تعليقي يجب أن يأخذ ضمن سياقه أخبار الشبيبة

    • تعليقي يجب أن يأخذ ضمن سياقه أخبار الشبيبة

      هنري كيسنجر

      لقد حققنا بعض النجاح في بضع مئات من القضايا الصعبة، في فترات التوقف الاعتيادية للهجرة، وحتى نضمن تدفق الهجرة عن طريق الدبلوماسية الهادئة، لم نقم مطلقا باستخدام تلك الأرقام لأغراض سياسية

      لقد فقدت في المحرقة النازية العديد من أفراد أسرتي، والعديد من الناس الذين نشأت معهم، وعليه فإن من المؤلم أن يتم أخذ ملاحظتي خارج سياق النص، وبما يخالف معتقداتي، التي شكلتها تلك الأحداث.

      إن الإشارة الى حجرات الغاز ليس لها مكان في الخطاب السياسي، وأنا آسف أنني قمت بعمل تلك الملاحظة قبل 37 سنة؛ فقد أشار مايكل جيرسون في مقاله "ما هو أبعد من واقعية كسينجر"، والمنشور في صحيفة الواشنطن بوست بتاريخ 21 ديسمبر، الى تعليقاتي خلال محادثة استمرت دقيقة واحدة مع ريتشارد نيكسون، لإجراء مقارنة بين انعدام البعد الأخلاقي لدى الواقعيين في السياسة الخارجية والنظرة الإنسانية الأشمل لمنتقديهم.

      لقد كان جيرسون يشير الى نص محادثة، تعود لسنة 1973 قلت فيها: "إن هجرة اليهود من الاتحاد السوفياتي ليست من أهداف السياسة الخارجية الأمريكية، وإنه حتى لو وضعوا اليهود في غرف الغاز في الاتحاد السوفياتي، فهذا لن يكون شأنا أمريكيا وربما يكون شأنا إنسانيا".

      إن السياق مهم، فجيرسون يصور موضوع الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفياتي في السبعينيات، على أنه جدل مجرد بين أولئك الذين كانوا يدعون لتخفيف التوترات، وأولئك الذين كانوا يدعون لمواجهة ايدولوجية، وبأن الواقعيين كانوا على استعداد للتضحية بالهجرة اليهودية، على مذبح تحقيق انفراج.

      ان العكس هو الصحيح، فتلك الهجرة حدثت بسبب ما قام به "الواقعيون" في البيت الأبيض؛ لم تقم أية إدارة امريكية بتبني موضوع الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفياتي كموقف امريكي رسمي، ليس بسبب نقص البعد الأخلاقي، ولكن لأن الأزمات الحادة فرضت أولويات أخرى.

      لقد قمنا سنة 1969 بإدخال هذا الموضوع في القنوات الرئاسية، كقضية انسانية، لأننا قررنا في ذلك الوقت ان اية مواجهة بالسياسة الخارجية، سوف تؤدي الى الرفض، وزيادة التوترات مع السوفييت. وكنتيجة لذلك ارتفعت الهجرة اليهودية من 700 في سنة 1969 الى 40 ألفا في سنة 1972. وقد كان إجمالي المهاجرين اليهود إبان الفترة الأولى من رئاسة نيكسون اكثر من 100 الف شخص.

      لقد حققنا بعض النجاح في بضع مئات من القضايا الصعبة، في فترات التوقف الاعتيادية للهجرة، وحتى نضمن تدفق الهجرة عن طريق الدبلوماسية الهادئة، لم نقم مطلقا باستخدام تلك الأرقام لأغراض سياسية. وأصبحت القضية علنية بسبب نجاح سياستنا في الشرق الأوسط، وذلك عندما قامت مصر بطرد الخبراء الروس، ومن أجل إعادة علاقاته مع القاهرة، قام الاتحاد السوفياتي بفرض ضرائب على الهجرة اليهودية، مما حدا بالنائبين في مجلس الشيوخ الامريكي جاكسون وفانيك بوضع تعديل يحرم الدول التي تحد من الهجرة من وضعية الدولة الأكثر تفضيلا في التجارة، ولكن هذا التعديل جاء بعد تحقيق نجاحات سابقة في مجال الهجرة.

      إن السناتور جاكسون، والذي أحترمه جدا، حاول بتعديله هذا أن يزيل تلك الضريبة المفروضة على الهجرة اليهودية. واعتقدنا ان استمرار مقاربتنا السابقة بانتهاج الدبلوماسية الهادئة كانت الطريقة الأكثر حكمة، ولكن القضية أصحبت أكثر حدة فقط عندما تمت إزالة الضريبة، بسبب أساليبنا السابقة المتعلقة بالدبلوماسية الهادئة، وعندما أصبح تعديل جاكسون - فانيك تعديلا مؤسسيا.

      لقد طلب مني الرئيس نيكسون ان افسر للسناتور جاكسون والسناتور جاكوب جافيتس لماذا اعتقدنا ان مقاربتهم لم تكن حكيمة؛ إن تعليقي أعلاه لنيكسون بأن الهجرة لم تكن احد موضوعات السياسة الخارجية، يجب ان ينظر اليه ضمن ذلك السياق. والمحادثة التي جرت بيني وبين نيكسون في هذا الخصوص، جاءت بعد 15 دقيقة فقط، من اجتماع جرى بين نيكسون ورئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير، علما ان الاشخاص الذين كانوا في الاجتماع هم: أنا والسفير الإسرائيلي لدى واشنطن آنذاك إسحاق رابين.

      لقد وافق الاجتماع على حزمة من المساعدات العسكرية وخاصة الطائرات، وعلى انتهاج مسيرة سلام من خلال البيت الأبيض، ووضع تفاوضي وخطوات ممن اجل تشجيع مصر على التخلي عن تحالفها مع الاتحاد السوفياتي، ومن أجل المحافظة على تلك الاستراتيجية طلب مني نيكسون أن اتصل بعضوي مجلس الشيوخ هؤلاء. ولقد أثبتت الأحداث صحة وجهة نظرنا، فالهجرة اليهودية انخفضت لحوالي الثلث من معدلها المرتفع السابق، بحيث لم تعد الى مستويات مرتفعة الا في فترة انهيار الاتحاد السوفياتي بعد 20 سنة، كما يعترف جيرسون.

      ادعى جيرسون ان تعديل جاكسون – فانيك ساهم في انهيار الاتحاد السوفياتي، وهذا غير صحيح؛ لأن التعديل لم يلعب أي دور جوهري في ذلك الانهيار، الذي نتج عن التوسع الامبريالي الزائد عن الحدود والإدارة الاقتصادية السيئة والمقاومة التي تعكس تصميم سلسلة من الرؤساء الامريكان من الحزبين، التي وصلت ذروتها إبان عهد ريجان.

      ان المحادثة التي ذكرها جيرسون، التي أشرت إليها أعلاه حدثت في 1 مارس 1973، وكانت حرب فيتنام بالكاد وضعت أوزارها والسجناء لم يعودوا بعد. وكانت هناك استراتيجية عالمية فعالة تتمثل في الانفتاح تجاه الصين، والانخراط في حوار موسع مع الاتحاد السوفياتي، بالإضافة الى إحراز تقدم كبير فيما يتعلق بمصر والهجرة، ولقد كانت محادثتي اعلاه في المكتب البيضاوي تهدف الى المحافظة على تلك السياسة، ويجب ان ينظر إليها ضمن ذلك السياق فقط.

      تربيون ميديا سيرفسز

      * وزير الخارجية الأمريكي الأسبق

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية