وعادت الروح تخفق جديد أولوا الألباب

    • وعادت الروح تخفق جديد أولوا الألباب

      بقلم: A. Qarawani


      " كان نهاراً مطفأً في قلبي ، أنفاس قلبي مهترئة وثقيلة ، دمي الجاري في عروقي منهك لا يمنح جلدي لونا طبيعيا ً . كنت غريبا ً ، المكان يلفظُني بقسوة ، ويتبرأ مني . لم يعد لك شيء هنا" . هكذا اعتاد أن يشعر .
      لم يمض سوى ثلاثة أيام على خروجه ِ من مركز التأهيل ، هناك حيث كانوا يغسلون دمه ويطهرونه من رجسه القديم . لا يتذكر أشياءَ كثيرة حدثت خلال آخر سنوات قضاها ، معظمها في أزقة مظلمة ، وغرف مقيتة ، مع أناس ٍ كثيرين لا يجمعهم سوى إدمانهم . كان يحاول أن يتذكر أول لحظة حدث فيها ذلك . أول لحظة حلق فيها في فلك الوهم . لم يبد ُ الأمر بالغ الخطورة حينها ، كانت لحظة نزع فيها إلى التهور ، وشعر بجرأة وقوة تملآن جسده عندما تناول جرعته الأولى ، لقد تعدّى خطا ً أحمر َ، وتفوق على جبنه من القوانين والمحرمات ، وكان ذلك صاخبا ً ومثيرا ً .
      لم يشعر أنّه غطس في وحلٍ عفن ، ولم يدرك أنه غارق إلا في لحظة متأخرة ، تلك التي تشعر فيها باقتراب الموْت . وتصبح كل دروب العودة موصودة بأبواب ضخمة . " لقد أفسدناه يا حسين .. أفسدنا ولدنا بالدلع " ، كانت والدته تردد وتبكي في المستشفى . كان يصحو على صوتها ، قليلا ً . ثم يعود ويغفو بثقل . أحلامه مليئة بصيحات وعويل وروائح قذرة ، أزقة مخيفة ، ووجوه مرعبة ، عيون ناتئة تحدق به من كل صوب . وفي أحد الزوايا النتنة ، يجد حقنة مليئة بسائل الوهم والخداع ، تلمع وتبرق ، تناديه .. تجذبه ُ ... ثم تخترق قلبه حتى آخره وتبث سمها المؤلم . " لقد تمكنت منّي هذه الحقنة حتى الأبد " .
      لم يعد يعرف من هو ، لم يعد يشعر بالحياة حوله ، كان ينفصل تدريجيا ً عن هذا العالم . كان يموت من الداخل ، كل شيء جميل وحيّ وشاب ، بدأ بالتعفن والتشوه . لم يكن يفكر سوى بجرعة الغد ، تلك التي تنسيه كل شيء وتحمله إلى طبقات بعيدة ، خارجة عن نطاق جاذبية الأرض. ينتشي للحظات ، ثم يغيب . وعندما يصحو ، يهوي سريعا ً ، نحو حفرة بلا قاع ، وبداخله وحش مسعور من الألم، يمزق كل شيء .
      يهرع ُ كالمجنون إلى بيت صديقه ِ "أبو الخير" كما كان يدعوه المدمنون ، لم يكن يبخل على أحد بالجرعات الخيرية ، التي يوزعها على الشباب البائس . " أغثني وحياتك ، سوف أموت " . فيبتسم صديقه " اهدأ يا رجل .. عندي ما تطلب " . فيهديه جرعة ببلاش . ليغيب مرة أخرى ، ويرتاح حتى حين .
      كيف وصل إلى هناك ؟ . لم يكن ينقصه شيء في حياته ، لقد عاش حياة كريمة ، وتمتع بنعم ٍ كثيرة منذ صغره . أجل .. لقد كان طفلاً محظوظاً ، تلقى أفضل تعليم .. وحاز على ما يتمناه كل طفل في حياته . لم يكن محروما ً ، أو حزينا ً ، لم يكن معذباً ... كان محاطا ً بالأشياء الثمينة ، والكثيرة . محاطا ً بالحفلات والأعياد والأصدقاء . وبالأهل الطيبين ، الذين سهروا لأجله . كيف اختفى كل ذلك فجأة من حياته ، ولم يعد يشعر سوى بالحقد والكره والغربة ، وبلعنة تسري في جسده ... ؟
      لم يعد له أصدقاء ، تخلى عنه الجميع ... ولم يعد بإمكانه أن يلجأ إلى أحد سوى " أبو الخير " ، الذي يستقبله برحابة وبشاشة ، " أنا أفهمك يا رجل ، أنا أعرف ما تشعر به ، لا أحد يهتم بك ، لا أحد يدرك ما يعتريك ، لكن أنا عندي راحة البال ... خذ هذه الحقنة هدية مني ، صغيرة لا تخيف ، تنسى وتهدأ " . وكانت الهدايا تكثر وتكبر يوما ً بعد يوم ... ويزداد تأثيرها وسحرها ، كانت تفعل أشياء عجيبة ، تأخذه بعيدا ً وعاليا ً، هناك حيث تفقد الأشياء قيمتها .
      تغيرت ملامح جسده وتصرفاته ، أصبح شخصا ً مختلفاً ، كريها ومرعبا ً . أوعيته الدموية نافرة تحت جلده الأصفر ، عيناه جاحظتان يملؤهما الدم . والدته تردد " أنت لا تأكل كثيرا ً يا ولدي .. انظر ما حل بك ، كل ْ .. كلْ أكثر " . والده لا يكترث كثيرا ً بحالته الصحية ، يقول لوالدته " ابنك هذا يتعاطى شيئاً " ، ثم يدخل وينام .
      أما هو ... فلم يعد يعي ما يقال أو يحدث ، ولم تكن له سوى وجهة واحدة ، " أبو الخير" ...
      " أنت يا أبو الخير، أنت منقذي وصديقي ، لم يساعدني أحد بقدرك ، لم يهتم بي أحد مثلك من قبل ، أعطني جرعة .. فأنا متعب " . فيبتسم أبو الخير ، ابتسامة جديدة هذه المرة " أجل يا صديق ، سأعطيك هدية .. لكنها آخر مرّة ، والمرة القادمة ، سآخذ منك مبلغا ً بسيطا ً مقابل كل جرعة ، تعلم الأوضاع صعبة ، والعيال بدها أكل " .
      وهكذا ... اختفت عطايا أبو الخير وبركاته ، وأصبح هو أيضا ً شخصا آخر . وكانت الجرعات تزداد ثمنها يوما ً بعد يوم ..
      المال الذي يحصل عليه من والده ، غير كاف .. كان لابد من أن يسرق بالخفاء . أن يأخذ كل ما يجده ، أن يبيع أغراضه ، وكل ما يتمكن بيعه من متاع البيت . كان يمضي أيامه وهو يحاول أن يوفر ثمن جرعة ، غير آبه ٍ ولا مكترث لما يحدث حوله . " هذه المرة فقط يا أبو الخير ، خذ نصف الثمن ، أنت تعلم أنني بحاجة إليها .. سأموت إن لم أحصل على هذه الحقنة " . فصاح به صديقه القديم " هذه المرة فقط ، والمرة القادمة سيكون ثمن جرعتك مضاعفا ً ، وإن لم تملك المال فلا تعد إلى هنا مرة أخرى " .
      كانت شياطين الجحيم تشرب روحه ، وتمتصها بلؤم .. جال في شوارع المدينة غائبا ً وضائعا ً ، نام في أزقتها المظلمة ، وغرفها المشبوهة ، تعرف على تلك الطبقة المختئبة في احشاء العتمة والظلمات . كان عالما ً مجنونا ً ، وبشعا ً .. ذلك العالم السفلي . لكنه قد فقد نفسه تماما ً ، ولم يعد يذكر طريق العودة إلى بيته .ورأى العالم الذي تشرق فيه الشمس بعيدا ً ونائيا ً ، لا مكان فيه لأمثاله .
      حاول أن يحصل على جرعاته بكل الطرق ، والأعمال المشبوهة ، لا يذكر كل ما قام به من أجل أن يقدم قربان لذلك الوحش الذي تملك جسده . مارس كل طقوس العالم المظلم . ولم تكن فيه خلية واحدة ناجية من جنون إدمانه . وكل مرة يعود إلى أبي الخير ، ذليلا وخاضعا ً ، راجيا أن لا يزيد ثمن الجرعات ويكتفي بما يأخذه منه .
      لكنْ أبو الخير ، كان يعرف تماما ً ، كيف ينتشر اللهيب في جسد الشاب ، وكيف تجتاحه الطعنات ، وأن الألم الذي يزلزل أجزاءه لا يمكن أن يتوقف إلا بهذه الجرعة ، وأن هذا الشاب سيدفع ثمنها ولو دما وروحا ً . وبهذا كان يكسب رزقه من مئات الشباب الضائعين ، الذين ابتلعهم وحل الإدمان . " أنت تعرف يا صديقي أن الأوضاع صعبة ، ولا أستطيع أن أبيعك الجرعة بهذا المبلغ الصغير بعد الآن ، أنا أتعب في عملي ، وأنت تعرف الخطر الذي أواجهه لأوفر لك هذه الحقنات " .
      - لكنني أحتاجها ... أنا أتمزق
      - هذه مشكلتك . وليست مشكلتي ..
      أين اختفت الأضواء ؟ من الذي سرق الهواء النظيف ؟ والماء الزلال ؟ والبيوت المبتسمة والشبابيك المليئة بالأحلام ؟ ... كان وحيدا ً ، وصغيرا ً أمام قوة ضخمة تصر على إتلاف كل ما تبقى منه ومن حياته . وقف هناك أمام أبي الخير ، الألم يحرق أطرافه ، ويمزق أعضاءه ، لم يتبق له أي شيء الآن .. كان بلا هوية ، لم يكن يذكر اسمه ، لم يعد يعرف الطريق إلى بيته ... لم يكن حيا ً ولا ميتا ً ، ولم تكن له رغبات سوى رغبة واحدة ، أن يحصل على الحقنة . لكن أبو الخير لن يمنحه واحدة اليوم.
      اجتاحته موجة إنكسار ، وشعر أنه ضئيل وصغير ، في بطن عالم متوحش سلبه الحياة والإنسانية . لم يعد له أيّ شيء في هذا المكان ، لم يعد يشعر بأن بداخله روحا ً تخفق . لم يعد في صدره سوى فراغا موحشا وأسود ، كان جثة محشوة بالبؤس ، وبشظايا حياته المدمرة ، أنفاسه لزجة ، حلقه تستوطنه الطحالب والعوالق المميتة ، تمتص كل ذرة نظيفة تحاول أن تدخل لصدره أو تمنحه بعض الأمل .
      نظر إلى شارع طويل ، لم يكن له نهاية .. كان يبدو مثل بئر سحيق يمتد حتى الظلمات المنسية ، بلا قرار . من دخل هذا الشارع فهو ملعون ، ضائع .. مفقود حتى آخر رمق فيه . سار بلا وجهة .. سار طويلا ً وعبر الأزقة والحارات ، كان غارقا في وحله حتى العمق . كان يشعر بالنهاية القاسية تتصاعد إلى رأسه ، لقد بدأت أجزاؤه بالتساقط .. واحدة تلو الأخرى ، وهو يسير ... ولا يرى ، ولا يفكر ، لقد ترك مصيره النهائي للعتمة العمياء .
      " سأودع هذا العالم ، سأختار العدم الذي لن يذكرني ، والذي يغيبني حتى الأبد ، لقد متّ منذ وقت طويل ... لكنني لم أدرك هذا سوى الآن ، وفي هذا العالم ، أنا لست سوى جرثومة تتغذى على فضلاته ، وتلحق الأذى بالأشياء الجميلة " . لقد بدت لحظة النهاية جلية في عقله ، وشعر أنه توصل لأول مرة منذ فترة طويلة إلى قرار سليم وحقيقي .. سينهي حياته ، سيحرر الآخرين من وجوده المؤذي ، سيحرر نفسه من الألم الفظيع ، ولن يكون بحاجة أي أحد بعد الآن .. سيخرج من بطن هذا الوحش ، ولن يكون هناك المزيد من أمثال أبي الخير يستعبدونه ويستغلونه .
      كانت فكرة لامعة ، شعر بقوة مخيفة تناديه نحو الموت .. ركض بجنون ، نحو جسر المدينة ، ركض وركض وركض .. وشعر أنه سعيد كما لم يكن أبدا خلال فترة طويلة ، كان يقرر ... لقد قرر أخيرا ً أن يكون حرّا ً ، وأنه لن يحتاج أية حقن بعد اليوم ...
      وقف على حافة الجسر ، كان ينظر للعالم مرة أخيرة . الأشجارُ ، الأضواءُ ، السياراتُ ، الناس الطيبون ، الروائح الزكية ، ضحكات طاهرة .. كلها أشياء بدت مختلفة وجميلة ، أشياء لم يرها سابقا ً . كان ينظر للحياة ، شعر أنها تحاول أن تقول شيئا ما .. لكنه لم يكن يفهمها ، لم يكن يسمعها .. شعر بحزن ثقيل ، ثقيل ... يجذبه نحو القاع ، يجذبه بقوة . كان طائرا صغيرا وجريحا ً في سماء واسعة .. لمعت في عينيه دمعة دافئة ... نزلت على خده الغائر ، تذكر لمسة أمه التي مسحت هذه الدمعة كثيرا ً . الآن يتذكر .. ويعرف ، لكنها لحظة الموْت التي لا يستطيع الفكاك منها . شعر أنه يتباطأ ... وأن الحياة تحايله مجددا ً ، لابد من إنهاء الأمر سريعا ً . " هذا العالم ليس لي .. " . أغمض عينيه ، ثم قفز .
      لكنه لم يمت ْ يومها . استيقظ على صوت أمه ِ ، في المستشفى ... ولم يصدق ، أو لم يفهم .. إصرارَ الحياة على أن تبقيه هنا . شعر بالكآبة واليأس . لم ينجح في أي شيء حتى في محاولته لأن يموت ! . العالم بالنسبة له مكان مخيف ، لا يريد أن يبقى فيه ، كان يحلم بالكوابيس والحقن وأبي الخير والأزقة التي تشبه القبور . وكان يبكي بحرقة وينتفض من الألم والخوف ، كلما تذكر حياته القديمة .
      لكنّ الأمل والحلم ، يتسللان إلى أي قلبٍ عرف طعم الحياة . كانت الأيام الطويلة التي قضاها في العلاج قاسية وشاقة ، لكنه شعر بالأمان ،والإنتماء هناك ، حيث كان محاطا بالعناية والإهتمام . كان كل ما حوله يكتسب لونا ً ومعنى ، كان مكانا نظيفا ً وهادئاً ، ومليئا ً بالناس اللطفاء . وبدأ قلبه يستعيد اللون الوردي ، وبدأت روحه تتحرك في أجزائه . لقد كان يتألم أحيانا ً ، ويكتئب أحيانا ً أخرى .. لكنه كان يبتسم أيضاَ ، ويتذكر ويتعرف على أشياء جديدة . شعر بأنه حيّ ... وكان لهذا الإدراك أثرا ً عميقا ً في نفسه .
      تعبره الذكريات ، الآن هو شخص آخر . شخص جديد ، ذاته صفحة بيضاء ، عليه أن يملأها ويسد فراغاتها ، عليه أن يجد هويته ، وعليه أن يجد مكانا ً واضحا ً ونظيفا ً ويلتصق فيه بقوة ٍ وإرادة . عندما خرج من المستشفى .. شعر بالكأبة والخوف حينما واجه العالم الكبير . عندما شاهد الملامح القديمة ، الذي تذكره بأشياء كثيرة لا يرغبها . كان في داخله مرعوبا ً وضعيفا ً . ولم يكن هذا العالم الواسع آمنا ً بالنسبة له . لذلك قرر والداه أن ينتقلا بعيدا ً إلى بلد ٍ آخر ، صغير وهادىء .. حيث يمكن له أن يستعيد عافية روحه ، ويكبر الإنسان فيه قويا ً وصالحا ً ، حيث يمكن أن يغذي بذرة صالحة في قلبه ِ .قلبه ُ الذي انطفأ فيه النهار ذات يوم ، لكنه الآن عاد وأشرق ..





      المصدر أولوا الألباب


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions