسلام بأعمال الجوارح والإيمان بأعمال القلوب ولكن عند الإطلاق يكون كل واحد منهاشاملا للآخر فقوله تعالى " .. وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا .. " المائدة/3 ... وقوله " وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا .. " ال عمران/85 ... يشملالإسلام والإيمان وقوله تبارك وتعالى " وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ... " الأنفال/19 ... وما أشبهها من الآيات يشمل الإيمان و الإسلام وكذلك قوله تعالى " .. فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ .. " النساء/92 ... يشمل الإسلام والإيمان .
*ومن فوائد هذا الحديث العظيم :أن الإيمانبالله أهم أركان الإيمان وأعظمها ولهذا قدمه النبي صلى الله عليه وسلم فقال " أنتؤمن بالله .. " .
والإيمان يتضمن الإيمان بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائهوصفاته ليس هو الإيمان بمجرد وجوده بل لا بد أن يتضمن الإيمان هذه الأمور الأربعة : الإيمان بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته .
*ومن فوائد هذا الحديث العظيم :إثبات الملائكة والملائكة عالغيبي وصفهم الله تعالى بأوصاف كثيرة في القران ووصفهم النبي صلى الله عليه وسلم فيالسنة وكيفية الإيمان بهم : أن نؤمن بأسماء من عينت أسماؤهم منهم ومن لم يعينلأسمائهم فإننا نؤمن بهم إجمالا ونؤمن كذلك بما ورد من أعمالهم التي يقوموه بها ماعلمنا منها , ونؤمن كذلك بأوصافهم التي وصفوا بها ما علمنا بها , ومن ذلك أن النبيصلى الله عليه وسلم رأى جبريل الصلاة والسلام وله ستمائة جناح قد سد بها الأفق علىخلقته التي خلق عليها .
وواجبنا نحو الملائكة أن نصدق بهم وأن نحبهم لأنهمعباد الله قائمون بأمره كمال قال تعالى".. وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَعَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَايَفْتُرُونَ " الأنبياء19/20.
*ومن فواد هذا الحديث : وجوب الإيمان بالكتب التي أنزلها الله عزوجل على رسله عليهم الصلاة والسلامقال تعالى " لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُالْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ .. " الحديد/25 .
فنؤمن بكل كتاب أنزله الله علىرسله لكن نؤمن إجمالا ونصدق بأنه حق . أما تفصيلا فإن الكتب السابقة جرى عليهاالتحريف والتبديل والتغيير فلم يكن للإنسان أن يميز من الحق منها والباطل وعلى هذافنقول : نمن بما أنزله الله من الكتب على سبيل الأجمال . أما التفصيل فإننا نخشى أنيكون مما حرف وبدل وغير هذا بالنسبة للإيمان بالكتب . أما العمل بها فالعمل إنما هوبما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم فقط . أما ما سواه فقد نسخ بهذه الشريعة .
*ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الإيمان بالرسلعليهم الصلاة والسلام فنؤمن بأن كل رسول أرسله الله فهو حق أتى بالحق صادق فيماأخبر صادق بما أمر به فنؤمن بهم إجمالا فيمن لم نعرفه بيعنه وتفصيلا فيمن عرفناهبيعنه .
قال تعالى " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْمَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ .. " غافر/78.. فمن قص علينا وعرفناه آمنا به بيعنه ومن لم يقص علينا ولم نعرفه نؤمن به إجمالا , والرسل عليهم الصلاة والسلام أولهم نوح و آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم , ومنهمالخمسة أولوا العزم الذين جمعهم الله في آيتين من كتاب الله فقال الله تبارك وتعالىفي سورة الأحزاب " وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَوَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ .. " الآيةالأحزاب/7 , وقال تعالى في سورة الشورى " شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىبِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَوَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا .. " الايةالشورى/13 .
*ومن فوائد هذا الحديث :الإيمانباليوم الآخر , واليوم الآخر هو يوم القيامة وسمي آخرا , لأنه آخر المطاف للبشر فإنللبشر أربعة دور :
الدار الأول : بطن أمه ... الدار الثاني : هذه الدنيا ... والدار الثالث : البرزخ ... والدار الرابع : اليوم الآخر , ولا دار بعده فإما إلىجنة أو إلى نار .
والإيمان باليوم الآخر يدخل فيه – كما قال شيخ الإسلام ابنتيمية رحمه الله- " كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموتفيدخل في ذلك ما يكون في القبر من سؤال الميت عن ربه ودينه ونبيه وما يكون في القبرمن نعيم أو عذاب "
ومن فوائد هذا الحديث : وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره وذلك بأن تؤمن بأمور أربعة :
الأول :أن تؤمن أن الله محيط بكل شيء علما جملة وتفصيلاأزلا وأبدا .
الثاني : أن تؤمن بأن الله كتبفي اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى قيام الساعة .
الثالث : أن تؤمن بأن كل ما يحدث في الكون فإنه بمشيئةالله عزوجل لا يخرج شيء عن مشيئته .
الرابع :أن تؤمن بأن الله خلق كل شيء , فكل شيء مخلوق لله عزوجل سواء كان من فعله الذي يختصبه كإنزال المطر وإخراج النبات أو من فعل العبد وفعل المخلوقات , فإن فعل المخلوقاتمن خلق الله عزوجل , لأن فعل المخلوق ناشئ من إرادة وقدرة والإرادة والقدرة من صفاتالعبد . والعبد وصفاته مخلوقة لله عزوجل فكل ما في الكون فهو من خلق الله تعالى .
ولقد قدر الله عزوجل ما يكون إلى يوم القيامة قبل خلق السماوات والأرضبخمسين ألف سنة فما قدر على الإنسان لك يكن ليخطئه وما لم يقدر لك يكن ليصيبه . هذهأركان الإيمان الستة بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتم الإيمان إلابالإيمان بهاجميعا . نسأل الله أن يجعلنا جميعا من المؤمنين بها .
*ومن فوائد هذا الحديث : بيان الإحسان وهو أن يعبد الإنسانربه عبادة رغبة وطلب كأنه يراه فيحب أن يصل إليه , وهذه الدرجة من الإحسان الأكمل , فأن لم يصل إلى هذه الحال فإلى الدرجة الثانية : أن يعبد الله عبادة خوف وهرب منعذابه ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم " فإن لم تكن تراه فإنه يراك " أي فإن لمتعبده كأنك تراه فإنه يراك .
*ومن فوائد هذا الحديثالعظيم :أن علم الساعة مكتوم لا يعلمه إلا الله عزوجل فمن ادعى علمه فهوكاذب , وهذا كان خافيا على أفضل الرسل من الملائكة جبريل عليه الصلاة السلام وأفضلالرسل من البشر محمد عليه الصلاة السلام .
*ومن فوائدهذا الحديث :أن للساعة أشراطا أي علامات كمال قال تعالى " هَلْ يَنْظُرُونَإِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُون " الزخرف/66 ... أي علاماتها , وقسم العلماء علامات الساعة إلى ثلاثة أقسام :
قسم مضىوقسم لا يزال يتجدد , وقسم لا يأتي إلا قرب قيام الساعة تماما وهي الأشراط الكبرىالعظمى كنزول عيسى ابن مريم عليه السلام والدجال ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس منمغربها .
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من أماراتها أن تلد الأمة ربتهايعني أن تكون المرأة أمة فتلد امرأة فتكون هذه المرأة غنية تملك مثل أمها وهو كنايةعن سرعة كثرة المال وانتشاره بين الناس ويؤيد ذلك المثل الذي بعده " وأن ترى الحفاةالعراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان " .
*ومنفوائد هذا الحديث : حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم حيث استفهم الصحابةهل يعلمون هذا السائل أم لا ؟ من أجل أن يعلمهم به وهذا أبلغ مما لو علمهم ابتداء , لإنه إذا سألهم ثم علمهم كان ذلك أدعى لوعي ما يقول وثبوته .
*ومن فوائد هذا الحديث العظيم :أن السائل عن العلم يعتبرمعلما وسبقت الإشارة إلى هذا لكن أريد أن أبين أنه ينبغي للإنسان أن يسأل عمايحتاجه ولو كان عالما به من أجل أن ينال أجر التعليم . واللهالموفق
الحديث الخامس ...
عن أبي عبدالرحمن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان " رواه البخاري ومسلم.
-الشرح -
هذا الحديث بين فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن الإسلام بمنزلة البناء الذي يظلل صاحبه ويحميه من الداخل والخارج , وبين فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنه بني على خمس ك شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان وقد تقدم الكلام على كل هذه الأركان في حديث عمر بن الخطاب الذي قبل هذا فليرجع إليه .