بين ليلى وخلفان، وكومار وبابو، وحسابات بنكية من ذهب جديد بن دارس

    • بين ليلى وخلفان، وكومار وبابو، وحسابات بنكية من ذهب جديد بن دارس

      (1)

      في العشرين من الشهر حيث تخلوا الجيوب من النقود وتخلوا ماكينات الـ أي تي أم من الازدحام وقفت وأمامي عماني وآخر هندي أمام ماكينة الصرف أو الصراف الآلي كما يحب أن يعرّبوا اسمها. لم يستغرق العماني (والذي اسميه هنا خلفان) سوى ثواني لأراه ينسحب من أمام الماكينة حاملا ورقة أو قصاصة صغيرة وهي بمثابة بيان للمعاملة التي يريد العميل أن ينجزها (سواء للسحب أو الاستفسار عن رصيد أو غير ذلك). ويبدو أن الماكينة (اللعينة كما سمعته ينعتها) لم ترضخ لرغبته لسحب ما يريد سحبه من نقود شعرت من الوضع أنها بالكاد تكفيه لشراء "شيتة" بيض تجاوز سعرها الريالين. وحيث أن الماكينة لن تعطيه أقل من خمسة ريالات فبدا لي أن رصيد خلفان ينقص عن تلك الخمسة الحمراء؛ والمسكين يريد حتى ولو ريالين ربما لشيتة البيض أو لوقود لسيارته "الكحيانة" التي استقلها وهو يودع تلك الماكينة..


      ولكن وقبل أن يسحب بدنه ذو الكرش الكبيرة فقد أدخل بطاقة البنك مرة أخرى ربما معتقدا وجود خطأ في المعاملة الأولى فقام يضغط على الأزرار على المكينة علها تعطيه نقودا بشكل أو بآخر. في تلك الأثناء رن هاتفه وبصوت عال يدل على فقدان أعصابه كلّم الشخص الآخر بصوت صاخب يدل على أن المتصل يريد من خلفان أن يجلب بعض السلع لبيته، كما يدل على أن تلك السلع أو الأشياء ضرورية. فقد كرر على مسمعي شيتة البيض وحفاظات الأطفال وأشياء أخرى لملم بها في نبرة ضيق على أنها "انتهيت" أي لا توجد في المنزل وهي ضرورية وإلا حدثت المشكلة؛ فلا يمكن لأسرته أن تفطر بدون البيض ولا لأولاده الصغار أن يمشوا على الأرض بدون حفاظات. فقد ولى زمن "الحقب" وأتى زمن "البامبرز"..


      (2)


      ولأن المكينة "عبد المأمور" فقد رفضت بل وأصرت ألا تعطيه أي مبلغ. فهي مؤدبة أكثر عن بعض المسئولين الذين لا يعرفون حتى الاعتذار عندما تضيع معاملة مواطن في مكتبهم يتردد عليهم أياما بل وأسابيع. تقول له مكينة الصرف الآلي: "نعتذر على عدم قدرتنا على تلبية طلبك"، في حين يقول المسئول: "راجعنا بعدين" بدون حتى استخدام الكلمة السحرية Magic Word في التحدث مع ذاك المواطن الذي عاني زحمة شوارع عبدالله عباس والتي أخفق في تخطيطها بشكل صحيح بل وتم تكريمه عندما انهارت تلك الشوارع في إعصار جونو.


      وحتى لا ينحرج خلفان أكثر فقد جر معه هزيمته أمام تلك المكينة العملاقة التي تراقب كاميرتها خطواته لحين فتحه باب "الكورولا" وتحريكها بشكل "التفحيص" الذي دل على غضبه من ذاته ومن حاله المسكين. ولو كان المدعي العام شاهدا على تلك الحركة العفوية لربما شدد عليه أقصى العقوبة. فخلفان مواطن مسكين لا يجب أن يخالف القانون. أما من هم فوق خلفان فالقانون متسامح معهم، بل أن القانون يتم توجيهه ليكون "مرنا" لدرجة حصول هؤلاء الكبار على "امتيازات" يعجز خلفان حتى عن معرفتها.. فخلفان وهو يستقل الكورولا التي ربما اشتراها من سوق الجمعة بـ "وادي كبير" كما يسميها قاطنوها الهنود لن يحلم أن يتحرك بها في ذلك الشارع الذي يتجه إلى الموج حيث تبنى الفلل التي بيعت في صفقة أقل ما يقال عنها أنها شكلت "فسادا" في الاستثمار في ذلك المشروع الذي رحب به ذوي العملات الخضراء القادمة من العم سام ومن العمة بروكسيل صاحبة اليورو.


      (3)


      كما أن خلفان وهو "يدعص" على الجير لن يستطع أن يذهب إلى منزله وهو خالي اليدين، فزوجته "زوينة" السليطة اللسان سوف تعايره حتى في رجولته لأنه لم يستطع أن يوفر شيتة البيض لهم وحفاظات الأولاد لها. وإذا نسى خلفان حفاظات "اللويز" فالويل الويل له. خلفان سوف يجري اتصالاته وهو يمشى "سرحانا" في الكورولا؛ ليتصل بسليمان والذي يقول له أنه مفلس أيضا، في حين كان سليمان مسترخيا وأمامه "دنيا" التي ابتسمت له ابتسامة الساحرة القادمة من "كازابلانكا"، ليصب في الكأس "ريد ليبل" ويأتي الجرسون بالمزيد ويدفع هو المزيد، وتأتي بعد دنيا "روعة" لتوحي له بإشارات جنسية ذوبت كيانه الذي تجمد مع "كرش" زوينة التي قاربت الولادة التاسعة بين لحمها وشحمها فلم يعد يرى فيها ذرة جمال في حين يجد "روعة" وهي تبرز مفاتنها بـ"الميني سكيرت"، فترسل له روعة قبلة ظن سليمان أنه الوحيد المقصود بها فيردد مع ذلك المطرب الذي هجر العراق وهو يردد: "عبرت الشط" وبعدها يشجو بـ"الأماكن كلها مشتاقة لك ...."


      ما إن ينتهي خلفان من المكالمة مع سليمان إلا ويجد نفسه وقد أضاءت الأنوار الزرقاء المتحركة بدراجة الهوندا تطلب منه التوقف مع أنه لم يتحرك سوى بضع خطوات من محطة البترول التي توجد فيها المكينة. هذه المخالفة لك يا خلفان لاستخدام هاتفك النقال...



      (4)



      الشرطي: السلام عليكم
      خلفان: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
      الشرطي: ممكن لو سمحت تعطيني ليسن وملكية؟
      خلفان: ليش؟ وايش سويت أنا؟
      الشرطي: نته اعطيني الليسن والملكية ورايح أخبرك..
      خلفان بعصبية: لا ما أعطيك قبل ما تخبرني.
      الشرطي بكل هدوء: لو سمحت تعطيني الليس والملكية ورايح أخبرك...


      خلفان بعصبية وبصوت مرتفع: ما اعطيك شي وسوي اللي تسويه!!وبطبيعة فضول بعض المواطنين فقد تجمعوا وسط الصراخ الصادر من خلفان، فتدخل أحدهم محاولا تهدئة الوضع طالبا من خلفان أن يعطي للشرطي ما يطلبه، فقد تكون المخالفة بسيطة.. أخيرا رضخ خلفان للأمر رغم ارتفاع "الاندريالين" لديه. قال له الشرطي بكل أدب أنه كان يستخدم الهاتف النقال أثناء القيادة. رد عليه خلفان منفعلا مرة أخرى بأنه لم يتحرك سوى بضع خطوات من الموقف. لكن الشرطي كان حازما هذه المرة عندما قال له أنه لاحظ خلفان وهو يكاد يصطدم بإحدى السيارات الواقفة كونه غير مركزا في القيادة. ومع تدخل البعض وتعللهم بأن خلفان شكله انسان طيب بس معصب لسبب ما وحتى لا يطول الأمر كان الشرطي متفهما رغم عصبية خلفان فلم يحرر له المخالفة بل اكتفى بالإنذار.


      مرت دقائق جلس خلفان خلالها يلتقط أنفاسه بداخل السيارة دون أن يحركها ليجري اتصالا آخر بصديق لم يكلمه منذ سنتين. كان مترددا في البداية؛ فكيف يكلم شخصا عن أمور مالية وليس بينه اتصال منذ فترة طويلة..فكيف استقبل صديقه "خميس" تلك المكالمة. وأين كان خميس آنذاك!!



      (5)


      خميس: ألووووووووووو
      خلفان: وعليكم الألوووو ورحمة الله وبركاته..
      خميس: كيف الحال؟
      خلفان: بخير والحمد لله.
      خميس: من معي؟
      خلفان: ما تعرفني.. عفا.. نسيت العشرة والصحبة.
      خميس: ياخي ما فاضلك، قول وخلصني.
      خفان: ليش ما فاضي يا خميس؟ لا يكون في جير خمسة.. وللا مسوي بيزنس تريد تنافس بها الزواوي وللا بهوان؟
      خميس: وبعدين معاك. يا تقولي اسمك الكامل يا أسكر التلفون في وجهك..
      خلفان: نزين نزين يا خميس، انا خميس ود ابوك خلفان ود سليمان، كنا مع بعض في الابتدائية..
      خميس: تو تذكرت، اهلين.. المعذرة .. عصبت عليك شوية.. علومك أخبارك؟
      خلفان: والله ايش اقول لك يا خميس... خلها مستورة.. باغنك في خدمة بسيطة لو ممكن.
      خميس: تفضل أي شئ بس فلوس ما شي..
      خلفان: عفااااا... انا ما باغنك تتوسط لي حال مساعدة من الديوان ولا من وزارة الداخلية،، تراني لا شيخ ولا يحزنون.. باغي شوية كمين ريال علين الأسبوع القادم ولما يطلع الراتب أردهن حالك..

      يتعلثم خميس في الرد... ثم يقول: بصراحة نته فاجأتني تو لأني شوية مشغول.. موه رايك أتصل فيك ادبر أموري..


      بس يا خميس انا ما باغي قرض سكني ولا تجاري.. فأنا فقير على باب الله.. باغي اليوم اشتري شوية سامان حال البيت والأولاد.. هكذا رد خلفان على خميس..


      خميس يكلم نفسه: ايش جاب هذا البلوة تو... انا الآن مرتاح مع "ماريكا" اللي جالسة تفرصني هنا وهناك، وهذا خلفاناوه ما متصل غير يوم باغي حاجة. كذاك الناس هاليومين، الواحد ما تسمع صوته من سنين، ويوم يبغى شي يدور على تلفونك من تحت الأرض.. أقولش يا بنت روسيا خلصي جلسة المساج هذه قبل عن عبدالله عباس يسكر المحل بعد شهر وللا شهرين..


      (6)


      أكيد هذا خميس جالس يتهرب مني وما باغي يعطيني شي. هذا ما دار في خاطر خلفان. لذا جلس في سيارته يضغط على أرقام هواتف أخرى، قادته أنامل أصابعه للضغط على رقم الشمج عبيد ولو أن عبيد "مطوع" وما يتقارب هو وخلفان، لكن "الحاجة سويدة الوجه" كما تذكر المثل العماني:-الهاتف يرن ويرن ويرن لكن عبيد ما يرد... يعاود الاتصال مرات ومرات لحين يرد عبيد أخيرا..


      عبيد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
      خلفان وبعد الرد على السلام والعلوم والأخبار: أريد منك معروف يالشمج.عبيد: معروف؟ معروف؟ ايش هذا معروف؟ خلفان: اقصد خدمة، أقصد باغي كمين بيسة علين آخر الشهر..
      عبيد: حالموه باغي فلوس، احيدك دهيري في حياتك وأكيد باغي تسكر بهن يا عدو الله، تراني عارف سوالفك.
      خلفان: الله يسامحك ذاك كان زمان، تو تبت.
      عبيد: ما باينة عليك التوبة، دشداشتك جالس تنظف بها الشارع من طولها، وجهك لا فيه شعرة ولا بعرة. ما تطلع لك اللحية الا وتحفها، فأنت لا تعرف ربك ولا تطيع رسولك ياسويد الوجه. المسلم لازم يقصر دشداشته ويطول لحيته ليقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم.. نته ولو ما شمجي كنت أدبك يا ما متأدب.. وبعدين ايش هذي الموسيقى اللي اسمعها من وراء التلفون. لا يكون جالس تسمع صوت الفاسقات الداعرات اللي يسموها الروبية والعجرمية! بدلا من أن تقضي وقتك في الصلاة وفي ذكر الله جالس تستمع إلى الطبل والمزمار يا عدو الله...


      لم يستطع خلفان أن يقاطع ذلك السيل من الكلمات العارمة التي اتسمت بالسب والشتيمة في سمعه من قبل عبيد. تذكر خلفان أن من أمثال شمجه هم مطاوعة آخر زمن كما يسمونهم البعض.. فهو مطوع بالمظاهر والشكليات: طول اللحية وقصر الدشداشة والعمامة البيضاء، لكنه أسود القلب، فض الأخلاق، عنيف المعاملة.. كما تذكر خلفان ان من أمثال عبيد هم الذين يصلون صلاة العادة وليست صلاة العبادة كما سماها محمد بن سيف الرحبي في قصته "بوابات المدينة".



      (7)


      الصديق الرغدي ما نفعني والشمج المطوع بعد ما منه فايدة،، خليني عجب اجرب أخوي الصغير اللي متوظف من كمين سنة وبعده ما تزوج.. هكذا دار بخلد خلفان.. بعد الاتصال والحديث المطول عن العلوم والأخبار دخل خلفان في صلب الموضوع:


      خلفان: نته عارف يا سالم أني رجل متزوج بنت العم وطلبات الصغايرين كثيرة. ونته ما شاء الله عليك موظف جديد وما عليك التزامات أسرية لأنك ما متزوج، علشان كذاك قصدتك في كمين ريال لحين آخر الشهر..سالم: ونته تسمي كمين بيسة اللي استلمها من المستر "ناير" راتب؟ تو نته ما تعرف أن راتبي ما يزيد على (120) ريال؟. ايش تبغي أسوي فيها؟ كنت مستأجر غرفة مع خمسة جعور والواحد يدفع عشرين ريال. الآن رفع اللعين صاحب الشقة الايجار وصرنا ندفع الواحد خمسين ريالا، لذا جلبت المزيد من الاصدقاء يسكنوا معي في نفس الغرفة. تصور يا اخوي العود أن الواحد صار يدز رجوله في مؤخرة الآخر، وصار راسه في بطن الثالث، ولو تشوف الوضع اتقول كأنا هوش في زريبة.. صارت حالتنا سيئة. هذا غير الحمام اللي نتضارب عليه من صباحيت الصبح.. طابور طويل ولا كأنه طابور وزارة الشئون..


      (8)


      خلفان:.. نزين... يقاطعه سالم قبل عن يكمل:

      وأزيدك من الشعر بيوت، غير المواصلات علينا، وكما تعرف فحنوه ساكنين بعيد عن الشارع العام.. يعني لازم الواحد يمشى إلى الشارع العام أو يبحث عن فاعل خير يوصله. ومن هين هذلين فاعلين الخير؟ اذا شافوا حرمة وحدها في الشارع رايحين يوقفوا لها على بعد كيلو ويترجوها علشان يوصلوها. واذا ركبت معاهم إمكن يشيلوها في السيح يفعلوا بها. أما إذا أشر شاب عليهم يعطوه ويل وما يبرقوا عليه. هذا غير أنك تركب باص التكسي مع عشرة هنود بوساختهم وزيت شعرهم اللي يعف النفس. وإذا تأخرت خمس دقايق عن الدوام يجلس راجو يدلع لك لسانه ويكتب عنك تقرير. والمدير العماني فالح يصدق كلام الهنود حتى لا يشيلوه هو الاخير من منصبه.

      خلفان: بس انا ما باغي غير عشرين ريال.

      سالم: اذا اصلا عندك عشرين ريال أبغاهن وازيدك فيهن ريالين هدية.. تراه بعدني ما كملت، انا عزابي وابغى آكل واشرب، هذا غير بطاقة حياك، وفواتير الكهرباء والماي مال الشقة، وأغراضي الشخصية. وتقول يبقالي فلوس بعد؟

      خلفان: الواحد اذا سمع بلوة غيره هانت بلوته..



      (9)


      هل سدت الأبواب في طريقي لاستقرض بضعة ريالات لحين استلامي هذا الراتب اللعين الذي بالكاد يكفيني لمنتصف الشهر؟ ففضلا عن ذلك، دارت في بال خلفان أفكار سوداوية زادت حيرته. تذكر الأصدقاء فردا فردا،، ولكن في كل مرة يتصل فإن الجواب بالرفض يكون هو الحال الذي يسيئ إلى كرامته،، فهو يتصل ويتحدث بكل مودة ولباقة لكن الجواب قد لا يكون لبقا..


      وهو في برهة من التفكير تذكر "حبيبته سلمى".. فقد جرب كافة أصدقائه من الرجال، فلماذا لا يجرب "النساء". تذكر ماضيه الذي حاول أن ينساه قبل زواجه ومغامراته التي "أغنته" في بعض الأمور و"افقرته" في أمور أخرى. فرغم ظروفه المعيشية المتردية الحالية إلا أنه أن الخالق وهبه "وسامة" الشكل وطول القامة وحلاوة اللسان. فلم يكن يجد صعوبة إذا رمى رقما لواحدة في "الاوكي سنتر" كما كانوا يسمونه ذلك الوقت أو في أي محل من محلات سابكو فإن الرقم سرعان ما يجد استجابة. ورغم عدم وجود هاتف "الجي أس أم" آنذاك لكن لم يكن الأمر يمنع أن يتواصل مع سلمى وهدى وحنان وغيرهن من الفتيات اللاتي يرحبن بوسامته وعذوبة لسانه واللاتي كن يدفعن حتى فاتورة عمانتل الكبيرة.


      حبيبته سلمى عاش معها قصة عاطفية لم يكن يحلم بها، لم يكن في البداية يعرف انها ابنة "وزير" له شأنه وقدره في الدولة، ولم يعرف أن لها حسابات في بنك "كريدت سويس فيرست بوستن" والذي كان يصعب عليه نطق اسمه الطويل، إلا بعدما وصل الأمر إلى طريق مسدود..فماذا حدث بين خلفان الوسيم وبين سلمى ابنة الوزير؟


      (10)

      تذكرها سلمى جيدا، سبح فكر خلفان إلى سنوات خلت تجاوزت عقدا من الزمان. فقد كان "يتمشى" يوما مع صديقه عبيد الذي أصبح الآن شمجه فتطوع وابتعد عنه. والذي لمح الفتاة في البداية هو عبيد عندما كانا في الاوكي سنتر. كانا قد دخلا محلا لشراء "نعال" لكل واحد منهم. كان عبيدا جريئا لكنه كان يلقب بالـ"دفش". إذ لم يكن لديه "الاتيكيت" في التعامل مع الجنس اللطيف، وأصلا كان شكله قبيحا وهندامه غير مرتب، لكن الصداقة جمعت بينهما بسبب الجوار والدراسة، ومن ثم "الشموجية". إذ تقدم عبيد لأخت خلفان بعدما قصر دشداشته وطوّل لحيته. فقبل به والد عبيد دون تردد وإن كانت اخت خلفان قد اعترضت لكن صفعة في خدها أخرستها للأبد.


      جرأة عبيد في الاوكي سنتر جلبت كلاما جارحا على مسمع ومرأى الناس. فقد أراد أن يتحدث مع تلك الفتاة التي بدى عليها "ارستقراطية" في هندامها وفي مشيتها وفي حديثها. ورغم أنها دخلت محل الأحذية "متغشية" إلا أنها سرعان ما زاحت "الغشوة" عندما بدأت الحديث مع "بابو". عندما رأى عبيد تلك الفتاة وهي تزيل الغشوة أو النقاب عن وجهها فقد تجرأ أن يذهب إليها يطلب منها رقمها في حين كان خلفان بعيدا عنهما... لكن لما سمع بضع كلمات سب خرجت من فم الفتاة فقد أسرع إليهما محاولا استرضاء الفتاة مهدئا إياها ومقنعها بألا تتصل بالشرطة كما هددت. ولأن وجه خلفان الوسيم وابتسامته العذبة وحديثه اللطيف قد جذب انتباه الفتاة فقد استلطفت خلفان ودخلت معه في برهة من الحديث في حين كاد عبيد يموت غما عندما سبته. فلأنه قبيح الشكل و"دفش" فقد سبته، ولأن خلفان وسيم الشكل و"حليو" فقد استلطفته... بنات آخر زمن: هكذا قال عبيد بصوت كاد أن يسمعه خلفان وتلك الفتاة التي لاحظ عبيد أنها أعطت الرقم لخلفان. كما دار في بال عبيد: يعني لأني دفش طلعت البنت محترمة، ولأن خلفان حليو طلعت غير كذاك...

      ليش عاد؟



      (11)


      تشير الساعة إلى الحادية عشر مساء، يرن هاتف الشقة التي كان خلفان يستأجرها كشخص عزوبي مع صديقه خميس بمبلغ لم يزد على الخمسين ريالا في الحيل الجنوبية. فتلك الشقة بالنسبة له "شقة الحرية" كما سماها الدكتور غازي عبدالرحمن القصيبي في إحدى روائعه: خميس وخلفان موظفان لا يستطيعان الزواج بسبب عدم وجود "السيولة" لديهما. فضلا شراء سيارة لكل واحد منهما؛ خلفان اشترى 300 جي تي، وخميس اشترى "ميتين أل". والشقة الرخيصة كانت مرتعا لـ"الصيدات" اللاتي يحصلان عليهن سواء كانت اندونيسية أو فلبينية أو حتى من بني جلدتهما. يدفع الواحد منهما خمسة ريالات أو يشتري "كارت" لتستخدمه تلك الفتاة في ذلك الهاتف العمومي المجاور لشقتهما والمزدحم دائما لتتصل هذه الشغالة أو تلك بأهلها نظير الخدمة التي تقدمها لخلفان أو خميس..في البداية لم يكن يرغب خلفان في الرد على تلك المكالمة،، فما أكثر المكالمات المزعجة في منتصف الليالي مع عدم وجود "كاشف الرقم" آنذاك. وما أكثر ما فقد خلفان أعصابه وهو يسب ويشتم من يتصل بالهاتف دون أن يرد أو يتكلم أحد. لكن أحيانا تأتي مكالمة فيسمع صوتا نسائيا جميلا يقول له: آسفة اتصلت بالغلط، فيجد خلفان الفرصة لاقتناص فريسة جديدة يلعب معها لعبة الاصطياد فيسمعها غزلا وحبا محاولا مقابلتها بأي شكل بعدما أشبعها عذب الحديث وأسمعها حلو الملاطفة لتوافق على مقابلته ليكتشف أن ذلك الصوت الفيروزي لم يكن سوف لأبشع وحدة قابلها في حياته، فيهرب منها من أول مقابلة، لكن صديقه خميس لم يكن "يفوت" أية صيدة. فشعاره: رينج أو كفر (بفتح الكاف) كله يدخل الشقة.


      رد خلفان على المكالمة، أتاه صوت يقول له مساء الخير. فرد بالتحية المعتادة: مساء النور. حاول أن يتذكر ذلك الصوت؛ إنه صوت الفتاة التي قابلها في مركز الاوكي سنتر منذ أيام. نهض من فراشه بعدما كاد النعاس يغلبه، بسرعة البرق دار في باله: صيدة جديدة وحلوة ما رايح أفوتها.. تراه صار لي كم يوم والهرمونات تغلي في جسمي، وأنا العزوبي اللي ما قادر اتزوج، وما أقدر أصوم طول السنين لعدم الاستطاعة على الزواج، لكن يرد عليه ذاته: ما قادر تتزوج لكن قادر تشتري سيارة بستة آلاف. فيرد على ذاته: السيارة غير والزواج غير!! وهو يتصارع معه ذاته يسمع صوتا أعلى في أذنه: وين سرحت يا خلفان، انا جالسة انتظرك تتكلم ونته ما ترد عليّ..


      (12)


      لم يكن يصدق خلفان أن "سلمى" تتصل به حتى وإن كان الوقت متأخرا وأن عليه أن يصحو مبكرا ليزاحم الناس في محطة البترول التي يخرج منها ويعبئ فيها الوقود ويطلب فيها "السندويشات" فضلا عن وجود "البنشر" و"كهربائي السيارات"...




      تلعثم مرات ومرات هذه المرات، لم يكن الأمر جديدا أن يغازل هذه الفتاة أو تلك بل ويقضي الساعات الطويلة في الهاتف، ورغم أنه يئن من فواتير الهيئة العامة للاتصالات السلكية واللاسلكية (آنذاك) لكنه كان يستفيد أيضا من تلك المكالمات، فكم من فتاة دفعت عنه الفاتورة وكم من فتاة أعطته مبلغا "محترما" ليسدد به الفاتورة وزيادة، وكم من فتاة قال له: خذ يا حبيبي عطر ديور أو أرماني أو لابيدوس... لملم نفسه وجلس على سريره يحاول التركيز على ما يريد أن يقوله لهذه الجميلة التي قابلها في الاوكي سنتر منذ أيام. لم يدم الحال طويلا إلى أن وجد المخرج الذي غيره هذه المرة بدلا من الأسلوب القديم المتمثل في الغزل والكلمات العسلية:-


      بصراحة لما شفتك وكلمتك وجدتك إنسانة مثقفة وواعية، قلت أكيد هذه المرأة خريجة جامعية فقلت زين أسألها عن بعض الأشياء حول الجامعة والدراسة.. من هناك "شبك" خلفان فبدأ يرمى حباله ويطوقها حول ليلى التي استجابت له. فأخذ يتجاذب معها أطراف الحديث. ورغم أنه لم يكن يرغب في تضييع الوقت في الهاتف ومن ثم الخروج معها لينال منها ما يستطيع إلا أنه فضل الانتظار هذه المرة؛ فقد كانت ليلى عنيدة في عدم تلبية دعواته المتكررة في الخروج معها، في حين كان خلفان يبتكر الحيل محاولا اصطيادها للخروج معه، إلا أن أغلب المحاولات كانت فاشلة إلى أن نجحت في محاولته الأخيرة - كما سماها - فأقنع ليلى بالخروج معه، فوافقت..





      (13)





      جهز نفسه، ذهب إلى إحدى المكتبات يبحث عن كتاب في أشعار الحب والغزل، قام يقلب الصفحات لينتقي أجمل ما قيل فيه، ولما لا؟ فهو يريد أن يكون "كازانوفا" زمانه.. كما قراء نثرا في الحب أيضا.. وها هو اليوم "قيس" يتودد إلى "ليلى" بشعره الذي أصابها بسهامه. اعتقد "خلفان" أن "أسلوبه" هو الذي جعل ليلى تقع في غرامه منذ أو "خروج" معا، لكن خلفان لم يكن يدرك أن ليلى كانت تبحث عن العاطفة التي فقدتها في أسرتها.. فوالدها "وزير" له حقيبته الدبلوماسية التي يملأ بها الأوراق، ووالدها أيضا رجل أعمال له حقيبته المالية التي يأخذها في مكتبه الخاص ليقضي الساعات في اتصالات بداخل السلطنة وخارجها، وهو يتابع حركة الأسهم والسندات. أما أمها فهي "سيدة المجتمع" التي فرغت جهدها في خدمة ورعاية الحفلات الخيرية وفي نفس الوقت حضور حفلات "قصر البستان" و"الانتر". عرفت ليلى شغالتها "كوماري" أكثر من معرفتها بوالدتها، فكوماري أتت إلى المنزل لتخدمها وتعطيها "المرضعة" في حين انشغلت امها برشاقتها ومجتمعها المخملي..





      كلما لمحت والدها فإنها تريد أن تجلس معه وتتجاذب أطراف الحديث، أليست الابنة أكثر حبا لوالدها؟ لكنه "مشغول" في أعماله الوزارية التي كثرت سواء في مجالس تخصصية أو في مجالس إدارة شركات حكومية، وفي المساء فإنه هواتفه لا تكاد تصمت من كثرة الاتصالات، فحتى عندما تقعد ليلى مع والدها برهة فإن هواتفه لا تسكت.. كذلك سمعت ذات يوم أن والدها "يحضر الدكتوراه" وهو الذي لم يكمل سوى الثانوية العامة. كلما أرادت أن تقترب منه يؤمي إليها بالذهاب إلى أمها؛ تلك الأم المشغولة هي الأخرى في حفلاتها وحتى سهراتها، صحيح أن لليلى حساب بنكي يزيد بالمئة كلما سحبت منه العشرة ريالات، لكن ما فائدة المال عند غياب الترابط الأسري!! فحتى أخوتها وأخواتها مشغولون؛ الأكبر مشغول بـ"تفحيص" ويلات الفيراري والبورشة واللامبورجيني، أما الأصغر فيعيش في الخارج إثر بعثة حصل عليها بعدما اتصل والده بأحد المسئولين للحصول عليها. وأخيرا، فالأخت الكبرى كانت قد ارتبطت بشخص، رفض والدها تزويجه في البداية لأنه "أقل مستوى منهم" لكن ذهبت تلك الأخت للمحكمة لتحصل على الزواج فتقطع الأسرة العلاقة معها بأكملها، فلا يعرفون شيئا عنها الآن...





      (14)



      وجدت ليلى في خلفان الرجل الحنون بحسبما اعتقدت، فقد سمعت منه كلاما لم تسمعه من قبل، بل وجدت أيضا اهتماما لطالما فقدته في محيط أسرتها، خلفان كان فقيرا في جيبه لكنه غنيا في عطفه وحبه، فبقدر ما أكرمها من ذلك الحب بقدر ما أكرمته هي أيضا. ذات يوم أخبرها بأنه يبحث عن عمل، لم تجد صعوبة في أن تجري بعض الاتصالات لأحد المسئولين الذين يتردد على منزلها يريد التقرب منها ومن والدها أيضا، ذلك المسئول فرح جدا عندما أتته المكالمة من ليلى تطلب فيها أن تساعده في توظيف خلفان (قريب لها كما ادعت) في إحدى الوزارات، وبدون أن يسأل عن مؤهلات خلفان، ردها عليها: اعتبري خلفان وقد توظف... لم يصدق خلفان نفسه أنه حصل على وظيفة وهو الشاب الذي لم يترك بابا إلا وطرقه، حتى أنه ذهب إلى بيوت بعض الوزراء لكن الحراس كانوا منتبهين فأخرجوه من السور عنوة، ولم يترك شركة إلا ودق أبوابها، لكن بابوا وراجوا كانا أكثر شراسة من حراس الوزير...




      همس خلفان في نفسه: صحيح كما يقول المثل العماني: .... شيء يغني ... وشيء يفقر....بالمقابل،، غير خلفان رأيه في ليلى، صحيح أن نيته في البداية كانت اللعب بعواطف ليلى واستغلالها، لكنه وجد أنها صادقة في مشاعرها وانها انسانة تستحق كل الاهتمام والتقدير،،، ليس ذنبها أنها ابنة وزير وأنها لم ترضع من نهدي امها وان رصيدها في البنك (كما أخبرته) يفوق أضعاف ما سوف يجنيه من راتبه لغاية تقاعده، لكنها أحبته بكل عنف، فبادلها المشاعر.. حبها قادها لأن تشتري له السيارة بعدما ساعدته في التوظيف وأن تستأجر له الشقة، في حين كل ما كان يمنحها هو مشاعر صادقة في أغلبها وكاذبة أحيانا، ففي يوم من الأيام فكر في مصير هذه العلاقة؛ كيف لموظف فقير أن يتزوج ابنة وزير؟ فهل تزوجها؟







      (15)






      ولأن لكل علاقة نهاية، فقد أتى اليوم الذي قررت ليلى أن تتكلل تلك العلاقة بالزواج، لم يكن خلفان قد فكر مليا، لكن عندما عرضت عليه الفكرة، فقد فرح في البداية: أتزوج ابنة هذا الوزير المليونير فأصبح أنا مليونيرا!!! تظاهر خلفان أمام ليلى بأنها سوف تكون أجمل ليلة في عمره عندما يقترن بها شرعا وأمام الملأ، لكنه نوّه إلى احتمال رفض والديها له.. فأمها سيدة المجتمع الذي يشار إليها بالبنان وأبوها وزير مليونير وسطه مجموعة من المليونيرات والوزراء الذي يشكلون "لوبيا" له تأثيره في تسيير الأمور... قالت ليلى لخلفان: دع لي أمر والدتي ووالدي لي، فهما لم يرفضا لي أي طلب في حياتي قط..







      بدافع الحب والعاطفة توجهت ليلى إلى والديها، تذكرا تجربة ابنتهما الكبرى التي تزوجت أيضا عن حب برجل قلبه كبير لكن جيبه صغير، تلك البنت تعيش بعيدا عنهم لكن لم تكن ظروفها المادية جيدا، فزوجها كله ديون في ديون، والحب في عصر المادة يكافح لكنه قد ينهزم وقد ينتصر.. ردت ليلى على أمها التي يمكن أن تؤثر على أبيها: ألم تتزوجي أبي عندما كان فقيرا؟ فهو لم يكن وزيرا ولم تكوني أنتي سيدة مجتمع ولم تكونا أغنياء.. تناست الأم ذلك الحال فردت عليها: لكن الزمن تغير الآن، في الماضي عشت ووالدك في شقة والآن نعيش في هذا القصر بالقرم، هذا "اللي اسمه خلفان" عايش في شقة ولا أريدك أن تعيشي في تلك الشقة....





      دار الحديث في حلقة مفرغة بين الابنة والأم، ذهبت إلى الأب فلم يكن رأيه في خلفان أفضل: كيف تتزوجين رجلا فقيرا "نكرة" في المجتمع وأنا الوزير الذي يشار إليه بالبنان؟ مستحيل أن أوافق... وإن أصررت مثل أختك على موقفك فسوف أحرمك من كل شيء كما حرمت أختك أيضا.. صحيح أنني بدأت فقيرا لكن الظروف تغيرت الآن،، كنت أعيش في شقة بعشرين ريالا والآن تصرفين أنت ذلك المبلغ في مطعم مع صديقاتك.. لا أريدك يا ابنتي أن تذوقي حياة الفقر، دعيه هو.. فسوف يتزوج من فقيرة مثله، أما أنتي فلا يليق بك إلا الغني الميسور الحال...لم ينصدم خلفان عندما أخبرته ليلى بقرار والديها بعدم الزواج، فهو أيضا غير قادر على مواجهتهما وغير قادر على تلبية طلبات ليلى المادية،، فليبحث عن فتاة طيبة وفي حالها وترضى أن تسكن معه في شقة صغيرة...وهو في دوامة من "الفلاشات" واسترجاع الذكريات، لمحه صديق فأتاه الفرج من حيث لا يدري.




      (16)




      ويبدو أن خلفان وجد مخرجا لأزمته فطار بسيارته مسرعا....


      كان "بابو" قد اصطف وراء خلفان وكأنه يريد أن يدفعه إلى آلة الصراف، فقد قارب الالتصاق بجسده الطويل والنحيل وشعره المشبع بكافة أنواع زيوت الهند، فقام بتصفيف شعره لدى أفضل المصففين الهنود الذين تعلموا المهنة على رؤوس العمانيين. كان خلفان يهمس تارة ويصرخ تارة في وجه بابو بأن يبتعد عنه قليلا؛ فآلة الصرف النقدي فيها من الخصوصية ما لا يريد أحد أن يطلع عليها. بيد أن بابو وزميله الواقف "راجو" يصران على الالتصاق بخلفان حاشدين جسديهما وراءه، فماذا عسى خلفان فاعل؟


      ها هو بابو يخرج بطاقة بنكية ليست بلون بطاقة ذلك البنك الزرقاء، وربما بطاقة بنك آخر يستضيف هذا الزبون ليحصل منه على المئة بيسة. كان لون البطاقة ذهبي هذه المرة. تلك البطاقة الذهبية لا تصدرها البنوك إلا لأصحاب الحسابات "المحترمة" أو لمن يكون راتبه لا يقل عن (750) ريالا. فكيف لذلك الرجل النحيل الذي يزدريه الواقفون أن تكون لديه بطاقة ذهبية؟ أحدهم همس بأنها قد تكون لأربابه الذي ائتمنه على حساباته فأعطاه البطاقة وحتى رقمها السري؟ أفلا تعرفون أن هناك مئات الأشخاص من يأتمن بابو على ماله وحتى على عرضه وبيته!! في حين همس الآخر على أنه يعرف بابو كونه يتعامل معه في السوق. ماذا يعمل بابو؟ إنه يبيع "مواد البناء" التي لم يقترب منها وزير القوى العاملة بعد....




      ربما كان معالي وزير القوى العاملة حريصا على البدء من أسفل السلم الوظيفي وبأقل الوظائف التي يحتاج إليها الوطن العزيز ابتداء من الفراش وحتى السائق ومرورا ببيع الغاز والكتبة والطباعين، في حين توجد مئات الوظائف التي يمكن تعمينها بسهولة لكنها أصبحت أنسا منسيا.. كما أن الادارة السفلى والمتوسطة وبالطبع العليا تبقى للمستر "راكيش" والمستر "ناير" والمستر "جورج" إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا...


      (17)


      بطبيعة الحال، فكل شخص منا "مستعجل" خاصة عند الوقوف في طابور أمام مكينة الصراف الآلي، وبخلاف الكثير، فإنه يلاحظ أن "الرفيج" يستغرق طويلا أمام تلك المكينة. فبعدما أدخل البطاقة الذهبية ضغط على بعض الأزرار، ويبدو أن معرفته باللغة الانجليزية محدودة، فنادى بابو على راجو ليساعده في بعض الأمور في حين ننتظر نحن القرفصاء. وأخيرا أتى الفرج لبابو، ها هي مئات الريالات تخرج من جوف المكينة التي عاندتهما في البداية، بالطبع لهما خصوصيتهما لكن في نفس الوقت بدا الأمر وكأنهما يستمتعان بإظهار تلك النقود للواقفين الذين بدا عليهم الفضول.


      وما ان انتهيا من تلك المعاملة حتى اعتقدنا أنها فرجت بعدما ضاقت واستحكمت إلا أن بابو وراجو يأبيا أن يفرجا عن تلك المكينة، فأخرج بابو بطاقة أخرى من جيبه ليدخلها ويبدأ المعاملة من جديد!! ضاقت الدنيا بنا ذرعا فارتفع صوت أحدهم من خلف الطابور: رفيج خلاص بسرعة، أنت واجد فيه وقت.. يرد بابو: زين باباه، أنا أريد فلوس علشان ماماه في إنديا....وبعد انتهاء بابو يبدأ راجو ليحجز له "غرفة" كاملة من الوقت يتمتع بذلك الجهاز الذي يكاد يصرخ من رائحة راجو التي جمعت كافة أنواع زيوت النارجيل المعتقة. وككائن اجتماعي فقد وجدت الفرصة لأتحدث قليلا مع من قال أنه يعرف راجو لأنه يعمل في بيع مواد البناء... فدار بيننا الحديث التالي:-



      (18)


      بدأ الواقف جنبي (وأسميه سعيد) بالحديث عن كومار قائلا أنه يعرف أربابه الذي استقدمه منذ 20 عاما لما كان هذا الأرباب يريد أن يسترزق ليزيد من دخله الشهري الذي لا يكفيه لإعالة زوجاته الثلاثة وأولاده الـ15. فكان يتوجه هذا الأرباب إلى "العمل والعمال" ليطلب خمسين عاملا ويحصل عليهم دون قيود، طبعا اليوم تطلب عشرة يعطوك اثنين إلا اذا كان عندك واسطة.. المهم أن الأرباب كان يحصل على 20 ريال من هذا الخياط وغيرهم من ذاك النجار ومن راعي المطعم ومن غيرهم، وجاب أيضا بابو وفتح له دكان صغير لبيع مواد البناء. طبعا الدكان ما كان فيه شيء، اليوم شوف كيف بابو عمل في ذاك الدكان!! وسّعه وجاب فيه اخوه كومار وابن عمه راجوه وصديقه سوكيش..


      البلاد تشهد حركة عمرانية ضخمة، فكان لا بد أن يتوسع بابو في فتح المزيد من محلات بيع مواد البناء، ولأن وزير القوى العاملة بعيد كل البعد عن تعمين مثل هذه المحلات فإن بابو قد وظف أكثر من 50 عاملا وافدا من بلاده في مختلف المحلات بالسلطنة. وبالطبع الأرباب أصبح يستفيد أكثر، فرفع الراتب الشهري الذي يتقاضاه من بابو ليصل إلى 200 ريال. أما بابو فقد جلب زوجته لكشمي وأولاده بابو الصغير وأخته الكبيرة والصغيرة، وبالطبع كان لبابو وراجو الأب والأم، فأتا بهما من بلاده ليعيشا في هذه الأرض الطيبة. واذا تريد تشوفهم روح "اللولو هايبر ماركت" وتشوفهم هناك. ولم ينسى بابو أولاده فأسكنهما في فيلا تليق بمقامه وأدخلهم مدرسة هندية حتى المواطن لا يستطيع أن يدفع رسومها..


      (19)


      ولأن المشاريع الضخمة تحتاج إلى "مقاولي الباطن" فإن هؤلاء المقاولين لا بد أن يلجأووا إلى المزودين بالمواد اللازمة لتلك المشاريع من أدوات ومواد كهربائية وصحية وسباكة وغيرها. سبق لبابو أن التقى بوافد آخر وهو رنجيت كومار، وهذا هو عملاق في السوق، صحيح أن "أرباب" رنجيت هو مواطن عماني لكن هذا المواطن هو صورة في برواز جميل، والعمل في يد رنجيت. في يوم ما كانت هناك حفلة كبيرة حضرها بابو والذي لاحظ وجود بعض الوزراء والذين دخلوا عالم المال والأعمال بعدما كانوا معدمين. الكل يذهب ليسلم على المستر رنجيت بما فيهم هؤلاء الوزراء، فلرنجيت من النفوذ ما يسيل لعاب أصحاب الأعمال الذين يريدون التقرب منه ليمنحهم أعمال مقاولي الباطن دون الدخول في دوامة المناقصات، فمعالي الوزير الأول لديه عشرات الشاحنات ويريد أن يؤجرها لتقوم بنقل الرمل والاسمنت والحديد، والوزير الثاني لديه المعدات الثقيلة التي تسمى "اكسكفيتر" أو "جي سي بي" أو حتى الشيولات والرصانات التي تدعم تلك المشاريع، أما الوزير الثالث فله شركته التي تدخل في خدمات العمال مثل الأكل والملابس وحتى خدمات الأمن والسلامة، وبأقل الأسعار.

      ولأن المستر رنجيت هو الرئيس التنفيذي لتلك الشركة العملاقة التي قطعت الجبال وحفرت الرمال وشقت الشوارع وأقامت الجسور فإن هناك مئات المشاريع الصغيرة التي يتنافس عليها المسئولين الكبار دون أن يظهروا في الصورة للمواطن العادي، فقليل منا يعرف أن الوزير فلان لديه شركات مقاولات أو تجارة، وقليل منا يعرف أن الوزير لديه مصالح في العديد من المشاريع من خلال تقديم الدعم اللوجستيكي، ولذلك فمعالي الوزير يتقرب من المستر رنجيت حتى تمشي الأمور بشكل قانوني. فمثلا لما أراد ذلك الوزير تزويد المستر رنجيت بالمعدات الثقيفة فإن رنجيت لم يتردد وإن كان رنجيت غير محتاج لتلك المعدات في الوقت الحالي، وكل ما قام به رنجيت هو أن ركن المعدات على صوب ودفع لمعاليه أجرة المعدات اليومية حتى وإن كانت تلك الأجرة تتجاوز الخمسة آلاف ريال في اليوم، فعندما يحين الوقت يكون رنجيت قد عرف كيف "يلين السير" ويصل إلى معاليه لما تكون هناك مناقصة في وزارة معاليه يحتاج إليها رنجيت لمواصلة مشاريعه العملاقة.....


      يتبـــــــع





      المصدر : بن دارس


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions