الغيم في تونس والغيث في الكويت أخبار الشبيبة

    • الغيم في تونس والغيث في الكويت أخبار الشبيبة

      كتبت - د . سعيدة بنت خاطر الفارسية

      في زيارتي الأولى لتونس كقائدة تدريب ضمن دورات المكتب العربي للكشافة والمرشدات في الثمانينيات تعرفتُ على شعب عروبي يختزن كما هائلا من القومية وإن بدا لنا فرنسي الهيئة واللسان

      تونس الشهيرة بالخضراء، تونس التاريخ العريق، تونس جامعة الزيتونة/ جامع الزيتون أول جامعة في العالم الإسلامي وهو جامعة وجامع بمدينة تونس، تونس القيروان جامع عقبة بن نافع جامع سيدي الصحابي، تونس التاريخ الأسطوري الأميرة عليسه، حنبعل، قرطاجنة، حضارة الفينيقيين الكبرى التي هددت بزعامة بطلها الأسطوري روما وكاد أن ينجح في اقتحام أسوارها الحصينة لولا خيانة المقربين.

      تونس التي لها في النفس ذكريات لا تمحى، ومن المصادفة البحتة أن يكون سفري لتونس سيتم بعد بضعة أيام لحضور اجتماع ما.. ولأن ذكرياتي فيها مكتنزة كنت مستصعبة هذه السفرة لأسباب عدة لعل أهمها برودة الجو في هذا الشهر القارص البرودة هناك، بعد أن اعتادت أجسادنا الدفء الخليجي المشمس.. ومن ذكريات برودة الجو التونسية أنه صادف أن حضرنا في تونس كفرقة مرشدات عمانية وقائدات وكان الجو صيفا في مسقط منتصف أبريل، فذهبنا بملابسنا الصيفية وفعلا وجدنا التونسيات يرتدين الملابس الصيفية وبدون أكمام (كت) أما نحن فذهبنا نبحث عن السوق لشراء الملابس الثقيلة التي ستقينا شدة البرودة، كنا نرتجف من البرد نتحدث وسحابة من البخار تتراقص من الأفواة، بينما على الطرف الآخر فتاة تونسية تنفخ أف حر مع زميلاتها اللواتي يوافقنها الرأي.. يومها عرفتُ أن الأمور بمجملها نسبية.

      أما في زيارتي كقائدة تدريب ضمن دورات المكتب العربي للكشافة والمرشدات في الثمانينيات فقد تعرفتُ على شعب عروبي يختزن كما هائلا من القومية وإن بدى لنا فرنسي الهيئة واللسان، وكانت الأغاني الوطنية تتدفق بعد كل محاضرة بشكل تلقائي مصحوبة بالدق على الطاولات أمامنا والأرجل على الأرض تخبط بشدة مع كل أغنية:

      إذا الشعبُ يوما أراد الحياة .... فلا بد أن يستجيب القدر

      ولابد لليل أن ينجلي ..... ولابد للقيد أن ينكسر

      وتغنى القصيدة بأكملها ملحنة وسرعان ما انضم الجميع جلوسا على شكل دائري في حلقات عديدة للغناء وبصوت عالٍ مهيب يهز جدران القاعة ويرج ُمشاعرا طال احتباسها لتضج القاعة المنتشية حماسا ومهابة.. فما أن ننتهي حتى يستلم المحاضر الثاني دوره وتختتم المحاضرة بأغنية أخرى من أغاني الصمود العربي التي تربت أجيال الأمة عليها..

      نحن الشباب لنا الغدُ .. ومجده المخلدُ
      شعارنا على الزمنْ عاش الوطنْ / عاش الوطن
      بعنا له يوم المحن ْ أرواحنا بلا ثمنْ
      يا موطني عداكَ ذم ْ مثلك من يرعى الذممْ
      علمتنا كيف الشممْ وكيف يظفر الألمْ
      نحن الشباااااااااااااااااااااااااااااااااب
      السفحُ والجداولُ والحقلُ والسنابلُ
      وما بنى الأوائلُ نحن له ....معاقلُ
      الدين في قلوبنا والنور في عيوننا
      والحق في يميننا والغار في جبيننا
      نحن الشباااااااااااااااااااااااااااااااب

      وهكذا يستمر الغناء مع أصوات الدق على الطاولات وخبط الأرجل على الأرض في جو حماسي وأصوات عالية مختلطة من القادة والقائدات وكنت حافظة لكل هذه الأغاني فقد نشأتُ عليها في مدارس الكويت البلد الذي تسوده أجواء المدّ القومي العروبي بشكل قوي آنذاك ..

      ولا يصح ختام ذلك اليوم الا بتعويذة الأناشيد الوطنية للرائع : ابراهيم طوقان:

      (موطني موطني .... الجلالُ والجمالُ
      والسناءُ والبهاءُ في رباك / في رباك

      والحياةُ والنجاةُ والهناءُ والرجاءُ في هواك / في هواك
      هل أراك/ هل أراك .. سالمًا منعمًا وغانمًا مكرمًا.
      هل أراك في عُلاك ... تبلغُ السماك / تبلغ السماك
      موطني موطني
      الشبابُ لن يكلَّ همه أن تستقلَ / أو يبيدْ / أو يبيدْ
      نستقي من الردى ولن نكون للعدى كالعبيدْ / كالعبيدْ
      لانريدْ ... لانريدْ ذلنا المؤبدا وعيشنا المنكدا
      لانريدْ ... بل نـُعيدْ مجدنا التليدْ / مجدنا التليدْ
      موطني موطني )
      فما كان إلا أن تحول النشيد إلى مظاهرة جمالية تعزفها القلوب قبل الحناجر.

      واليوم ومنذ أن رأيت ما يحدث هناك من انتفاضة الشعب التونسي أدركت أن مخزونهم الثوري الوطني الكامن قد تفجر، وقد أشعلتْ نيرانـه مستصغر الشرر، تولدتْ النار من رجل عاطل كادح وراء لقمة العيش لإعالة أسرته أمه وأخوته لكن (حتى على الموتِ لا أخلو من الحسدِ) الكادح البسيط الراضي بما وهبه الله من رزق بسيط تعارضه أيدي التجبر تصادر عربته الخشبية التي يسرح عليها طلبا للقوت بدون مبرر، إلا لعدم ترخيص العربة أو ما شابهها من أعذار هي أقبح من الذنوب المرتكبة ضد الشعوب المغلوبة على أمرها، حاول بوعزيزي الذي أهانه مرار العيش ولم تعزه خيرات الوطن وثرواته.. وعلى فكرة ليس لكون تونس بلدا غير نفطي يعني أنه فقير.. بل أنا مؤمنة تماما أنه لايوجد بلد عربي فقير..

      الوطن العربي يعاني من سوء توزيع الثروة لا الفقر، فمن نعم الله علينا ذلك الموقع الجغرافي المتميز بمناخه وسياحته وخيراته، دولنا كلها بها مصادر ثروات : زراعة صناعة رعي بحار معادن سياحة كل هذه خيرات جاء البترول ليتوجها ويزيدها، ثم أن الوطن العربي غني بموارده البشرية أنها أمة شابة متجددة ولوده، والعدد الكبير ثروة إذا ما احسن استغلاله وتوظيفه ... وإلا فكيف نعلل ظاهرة الصين الأسطورة الاقتصادية الحالية، ثم أننا شعوب رائعة نتمتع بالصبر الطويل والإيمان وحب الأوطان والانتماء للأرض والشجاعة والصمود، والطاعة لولاة الأمر، لكن معظم ولاة الأمر استمرأوا ذلك الصبر وتلك الخصال فساموا الناس ذلا وحاجة وقسوة ... وشمر بوعزيزي عن إرثه الغابر في (عجبتُ لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهرًا سيفه) وأشهر بوعزيزي سيفه في وجه التهميش والظلم والفقر والذل وأحرق نفسه على مرأى من الوجع الإنساني ...وهكذا يعيد التاريخ نفسه ويهب الشعب منتقما لجرحه ووجعه ويتنفس الشارع بأغاني الشابي ويتناثر شعور الإباء والرفض ليعدي أبناء العمومة وتزدهر النكت السياسية عبر الأثير: مصر الجريحة تصرخ كفاية، العراق تحتفل بطريقتها التفجيرية، الأردن على صفيح ساخن ... والأجمل أن مسيرة السحب المتراكضة من تونس تهطل غيثا متواصلا على الكويت أمير الكويت كأنه يترجم : إذا حسيتها في جارك جهز رأسك للحلاقة ... والسماوات مفتوحة فالآفاق تنفتح سماواتها بجرح واحد أمام حدود الأرض العربية المغلقة في وجوه بعضنا البعض، طالما لساننا العروبي واحد يلهج ويردد:

      اللهم أسقنا الغيث فالمحل يتزايد والجراد قضى على مساحات الاخضرار والأمل في النفوس، وكل ما نتمناه أن لايطيل هذا الانفلات الأمني في تونس حتى لانرى عراقا آخر في المغرب العربي، فقد نقل عن السلف أنهم قالوا (ستون سنة من حكم إمام ظالم، ولا يوم واحد بلا إمام نظرا لما يحصل من انفلات غاب رادعه في البلاد، وذلك لأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ... كما قال ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، فالبلاد بلا حاكم لايسودها إلا قانون الغاب من الفوضى والنهب والتخريب والانتقام المتبادل، وما أمر العراق منا ببعيد ....

      فهل من صحوة يا أمتي شعوبا وحكاما ...
      وماذا تنتظرون يا قادة العرب من شعوب عاشتْ يقتلها الظمأ والماءُ قرب عيونها مسكوبُ .؟!!!

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية