الوفاء للأرض
الشمس تُطل من خلف ضباب كثيف .. السماء شبه مُلبدة بالغيوم وصوت الرعد المخيف وومضات البرق تشل القلب ، وتضعف النفس .. كأنّ شيئاً غير عادي يدفعه للبكاء .. فتاة ، حسناء ، ذات السبعة ربيعاً، تقف مندهشة .. لم تر أخيها ، بهذه الصورة .. لا بُد في الأمر شيء غريبٌ .. صوت الريح يطرق أُذنيها ، فتشعر بعزفٍ جنائزي حزين .
صرخاتٍ مختلطة بالبكاء تتعالى ..يا إلهي ماذا حدث ..! قالت في نفسها .. وهي تبكي أبوها الذي لتوه فارق الحياة .. ما هذه القسوة .. ما هذا الألم الذي يُلاحقنا .. أُمي ماتْ ولم أرها .. وأبي لحقها ، ولم يستطع أن يقضي مبتغاه في الحياة .. كان بوده أن يراني شابة قوية .. لقد تركني في هذه الدار التي تكسوها الأشجار الخضراء .. فيأبى القدر إلاّ أن يُفارقها ..!
نعش محمول على الأكتاف ، في طريقه إلى المقبرة . بكاءُ ونحيب يجهشن به النسوة والصبيان .. قُرص الشمس الأرجواني يُودع حياة اليوم بآمالها وأحلامها .. وآلامها وقسوتها .. ثُلّة من الأقارب يواسونهما في مُصابهما .. شفق الشمس ، يغمر البيوت والأشجار بأشعةٍ برتقالية رائعه ..وحرارة الرطوبة العالية تجثم على وجوه الباقين على ظهر الحياة .
سعيد صامت لايتكلم .. بادرته وفاء :
- هذه الأرض ستعطينا بقدر ما نُعطيها .. إنها لن تبخل علينا بخيرها وستجود علينا بعطايا إذا ما أعطيناها ..
- نعم كلامك صحيح .. لكني سأسعى للبحث عن عُمال يشتغلون فيها .. لا أستطيع أن أُفرط في وظيفتي .. تلك الوظيفة التي أنتظرتها بفارغ الصبر ..
القى نظرة إليها .. ثم انصرف غاضباً ..
مرت شهور وأيام ..
سعيد يدفعه الحنين للعودة إلى بلدته .. تملكته الحيرة وهو يشاهد العُمال يملأون العربات بالمحصول .. تساءل في نفسه .. كيف حققت وفاء ذلك ..!؟
قالت وفاء بعنفوان وشموخ :
- هذا موسم الحصاد .. هذا ما جنيتُه من المزرعة فماذا جنيت من الوظيفة .!!
لم يستطع سعيد أن يبزم بحرف .... وقال لها ، ألا تخبريني .. كيف تصرفت .. وماذا فعلت ..!؟
- تقدمت لطلب قرض زراعي .. فجاءت الموافقة .. وبادرت في شراء المعدات والآلات والبذور .. وأستجلبتُ عُمالاً يعملون بها .. وأشرفتُ على كل شيء ..! إلى أن وصلتُ ما تراه عيناك .. كُل ذلك بفضل تحقيق رغبة والدي .. لتبقى روحه راضية وسعيدة ..
نظر سعيد إلى أُخته .. بنظرة في حبٌ وتقدير . .. وأَكْبر فيها الهمّة وبارك شموخها .. فقد أعترف أنه أخطأ في حق المزرعة وقصّر في حق رغبة والده .