المصير الطبيعي لكل من لا يقرأ دروس السياس

    • المصير الطبيعي لكل من لا يقرأ دروس السياس

      كتب - أحمــد المرشــد

      أعتقد أن هم التونسيين المنتفضين الأول كان تحت عنوان "الديمقراطية" والانفتاح على العالم، بعكس الدول العربية التي يتوقع لها البعض معايشة نفس الانتفاضة التونسية، فمطالبها اقتصادية تتعلق بتوفير لقمة العيش للمواطنين

      راشد الغنوشي.. من يتذكر هذا الرجل؟ هو مؤسس حزب النهضة الإسلامي المحظور في تونس. ولكن لماذا نتذكره الآن؟ فهو الذي توقع بعكس جميع السياسيين التونسيين نجاح انتفاضة الشعب التونسي في الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي. بينما توقع الآخرون أن تمر الأمور على خير وتعود الأوضاع مرة أخرى إلى سابق عهدها خاصة بعد خطاب بن علي. لقد صدق حدس وتوقعات الغنوشي، وهو الذي قرأ الموقف السياسي جيدا وأكد أن حركة الاحتجاج ستطيح بنظام بن علي وأعوانه. وعندما قرأ الغنوشي الخريطة السياسية في بلاده عشية الانتفاضة وأثناءها، لم يكن يظن أن نظام بن علي قابل للإصلاح، فهو عبارة عن مافيا وفساد، أما وعوده في الخطاب عن الديمقراطية فهي كاذبة.

      وللأسف وقع الإعلام الرسمي في تونس في الخطأ المتكرر عندما صدق خطاب بن علي وردد أقواله، وصدق كلام الرئيس المعسول بأن حالة الدم والحزن انتهت وقد جاء الفرح بأمل جديد!!. وزاد الإعلام الرسمي التونسي في غيّه يوم هروب بن علي ووصف خطاب الرئيس المخلوع الذي ألقاه قبيل هروبه بساعات بأنه "تاريخي"، أي نفس العناوين الصحفية القديمة.

      وإذا كان هناك سببان أو ذريعتان مهّدتا للثورة الشعبية التونسية، وهما الاقتصاد والإصلاحات السياسية والديمقراطية، فإنني أميل إلى تصديق الثانية وهي الإصلاحات أكثر من السبب الأول رغم أهميته هو الآخر. فتونس من أقوى الاقتصادات العربية الأفريقية، وحققت معدلات نمو مرتفعة، ولم يشعر معظم سكانها بضيق اقتصادي مقارنة بما هو حاصل في بعض الدول العربية الأخرى. وأعتقد أن هم التونسيين المنتفضين الأول كان تحت عنوان "الديمقراطية" والانفتاح على العالم، بعكس الدول العربية التي يتوقع لها البعض معايشة نفس الانتفاضة التونسية، فمطالبها اقتصادية تتعلق بتوفير لقمة العيش للمواطنين.

      ولهذا.. رأينا بن علي في آخر خطاب له يركز على تنحيه عن السلطة في عام 2014، وهو بذلك يكون قد قدم تنازلا سلطويا ضخما للشعب التونسي الذي ملّ رؤيته، وكره أيضا سياساته العنيفة. ويكفي أن الرئيس المخلوع اعترف بسياساته القمعية بحق شعبه، عندما تعهد بوقف استخدام الشرطة الرصاص الحي في التعامل مع المتظاهرين. ولكن حتى هذا الخطاب، لم يخدع التونسيين الذين استمروا في المطالبة بإسقاطه هو وعائلته الفاسدة، خاصة أقارب وأشقاء زوجته الذين نهبوا مقدرات البلاد على حد هتافات المتظاهرين.

      المطالب التونسية ركزت على نقاط ربما نسيتها بعض الشعوب نظرا لمنطقيتها ولأنها أصبحت أساسية في القرن الواحد والعشرين. ولكن النظام التونسي المخلوع لم ير هذا القرن وتطوراته ولم يطل عليه، فيما تمسك بسياسات القرون الوسطى. فقد فوجئنا ومعنا الكثيرون أن التونسيين يطالبون بإنهاء الحظر على مواقع الانترنت الاجتماعية مثل يوتيوب وفيس بوك، وفوجئنا أيضا أن موقع صحيفة اللوموند الفرنسية يخضع للحظر هو الآخر.

      إلى هذا الحد كان يعيش التونسيون في ظلام دامس، مما يدفعنا إلى أن نتذكر معا قول الشاعر الشاب أبو قاسم الشابي: "إذا الشعب يوما أراد الحياة.. فلابد ان يستجيب القدر / ولا بد لليل أن ينجلي.. ولا بد للقيد أن ينكسر".

      إنها كلمات عظيمة خطها الشابي قبل سنوات التحرر الوطني من المستعمر الأجنبي، ولم يكن يدور بخلدنا يوما أن نردد أبياته لتحرير الأوطان من مستعمرها الوطني.

      لقد أسبغ بن علي وعائلته صفة "القداسة" على حكمه ونظامه، ورفض التعامل بنظام التعددية السياسية الحقيقية ليواجه في النهاية مصير كل خائن لوطنه وكل طاغية، وكل من على شاكلته الذي يطمس مصلحة شعبه ويقمعه. فتونس لم تكن تتحرر من هذه العبودية لولا انتفاضة شعبها الذي له كل الحق في مطالباته الاقتصادية والسياسية.

      إن من يقرأ خطاب بن علي الأخير قبل هروبه المهين ليترك بلاده منهارة أمنيا وسياسيا بدون قيادة تنتشلها من وعكتها، يدرك كيف أن الطغاة لا يهتمون سوى بمصالحهم وعائلاتهم فقط لا غير. فزين العابدين بن على كان كاذبا عندما قال: "لقد فهمتكم، فهمت الجميع العاطل عن العمل والمحتاج والسياسي"، وكذلك كان كاذبا عندما قال إنه سيعرض الذين حجبوا الحقائق للمحاسبة، وأنه لا يقبل أن تسيل قطرة دم واحدة وكفى عنفا.. فهو كذب عندما قال إن الوضع يفرض تغييرا عميقا وشاملا، وأنه سيتم فتح المجال من (الآن) لحرية التعبير السياسي ومزيد من العمل على دعم الديمقراطية وتفعيل التعددية وإعطاء الحرية الكاملة للإعلام بكل وسائله والانترنت. وهو كان كاذبا عندما أعلن: "أنه لا رئاسة لتونس مدى الحياة". لكل هذا لم تكن تنازلات بن علي في خطابه حقيقية، بل مجرد مناورة لمواجهة الواقع الجديد الذي فرضته أحداث الانتفاضة أو الثورة الشعبية، فهو استمر في سياساته الخادعة لاحتواء الموقف ثم الانقلاب على كل ما تعهد به أمام شعبه في خطابه الاضطراري.

      علينا أن نتعلم من شخص قال عن نفسه أنه أمضى 50 عاما من عمره في خدمة تونس في مختلف المواقع منها 23 رئيسا للبلاد، إنه شخص مخادع، وعلينا ألا نصدقه، وهو من على شاكلته، فلا يحق لبن علي وأعوانه أن يحزن أو يتألم على حياته العملية التي يقول إنه قضاها في خدمة تونس. بل أمضاها في خدمة نفسه وزيادة أرصدته التي هربها إلى الخارج.

      أعتقد أنه من حق شعوبنا العربية أن تتحقق مطالبها السياسية والاقتصادية، وأنه على الأنظمة الحاكمة أن تتعلم الدرس التونسي جيدا، فحالة "الخرس السياسي" لن تدوم طويلا. فالظروف تتشابه بين تونس وبعض الدول العربية بغض النظر عن المسميات، والانفجار السياسي والشعبي وارد في أية لحظة، وانفجار تونس ما هو سوى رسالة نذير للباقين، خاصة وأن الضغط الشعبي التونسي كسر شوكة أقسى نظام عربي وهزم رأسه الأعلى. فما تم في هذا البلد العربي هو تعبير أكيد عن أن ميزان قوى جديدة في العالم العربي قد ظهر، ميزان قوى يميل لصالح الشعب والشارع. هذا الشارع الذي ضاق صدره من كثرة القيود التي تفرضها الأنظمة وتعيش بعيدا عن واقعه وآماله وطموحاته المشروعة.

      لقد بدأت الانتفاضة التونسية بتعاطف الشباب مع زميلهم الجامعي الباحث عن العمل محمد بوعزيزي الذي تعرض لقمع سلطات الشرطة في بلدته ومصادرتهم لكل رأس ماله من خضار وفاكهة على عربة خشبية بسيطة، فأشعل النار في نفسه احتجاجا على ظروفه وأحواله المعيشية الصعبة. ثم تطور الموقف بأن تعاطف كل الشعب التونسي مع بوعزيزي الذي ضحى بحياته من أجل مستقبل بلاده وليكون رمزا لكل الشباب العربي الذي لا يجد عملا يتناسب مع مؤهلاته، فانفجرت ثورة مكافحة الفساد المطالبة بالإصلاحات الشاملة.

      لم يكن زين العابدين بن علي الذي احترف الكذب مستغلا منصبه القديم كرجل أمن، يدري أن نظامه غير شرعي رغم أن الجيش والشرطة يسبغان عليه الحماية الكافية. فالجيش تخلى عنه والأمن لم يعد يقف بجانبه. ومن هنا، جاء اعتراف بن علي متأخرا عندما قال لشعبه في خطابه الأخير "لقد فهمتكم!!".. فأين كان هذا الرجل طوال 23 عاما عندما لم يكن باستطاعته أن يفهم ما يجري حوله.. فهو فهم متأخرا بعدما ضج شبعه من ظلمه وقمعه وكبته، وكانت النتيجة أنه لن يعود إليه مجددا حتى ولو مكفّنا ، وهذا مصير الطغاة.

      كاتب ومحلل سياسي بحريني

      amurshed2030@gmail.com

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية