ميلاد جديد غريب للزعامة الأمريكية أخبار الشبيبة

    • ميلاد جديد غريب للزعامة الأمريكية أخبار الشبيبة

      كينيث وايزبرود

      الآن وبعد أن بدأت الولايات المتحدة تتحرك بعيداً عن المشاعر التي وجدت بفعل 11 سبتمبر، يمكن أن نتساءل ما إذا كان كلينتون مصيباً حين قال إن فضائل أمريكا وأصولها تتغلب دوماً على رذائلها ونقائصها

      في الاجتماعات السنوية للرابطة الاقتصادية الأمريكية التي جرت مؤخرا، كان التشاؤم واسع النطاق فيما يتصل بمستقبل الولايات المتحدة. فأعلن أحد خبراء الاقتصاد: "لقد ولّى عصر الهيمنة الأمريكية"، وقال آخر: "يتعين على الولايات المتحدة أن تعد نفسها للتعامل مع اضطرابات اجتماعية خطيرة وسط تبادل اللوم حول من كان المسؤول عن إهدار السيادة العالمية".

      لقد سمعنا هذه القصة مرات عديدة من قبل، ليس فقط في الولايات المتحدة، بل وأيضاً في أماكن أخرى من العالم. والواقع أن كتاب "الوفاة الغريبة لانجلترا الليبرالية" للمؤرخ جورج دنجرفيلد يصف انحدار بلاده المفاجئ في أوج قوتها في مطلع القرن الفائت. وبدا الأمر وكأن العالم كما عرفه الجميع آنذاك اختفى ببساطة ولسبب غير مفهوم. ويخشى العديد من الأمريكيين -أتباع حزب الشاي على سبيل المثال- أن شيئاً مماثلاً يحدث لبلدهم الآن، أو أنه قد حدث بالفعل.

      استند دنجرفيلد في تشخيصه إلى مقطع مستعرض من المؤسسات والسياسات والشخصيات على خلفية من الصراع الطبقي المرير في ذلك الوقت. بيد أن الأمريكيين كانوا كارهين عموماً للصراع الطبقي. صحيح أن الولايات المتحدة كانت منذ تأسيسها موطناً لبنية طبقية صلبة، ولو أنها كانت مرنة بالمقارنة بغيرها، ولكن الأمريكيين لا يحبون أن يتحدثوا عن ذلك، حتى حين يئنون تحت وطأة حماقات "أهل النخبة". ويكاد كل الأمريكيين تقريبا، باستثناء أكثرهم ثراءً وأشدهم فقرا، يصنفون أنفسهم باعتبارهم من أبناء "الطبقة المتوسطة. وتظل هذه هي الروح الديمقراطية الأمريكية.

      ورغم ذلك فمن الصواب أن نسأل ما إذا كان نمط الحياة الأمريكي قادر على البقاء في القرن الحادي والعشرين، وإذا تمكن ذلك النمط من البقاء فهل يستمر في أمريكا أو يهاجر إلى مكان آخر مع انهيار الاقتصاد والنظام السياسي في أمريكا تحت وطأة الأعباء المتراكمة نتيجة لعقود من الزعامة الوطنية القصيرة النظر والفرص المهدرة. والواقع أن الزيارة التي قام بها الرئيس الصيني هو جين تاو إلى واشنطن مؤخراً ينظر إليها العديد من الناس -وخاصة في الصين- باعتبارها تمريراً للشعلة.

      كان المتشائمون يزعمون هذا لفترة طويلة. أما المتفائلون، الذين يروجون للناتج المحلي الإجمالي وغيره من المؤشرات، فسوف يستمرون في إصرارهم على أن الأمريكيين في أفضل أحوالهم على الإطلاق. وإذا كان هناك أي شكل من أشكال الاستمرارية الذي يستحق أن نسلط عليه الضوء فهو ذلك التعايش المنتظم بين الترويج والتلميع المتحمس وبين نُذُر الانحدار: فالكأس الأمريكية نصف ممتلئة ونصف فارغة في آن واحد.

      وليس من قبيل الصدفة أن يظهر أثناء سنوات ريجان/ بوش الأب -الفترة السابقة التي تزامنت فيها السياسة الخارجية العدوانية مع العجز الضخم- كتاب مثل ذلك الذي ألفه جوزيف ناي تحت عنوان "الزعامة الإلزامية" (1990) مباشرة في أعقاب صدور كتاب بول كينيدي تحت عنوان "صعود وسقوط القوى العظمى (1988). فقد ساق الكتاب الأول الحجج القوية الداعمة لأهمية الهيمنة الأمريكية العالمية باعتبارها ضرورة؛ وحذر الكتاب الثاني من "التوسع الإمبراطوري المفرط".

      استند كل من المؤلفين في حجته إلى تقييم السياق الأساسي للقوة في العالم - بنية القوة. والواقع أن أمريكا كانت منهكة لأن التزاماتها العالمية كانت تفتقر إلى التوازن على نحو متزايد مع أصولها الوطنية، وكان من المحتم عليها أن تحمل راية الزعامة لأن العالم كما نعرفه مرتب على نحو موات يسمح لها بالقيام بهذه المهمة.

      وفي الآونة الأخيرة، أثيرت حجج مماثلة مرة أخرى. فقد استرجع الكاتبان باراغ خانا وفريد زكريا نفس الحجج التي ساقها كينيدي وناي، ومن قبلهم هيدلي بول، في التأكيد على أن الولايات المتحدة لابد وأن تقود العالم بعيداً عن "روح القرون الوسطى الجديدة" وسط "صعود بقية العالم" والركود النسبي في "الغرب".

      ولكن هل يسوق هؤلاء الكتاب حججاً مقنعة؟ إذا نظرنا إلى لحظات التقارب البنيوي المزعوم -ثمانينيات القرن التاسع عشر، ثم عشرينيات وخمسينيات وستينيات وتسعينيات القرن العشرين بصورة خاصة- فسوف نرى مصادر الازدهار والقوة الأمريكية وقد برزت في سياق عالمي، ثم عادت إلى التراجع من جديد. ولعل الصعود ثم السقوط يشكل ظاهرة دورية أكثر منها خطية.

      أو لعلها لا دورية ولا خطية. فالمتغير المفقود في أغلب هذه الحجج، حتى في كتابات ناي، هو الزعامة. فالزعماء لا يصعدون ولا يسقطون بفعل الظروف وحدها أبدا. ويحرص أغلب المؤرخين على وضع الزعامة في صدارة التاريخ البشري، حيث تصبح المتغيرات البنيوية ذات قيمة مشروطة وليست سببية. فيقول دنجرفيلد "حتى تحت أكثر أنواع التربة خصوبة قد تكمن أخطر بذور الفتنة والدمار".

      ولكن لماذا كان الأمريكيون بارعين في القيادة إلى هذا الحد؟ هل يتمتع الأمريكيون بموهبة خاصة، أم أن الأمر ليس أكثر من حظ محض؟ الآن وبعد أن بدأت الولايات المتحدة أخراً في التحرك بشكل تدريجي ومدروس بعيداً عن المشاعر التي اتسمت بها استجابة البلاد للهجمات الإرهابية في العام 2001، فمن الجدير بنا أن نتساءل ما إذا كان بل كلينتون مصيباً حين قال إن فضائل أمريكا وأصولها تتغلب دوماً على رذائلها ونقائصها.

      إن الكُتّاب المذكورين أعلاه أقل اهتماماً بجوهر القوة من ممارستها. فهم يودون لو تصبح الولايات المتحدة أكثر تمرساً وحنكة في التعامل مع أمور العالم. على سبيل المثال، يحث خانا الأمريكيين -ونفترض أنه يبني على الكتابات الأخيرة للمؤرخ والمحلل الاستراتيجي العسكري إدوارد لوتواك- يحثهم على التعلم من الإمبراطورية البيزنطية في صياغة التحالفات المعقدة والغامضة بين الدول الكبيرة والصغيرة وغيرها من الكيانات، على النحو الذي يجعل من الدبلوماسية شيئاً أشبه بسوق المشتقات العالمية.

      ولا يجيد الأمريكيون هذا بشكل خاص، رغم الهيئة البيزنطية التي قد تبدو عليها سياسة بلادهم وأساليبها في صنع السياسات. وهو ما يعيدنا إلى البنية. إن النظام السياسي الأمريكي لم يكن مصمماً قط لحكم العالم. وكان المقصود من ضوابط وتوازنات هذا النظام أن تعمل على إحباط مثل هذه المهمة بين يدي أي مسؤول تنفيذي كلي القدرة، ومن المشكوك فيه أن يدعم الأمريكيون مثل هذا التوجه الناشط إلى الأبد.

      إن أسرار النجاح الأمريكي شفافة ورغم ذلك يصعب قياسها كميا. والواقع أن ما يتسم به الأمريكيون من براجماتية، وانتهازية، ورجاحة عقل، وإبداع، وقدرة على التكيف، وتفاؤل، وفي المقام الأول من الأهمية القدرة التنافسية المتأصلة، كل ذلك يميل إلى التعويض عن ميلهم إلى العنف، ونفاذ الصبر، والقوامة، وعدم القدرة على التنبؤ بتصرفاتهم، وولعهم بكل ما هو جديد ومشهور، وتوكيدهم لذاتهم جُملة - أو كما يقولون: "التوصل إلى النتائج في أسرع وقت وبأعظم قدر ممكن". إن هؤلاء الذين يفهمون شغف الأمريكيين العميق الجذور "بإنجاز الأمور" يدركون السر وراء فشل الصراع الطبقي أو أي شكل آخر من أشكال الصراع المدني في تدمير أمريكا من الداخل. فالشخصية الأمريكية تفضل النزوح على التدمير، والفوز للجميع على تساوي المكسب والخسارة. ومازال هذا صادقاً حتى يومنا هذا، سواء في الداخل أو الخارج.

      *كينيث وايزبرود مؤرخ دبلوماسي. وأحدث مؤلفاته كتاب بعنوان "القرن الأطلسي".

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية