في ذكرى ميلاد فاطمة
مدخل:
إن المتابع للنصوص الإسلامية الصادرة سواء في القرآن الكريم، أو من خلال المعصومين(ع) ابتداء بالنبي الأكرم(ص) وصولاً إلى الإمام الحجة المنـتظر المهدي(عج) يجد تأكيداً كثيراً على شخصية فاطمة الزهراء(ع)، ودورها الكبير في الحياة الإسلامية.
فنرى في آية التطهير وهي قوله تعالى:- ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)[1]، أن الزهراء تمثل المحور فيها، فهي أبنة رسول الله(ص) وزوجة الإمام أمير المؤمنين(ع)، وأم الحسنين(ع)، وهؤلاء الخمسة هم الذين نزلت فيهم آية التطهير، وأكدها رسول الله(ص)لأمته في تلاوته(ص) لها مرات عديدة على مسامع صحابته، حين كان يطرق باب فاطمة الزهراء(ع) في رواحه ومجيئه من المسجد أو في ذهابه وإيابه من السفر، أو في المناسبات المختلفة، فكان يطرق باب بيت فاطمة الزهراء(ع)، وهو يتلو:-
( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً).
فهنا نجد نوع تأكيد على شخصية السيدة الزهراء(ع).
كما نجد هذا المعنى أيضاً في بقية الآيات القرآنية، كما في آية المودة، وآية القربى، وآية المباهلة، وسورة الدهر، وغيرها من الآيات التي تـتحدث عن أهل البيت(ع).
إذ نلاحظ أن السيدة فاطمة(ع) هي المحور لكل هذه المضامين، فعندما نـتحدث عن المودة في قربى النبي(ص) نجد أن الزهراء(ع) هي أقرب الناس إليه(ص)، وهكذا في جميع المناسبات.
وعندما نـتصفح النصوص الحديثية الصادرة عنهم(ع)، ولنبدأ بما جاء عن النبي(ص)، والتي رواها وأثبتها الفريقان من الشيعة والسنة، نراها تؤكد ذلك بحيث لا يضاهيه تأكيد ورد عن الرسول(ص)، إلا ما ورد عنه(ص) في التأكيد على منـزلة ودور بعلها علي(ع)، ومكانة أبنيها الحسن والحسين(ع)، فنجد الرسول الكريم(ص) يقول: إن الله ليغضب لغضب الزهراء، ويرضى لرضى الزهراء.
وقال: الزهراء سيدة نساء العالمين، وجاء عنه(ص): فاطمة مني يرضيني ما أرضاها، ويغضبني ما أغضبها، إلى غير ذلك مما جاء عنه(ص) في مقام التأكيد على هذه الشخصية.
وهذا المعنى لم يكن مقتصراً على النبي(ص)، بل نجده عند بقية الأئمة المعصومين(ع)، فهذا إمامنا الباقر(ع) يقول: ولقد كانت مفروضة الطاعة على جميع من خلق الله من الجن والأنس والطير والوحوش والأنبياء والملائكة.
وقال أمامنا أبو محمد الحسن العسكري(ع): نحن حجج الله على البرايا، وفاطمة حجة علينا.
وجاء عن الناحية المقدسة، قوله: ولي في أبنة رسول الله أسوة حسنة.
فضلاً عما جاء عن أبي عبد الله الصادق(ع) من أنها ليلة القدر، فكما أن ليلة القدر قد خفيت على العباد، فقد خفي على العباد أيضاً معرفتها(ع).
تأكيد المعصومين على شخصية الزهراء:
هذا التأكيد الصادر عنهم(ع)، ولنقصر الأمر على ما صدر عن النبي محمد(ص)، يثير سؤالاً، وهو:
لماذا قام رسول الله(ص) بهذا القدر الكبير من التأكيد على شخصية الزهراء(ع)؟....
إن صدور التأكيد منه(ص) على شخصية أمير المؤمنين علي(ع)، له وجهه، باعتبار أن علياً(ع) أريد له أن يكون إماماً للمسلمين، وأن يأخذ هذا الموقع المتميز بين المسلمين في هذه الرسالة الخاتمة رسالة الإسلام، التي امتازت بوجود منصب الإمامة فيها.
وكذلك يفهم تركيز وتأكيد الرسول الأكرم(ص) بخصوص الإمامين الحسن والحسين(ع)، باعتبارهما يمثلان امتداد هذه الإمامة، وباعتبار الدور العظيم الذي يمكن أن يقوم به هذان الإمامان في مستقبل الإسلام.
وقد قاما بذلك فعلاً، وهو من الأدوار المتميزة في حركة التأريخ الإسلامي.
لكن هذا التأكيد قد يـبدو غريـباً بالنسبة إلى السيدة فاطمة(ع)، فهل أن القضية مجرد تعبير عاطفي أصيل صدر من الرسول محمد(ص)؟...
أم كان وراء هذا التأكيد أهداف أخرى مهمة وصالحة، كان يهدف لها النبي(ص)؟...
لا ريب أن التصور الأول مرفوض عندنا جملة وتفصيلاً، لكوننا نعتقد أن جميع ما يصدر عن النبي(ص) أمراً سماوي، يوحى له من قبل الله سبحانه وتعالى على لسان الأمين جبرئيل.
إذاً ما هو السر في هذا التأكيد على هذه الشخصية وهذا الاهتمام الخاص بها؟...
إن الإجابة عن هذا السؤال، توضح لنا الدور المتميز الذي يراه الإسلام للمرأة في الحياة الإنسانية والمجتمع الصالح، وأراد النبي(ص) ومن قبله القرآن الكريم، في نصوصه المباركة التي تضمنت التأكيد على شخصية الزهراء(ع)، أن يوضح هذا الدور في حياة المسلمين والإنسانية بصورة عامة.
لأن المرأة قبل الإسلام وفي كافة الحضارات السابقة للإسلام، لم يكن لها مثل هذا الدور المتميز الذي رسمه الإسلام لها، سواء في الحضارات الوضعية المادية، كالحضارة الرومانية أو الحضارة الفارسية أو الحضارة اليونانية، وغيرها من الحضارات التي شهدها التأريخ البشري، أو فيما وصلنا من الرسالات الإلهية الأخرى أيضاً، التي لا يـبدو فيها هذا الدور للمرأة بهذه الصورة وبهذا الوضوح.
فهذا القرآن الكريم، يتحدث عن دور متميز لنساء مهمات في التاريخ الإنساني، من قبيل دور امرأة فرعون آسية بنت مزاحم، ودور السيدة مريم بنت عمران(ع)، التي تحدث عنها بحديث الاصطفاء، والتطهير والموقع الخاص.
لكن يـبقى هذا الحديث فيما عرضه القرآن الكريم، حديثاً يرتبط بالسلوك الشخصي لمريم، وتكاملاتها المعنوية الروحية، وكذلك في السلوك الشخصي والموقف الرسالي ذي الطابع الشخصي لآسية بنت مزاحم.
أما الزهراء(ع)، فإن لوجودها ودورها من خلال نظرة الإسلام وتأكيداته، أبعاداً أوسع بكثير من هذا البعد، الذي يمكن أن نراه في شخصية السيدة مريم(ع)، من خلال ما تحدث عنها القرآن الكريم، أو نراه في شخصية آسية من خلال ما تحدث عنها القرآن كذلك.
فالزهراء(ع) حينما يصفها النبي(ص) بأنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، على ما ورد عنه(ص)،يراد من ذلك إعطاء وتقديم الأبعاد المتعددة في هذه الشخصية، ومن ثم إعطاء هذه الأدوار المتعددة في هذه شخصية المرأة وحركتها في المجتمع والتأريخ، لأن الزهراء هي المثال الصالح لذلك.
وبصورة موجزة، أحاول الإشارة إلى بعض الأدوار وعناوينها الرئيسية في شخصية الزهراء(ع)، وأترك المجال للتفكير في المقارنة واستنباط الآفاق والتفاصيل ، ليكتشف في هذه الأبعاد خصوصية الزهراء(ع)، التي لا يمكن أن توجد في النساء التي سبقن السيدة فاطمة(روحي لها الفداء)، ومن ثم معرفة سر كل هذا التأكيد الواسع من قبل رسول الله(ص)، وقبله تأكيد القرآن الكريم، على شخصيتها، وذلك لرسم معالم الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها المرأة في الحياة الإنسانية، وفي المجتمع الصالح، من خلال تقديم هذا المثل الصالح، وهذه القدوة والأسوة الطاهرة، وهذا النموذج الراقي والكامل للمرأة وأدوارها في المجتمع.
الدور الأول: الهوية الإنسانية التكاملية:
وهو ما يمكن أن نستنبطه من نصوص القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة التي جاءت عن الرسول(ص)، بخصوص فاطمة(ع)، وهو جانب الكمال في الهوية الإنسانية.
فالقرآن الكريم والرسالة الإسلامية، أرادا أن يعطيا هذه الصورة وهذا الفهم، حول هوية المرأة في مضمونها وموقعها في مسيرة الحياة الإنسانية، فهما يؤكدان أن المرأة من حيث هويتها الإنسانية، تحظى وتـتصف بهوية كاملة في إنسانيتها، ولا يوجد فيها أي جانب من جوانب النقص في هذه الهوية بحيث يعيق حركتها الإنسانية التكاملية.
وقد أراد الله سبحان للإنسان أن يقوم بواجبات ومسؤوليات كثيرة في هذه الحياة، وأعطى لهذا الإنسان حقوقاً في هذه الحياة من أجل أن يواصل مسيره إلى الله تعالى:- (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه)[2]، ويـبلغ في هذا المسير درجات الكمال الإنساني القريب من الله تعالى.
هذه الصورة التي يتحدث عنها القرآن في هوية الإنسان، وفي شخصيته ومسيرته وأهداف هذه المسيرة، أُريد لها أن تكون واضحة في شخصية المرأة كما أنها واضحة في شخصية الرجل، فكما أن الرجل في هويته الإنسانية وفي شخصيته وواجباته العامة، وفي أهدافه ومواهبه وإمكاناته للوصول إليها وحقوقه العامة، يتمتع بالهوية الإنسانية الكاملة، كذلك المرأة فهي تـتمع وتـتصف بهذا الجانب.
ومن ثم يمكن أن نقول: إن المرأة مساوية للرجل في هذه الهوية، ولقد كان هذا التأكيد البالغ من القرآن الكريم والنبي الأكرم(ص) على شخصية الزهراء(ع)، أُريد فيما أُريد توضيح هذا الجانب، لأن النظرة الجاهلية بكل أشكالها قبل الإسلام، كانت تعتبر المرأة ناقصة في الهوية والكمال، وتعيش في ظل الرجل، وتابعة في الهوية الشخصية له.
فأراد الإسلام أن يوضح حقيقة من الحقائق الإنسانية ذات العلاقة بالوجود الإنساني، وهذه الحقيقة هي أن المرأة في إنسانيتها كاملة، كما أن الرجل كامل في هذه الإنسانية، وبذلك يمكن أن نفسر الحكمة الإلهية في أن تكون ذرية الرسول(ص)، مع أنه سيد الأنبياء والمرسلين وخاتمهم، متمثلة في امرأة هي ابنـته الزهراء(ع)، وكان يمكن أن يكون الاستمرار لرسول الله(ص) في ذريته من خلال أولاد ذكور، كما استمر إبراهيم الخليل(ع) في وجوده من خلال هؤلاء الذكور، والله أعلم بحقائق الأمور.
وبالجملة، فرسول الله(ص) أريد له أن يـبقى ويستمر من خلال ذريته من الزهراء(ع)، وهي قضية تعبر في الواقع عن أن هذه المرأة في قيمتها الإنسانية،قيمة كاملة، يمكن أن تـتحول إلى وجود يستمر به أقدس الأشياء في هذه الحياة الإنسانية، وهي خط النبوة والإمامة في الحركة الاجتماعية التكاملية.
ويمكن أن نفهم هذا المعنى الذي جسدته النصوص الواردة عن الرسول(ص)، عندما
مدخل:
إن المتابع للنصوص الإسلامية الصادرة سواء في القرآن الكريم، أو من خلال المعصومين(ع) ابتداء بالنبي الأكرم(ص) وصولاً إلى الإمام الحجة المنـتظر المهدي(عج) يجد تأكيداً كثيراً على شخصية فاطمة الزهراء(ع)، ودورها الكبير في الحياة الإسلامية.
فنرى في آية التطهير وهي قوله تعالى:- ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)[1]، أن الزهراء تمثل المحور فيها، فهي أبنة رسول الله(ص) وزوجة الإمام أمير المؤمنين(ع)، وأم الحسنين(ع)، وهؤلاء الخمسة هم الذين نزلت فيهم آية التطهير، وأكدها رسول الله(ص)لأمته في تلاوته(ص) لها مرات عديدة على مسامع صحابته، حين كان يطرق باب فاطمة الزهراء(ع) في رواحه ومجيئه من المسجد أو في ذهابه وإيابه من السفر، أو في المناسبات المختلفة، فكان يطرق باب بيت فاطمة الزهراء(ع)، وهو يتلو:-
( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً).
فهنا نجد نوع تأكيد على شخصية السيدة الزهراء(ع).
كما نجد هذا المعنى أيضاً في بقية الآيات القرآنية، كما في آية المودة، وآية القربى، وآية المباهلة، وسورة الدهر، وغيرها من الآيات التي تـتحدث عن أهل البيت(ع).
إذ نلاحظ أن السيدة فاطمة(ع) هي المحور لكل هذه المضامين، فعندما نـتحدث عن المودة في قربى النبي(ص) نجد أن الزهراء(ع) هي أقرب الناس إليه(ص)، وهكذا في جميع المناسبات.
وعندما نـتصفح النصوص الحديثية الصادرة عنهم(ع)، ولنبدأ بما جاء عن النبي(ص)، والتي رواها وأثبتها الفريقان من الشيعة والسنة، نراها تؤكد ذلك بحيث لا يضاهيه تأكيد ورد عن الرسول(ص)، إلا ما ورد عنه(ص) في التأكيد على منـزلة ودور بعلها علي(ع)، ومكانة أبنيها الحسن والحسين(ع)، فنجد الرسول الكريم(ص) يقول: إن الله ليغضب لغضب الزهراء، ويرضى لرضى الزهراء.
وقال: الزهراء سيدة نساء العالمين، وجاء عنه(ص): فاطمة مني يرضيني ما أرضاها، ويغضبني ما أغضبها، إلى غير ذلك مما جاء عنه(ص) في مقام التأكيد على هذه الشخصية.
وهذا المعنى لم يكن مقتصراً على النبي(ص)، بل نجده عند بقية الأئمة المعصومين(ع)، فهذا إمامنا الباقر(ع) يقول: ولقد كانت مفروضة الطاعة على جميع من خلق الله من الجن والأنس والطير والوحوش والأنبياء والملائكة.
وقال أمامنا أبو محمد الحسن العسكري(ع): نحن حجج الله على البرايا، وفاطمة حجة علينا.
وجاء عن الناحية المقدسة، قوله: ولي في أبنة رسول الله أسوة حسنة.
فضلاً عما جاء عن أبي عبد الله الصادق(ع) من أنها ليلة القدر، فكما أن ليلة القدر قد خفيت على العباد، فقد خفي على العباد أيضاً معرفتها(ع).
تأكيد المعصومين على شخصية الزهراء:
هذا التأكيد الصادر عنهم(ع)، ولنقصر الأمر على ما صدر عن النبي محمد(ص)، يثير سؤالاً، وهو:
لماذا قام رسول الله(ص) بهذا القدر الكبير من التأكيد على شخصية الزهراء(ع)؟....
إن صدور التأكيد منه(ص) على شخصية أمير المؤمنين علي(ع)، له وجهه، باعتبار أن علياً(ع) أريد له أن يكون إماماً للمسلمين، وأن يأخذ هذا الموقع المتميز بين المسلمين في هذه الرسالة الخاتمة رسالة الإسلام، التي امتازت بوجود منصب الإمامة فيها.
وكذلك يفهم تركيز وتأكيد الرسول الأكرم(ص) بخصوص الإمامين الحسن والحسين(ع)، باعتبارهما يمثلان امتداد هذه الإمامة، وباعتبار الدور العظيم الذي يمكن أن يقوم به هذان الإمامان في مستقبل الإسلام.
وقد قاما بذلك فعلاً، وهو من الأدوار المتميزة في حركة التأريخ الإسلامي.
لكن هذا التأكيد قد يـبدو غريـباً بالنسبة إلى السيدة فاطمة(ع)، فهل أن القضية مجرد تعبير عاطفي أصيل صدر من الرسول محمد(ص)؟...
أم كان وراء هذا التأكيد أهداف أخرى مهمة وصالحة، كان يهدف لها النبي(ص)؟...
لا ريب أن التصور الأول مرفوض عندنا جملة وتفصيلاً، لكوننا نعتقد أن جميع ما يصدر عن النبي(ص) أمراً سماوي، يوحى له من قبل الله سبحانه وتعالى على لسان الأمين جبرئيل.
إذاً ما هو السر في هذا التأكيد على هذه الشخصية وهذا الاهتمام الخاص بها؟...
إن الإجابة عن هذا السؤال، توضح لنا الدور المتميز الذي يراه الإسلام للمرأة في الحياة الإنسانية والمجتمع الصالح، وأراد النبي(ص) ومن قبله القرآن الكريم، في نصوصه المباركة التي تضمنت التأكيد على شخصية الزهراء(ع)، أن يوضح هذا الدور في حياة المسلمين والإنسانية بصورة عامة.
لأن المرأة قبل الإسلام وفي كافة الحضارات السابقة للإسلام، لم يكن لها مثل هذا الدور المتميز الذي رسمه الإسلام لها، سواء في الحضارات الوضعية المادية، كالحضارة الرومانية أو الحضارة الفارسية أو الحضارة اليونانية، وغيرها من الحضارات التي شهدها التأريخ البشري، أو فيما وصلنا من الرسالات الإلهية الأخرى أيضاً، التي لا يـبدو فيها هذا الدور للمرأة بهذه الصورة وبهذا الوضوح.
فهذا القرآن الكريم، يتحدث عن دور متميز لنساء مهمات في التاريخ الإنساني، من قبيل دور امرأة فرعون آسية بنت مزاحم، ودور السيدة مريم بنت عمران(ع)، التي تحدث عنها بحديث الاصطفاء، والتطهير والموقع الخاص.
لكن يـبقى هذا الحديث فيما عرضه القرآن الكريم، حديثاً يرتبط بالسلوك الشخصي لمريم، وتكاملاتها المعنوية الروحية، وكذلك في السلوك الشخصي والموقف الرسالي ذي الطابع الشخصي لآسية بنت مزاحم.
أما الزهراء(ع)، فإن لوجودها ودورها من خلال نظرة الإسلام وتأكيداته، أبعاداً أوسع بكثير من هذا البعد، الذي يمكن أن نراه في شخصية السيدة مريم(ع)، من خلال ما تحدث عنها القرآن الكريم، أو نراه في شخصية آسية من خلال ما تحدث عنها القرآن كذلك.
فالزهراء(ع) حينما يصفها النبي(ص) بأنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، على ما ورد عنه(ص)،يراد من ذلك إعطاء وتقديم الأبعاد المتعددة في هذه الشخصية، ومن ثم إعطاء هذه الأدوار المتعددة في هذه شخصية المرأة وحركتها في المجتمع والتأريخ، لأن الزهراء هي المثال الصالح لذلك.
وبصورة موجزة، أحاول الإشارة إلى بعض الأدوار وعناوينها الرئيسية في شخصية الزهراء(ع)، وأترك المجال للتفكير في المقارنة واستنباط الآفاق والتفاصيل ، ليكتشف في هذه الأبعاد خصوصية الزهراء(ع)، التي لا يمكن أن توجد في النساء التي سبقن السيدة فاطمة(روحي لها الفداء)، ومن ثم معرفة سر كل هذا التأكيد الواسع من قبل رسول الله(ص)، وقبله تأكيد القرآن الكريم، على شخصيتها، وذلك لرسم معالم الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها المرأة في الحياة الإنسانية، وفي المجتمع الصالح، من خلال تقديم هذا المثل الصالح، وهذه القدوة والأسوة الطاهرة، وهذا النموذج الراقي والكامل للمرأة وأدوارها في المجتمع.
الدور الأول: الهوية الإنسانية التكاملية:
وهو ما يمكن أن نستنبطه من نصوص القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة التي جاءت عن الرسول(ص)، بخصوص فاطمة(ع)، وهو جانب الكمال في الهوية الإنسانية.
فالقرآن الكريم والرسالة الإسلامية، أرادا أن يعطيا هذه الصورة وهذا الفهم، حول هوية المرأة في مضمونها وموقعها في مسيرة الحياة الإنسانية، فهما يؤكدان أن المرأة من حيث هويتها الإنسانية، تحظى وتـتصف بهوية كاملة في إنسانيتها، ولا يوجد فيها أي جانب من جوانب النقص في هذه الهوية بحيث يعيق حركتها الإنسانية التكاملية.
وقد أراد الله سبحان للإنسان أن يقوم بواجبات ومسؤوليات كثيرة في هذه الحياة، وأعطى لهذا الإنسان حقوقاً في هذه الحياة من أجل أن يواصل مسيره إلى الله تعالى:- (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه)[2]، ويـبلغ في هذا المسير درجات الكمال الإنساني القريب من الله تعالى.
هذه الصورة التي يتحدث عنها القرآن في هوية الإنسان، وفي شخصيته ومسيرته وأهداف هذه المسيرة، أُريد لها أن تكون واضحة في شخصية المرأة كما أنها واضحة في شخصية الرجل، فكما أن الرجل في هويته الإنسانية وفي شخصيته وواجباته العامة، وفي أهدافه ومواهبه وإمكاناته للوصول إليها وحقوقه العامة، يتمتع بالهوية الإنسانية الكاملة، كذلك المرأة فهي تـتمع وتـتصف بهذا الجانب.
ومن ثم يمكن أن نقول: إن المرأة مساوية للرجل في هذه الهوية، ولقد كان هذا التأكيد البالغ من القرآن الكريم والنبي الأكرم(ص) على شخصية الزهراء(ع)، أُريد فيما أُريد توضيح هذا الجانب، لأن النظرة الجاهلية بكل أشكالها قبل الإسلام، كانت تعتبر المرأة ناقصة في الهوية والكمال، وتعيش في ظل الرجل، وتابعة في الهوية الشخصية له.
فأراد الإسلام أن يوضح حقيقة من الحقائق الإنسانية ذات العلاقة بالوجود الإنساني، وهذه الحقيقة هي أن المرأة في إنسانيتها كاملة، كما أن الرجل كامل في هذه الإنسانية، وبذلك يمكن أن نفسر الحكمة الإلهية في أن تكون ذرية الرسول(ص)، مع أنه سيد الأنبياء والمرسلين وخاتمهم، متمثلة في امرأة هي ابنـته الزهراء(ع)، وكان يمكن أن يكون الاستمرار لرسول الله(ص) في ذريته من خلال أولاد ذكور، كما استمر إبراهيم الخليل(ع) في وجوده من خلال هؤلاء الذكور، والله أعلم بحقائق الأمور.
وبالجملة، فرسول الله(ص) أريد له أن يـبقى ويستمر من خلال ذريته من الزهراء(ع)، وهي قضية تعبر في الواقع عن أن هذه المرأة في قيمتها الإنسانية،قيمة كاملة، يمكن أن تـتحول إلى وجود يستمر به أقدس الأشياء في هذه الحياة الإنسانية، وهي خط النبوة والإمامة في الحركة الاجتماعية التكاملية.
ويمكن أن نفهم هذا المعنى الذي جسدته النصوص الواردة عن الرسول(ص)، عندما
