كتب - أحمد إبراهيم
على المتظاهرين في العواصم العربية ايضا ان يفهموا ان بعض النظارات وردية، والسبب ان العواصم شوارعها قبل خمسين سنة كانت كلها أشجار وزهور وعطور، وعليهم ان يتقبّلوا يومهم الجديد اليوم بثوبه الجديد، وكما لا يمكن رؤية الاحلام وهم ايقاظ كذلك لن يحبوا رؤية الكابوس وهم نيام
من يحب مصر يحب من يحكمها ومن لا يحكمها، لأنه يحب مصر.. وأدعو أهل مصر لا تُنهكوا قلب مصر نبضاته، ولا تُلحّنوا عدوّ مصر نغماته، ولا تُشحنوا شيطانها جمراته.. ثم ولا تُعكّروا خطيب مصر نبراته، ولا تُبطلوا ابن مصر صلواته. عندما أقرأ القاهرة لا أقرأها بعدسة (الأربعاء) 26 يناير لصحيفتى "لي موند" و"لي فيجارو" الفرنسيتين الواسعتى الإنتشار، ولا كما رصدتها صحيفة "انترناشيونال هيرالد تريبيون" الأمريكية الواسعة الإنتشار يوم (الخميس) 27 يناير على صفحاتها الأولى، وكأنّ القاهرة مشتعلة تحولت بين ليلة وضحاها إلى ثكنة عسكرية، و(الجمعة) تعني في القاهرة هذا الأسبوع بصلاة المظاهرات والمهاترات .. نعم هكذا صورت الصحافة العالمية القاهرة.
لم تكن قراءاتي هكذا عن القاهرة ولن تكن كتاباتي هكذا عنها .. لأن قلمي قبل ان يكتب عن القاهرة يفهم انه سيكتب عن قاهرة المليون مئذنة، وقاهرة العشرين مليون مسلم مسالم.
المصريون مسالمون بلاضعف وأقويا بلا جنون، ومصرُ القوة ليست على المتظاهرين والمصلين من المصريين، قوّة مصر في جيشها تُرعب به عدوّها في الخارج، ذلك الجيش الذي بناه محمد علي بمقومات يجعله أقوى جيش في العالم.
لا لوم على الصحافة العالمية، وبالأخص الفرنسية البريطانية تشويشها على مصر، لأن فرنسا وإنجلترا لم تنسيا مصرا نافستهما، فحاربتا بعضهما على نفق من سيصل إلى مصر أولا فيستعمرها.؟ كان العام 1798 عام الاحتلال الفرنسي لمصر، نالت فيه باريس ملعقة ساخنة من الجيش المصري بهزيمتها النكراء العام1801، ثم إستلم بعدها محمد علي الحكم في مصر العام 1805 .. ورغم ما جاء العام 1811 وما بعده من مذبحة "قلعة"، تواصل الجيش المصري "الاستانة" بقلب اسطنبول في الفترة التي كانت تركيا تمثل الإقليمية العظمى، لكن بعزيمة مصرية قوية الخُطى واعية الخُطط، وبإنضمام الاسطول البحري الى خط الدفاع، أصبح الجيش المصري اقوى اسطول في العالم، فكانت القاهرة يومذاك تفرض شروطها على المعسكرين الاوروبي والعثماني بقوتها القاهرة.
إذن قوة مصر لأعداء مصر المترصدين لها من الخارج، ومهما تحرك المصريون في القاهرة فانهم للقاهرة وليسوا عليها، والقاهرة هى الأخرى لن تُنهك ولن تُستهلك مهما استقبلت المظاهرات السلمية، ولن تتعب من هذا الجمعة أو ذاك وبمسيراتها الواحدة تلو الأخرى مهما تعددت وتواصلت.
وبالعكس القاهرة تستريح بهم، لأنها تستمد من هؤلاء الشبان شبابها التي فقدت والصحة التي خسرت، والحيوية التي افتقدت .. ولأن لقاء العواصم بمواطنيها الشبّان اشبه بأكسير الحياة يطيل عمرها ويضاعف تفاؤلها.
أشعر ان فخامة الرئيس المصري سيجد متعة في الاستماع لهؤلاء الشباب، يعرف مشاكلهم، ويناقشهم في حوار مفتوح، وانه اذا دخل مكتبه بعدالاختلاط والمحاورة بالشباب، فانه سيشعر بان عمره طال أضعاف الساعات التي امضاها دونهم بين وزرائه وحراسه ومرافقيه ومستشاريه.
لا أعتقد ان كل المتظاهرين يضعون على أعينهم نظارات سوداء، أو كلهم يعانون من قصر النظر، وبنفس الوقت ليس من المعقول ان كلهم يتمتعون ببُعد النظر فعلى المتظاهرين في العواصم العربية ايضا ان يفهموا ان بعض النظارات وردية، والسبب ان العواصم شوارعها قبل خمسين سنة كانت كلها اشجار وزهور وعطور، وعليهم ان يتقبّلوا يومهم الجديد اليوم بثوبه الجديد، وكما لا يمكن رؤية الاحلام وهم ايقاظ كذلك لن يحبوا رؤية الكابوس وهم نيام.
لا أعتقد ان القاهرة ستحاكم كل الشباب الذين يمشون في شوارها، لأنها إن رأت فيهم الجناة، قد ترى فيهم ايضا المجني عليهم، وإن وجدت فيهم المقصرون ستجد بينهم أيضا الضحايا.
وباب الاقتصاد هو دائما محور القوى السياسية المتنافسة في كل العواصم، ولن نذهب بعيدا عن باب "حطّة" فقد رأيناه هذا الباب في حياتنا انفتح على مصراعيه امام رونالد ريجان ليوصله مباشرة من على ظهر خيول هوليوود الى البيت الأبيض بعد مناظرة تليفزيونية دارت بينه وبين جيمي كارتر سال لها لعاب الأمريكان ولبرناماج ريجان الاقتصادية "الريجانو الاقتصادية" .. وكان الباب نفسه حاسما في المعركة الإنتخابية الفرنسية بين جيسكار ديستان وفرانسوا ميتران، إذ احتل الجزء الكبير من مناظرتهما التليفزيونية الجدل الاقتصادي .. وبعد عقود عادت الانتخابات الأمريكية الأخيرة بين أوباما ومنافسيه من أوسع أبوابها الموزعة على الاقتصاد الأمريكي وشبابيكها من العجز والبطالة وإفلاس البنوك وغيرها .. ومازال الصراع يدور بين الذين هم داخل البيت الأبيض وخارجه حول باب الاقتصاد وسقف الاقتصاد وجدار الاقتصاد. لعل القاهرة تخرج بعد هذه الساعات بدروس وعبر، حيث انه لامعجزة تأتي بذهاب شخص وقدوم آخر، فلتبق مصر مصرُ القوة، والقاهرة قاهرةُ الزمن، وستبقى إن شاء الله إذا عرفنا ان نحافظ على وحدتها أمنيا وعسكريا واقتصاديا، شريطة ان تؤمن الأحزاب المتنافسة بان كل منتميها مصريون وكلهم أحرار يحترمون حرية الآخرين.
*كاتب إماراتي
أكثر...
على المتظاهرين في العواصم العربية ايضا ان يفهموا ان بعض النظارات وردية، والسبب ان العواصم شوارعها قبل خمسين سنة كانت كلها أشجار وزهور وعطور، وعليهم ان يتقبّلوا يومهم الجديد اليوم بثوبه الجديد، وكما لا يمكن رؤية الاحلام وهم ايقاظ كذلك لن يحبوا رؤية الكابوس وهم نيام
من يحب مصر يحب من يحكمها ومن لا يحكمها، لأنه يحب مصر.. وأدعو أهل مصر لا تُنهكوا قلب مصر نبضاته، ولا تُلحّنوا عدوّ مصر نغماته، ولا تُشحنوا شيطانها جمراته.. ثم ولا تُعكّروا خطيب مصر نبراته، ولا تُبطلوا ابن مصر صلواته. عندما أقرأ القاهرة لا أقرأها بعدسة (الأربعاء) 26 يناير لصحيفتى "لي موند" و"لي فيجارو" الفرنسيتين الواسعتى الإنتشار، ولا كما رصدتها صحيفة "انترناشيونال هيرالد تريبيون" الأمريكية الواسعة الإنتشار يوم (الخميس) 27 يناير على صفحاتها الأولى، وكأنّ القاهرة مشتعلة تحولت بين ليلة وضحاها إلى ثكنة عسكرية، و(الجمعة) تعني في القاهرة هذا الأسبوع بصلاة المظاهرات والمهاترات .. نعم هكذا صورت الصحافة العالمية القاهرة.
لم تكن قراءاتي هكذا عن القاهرة ولن تكن كتاباتي هكذا عنها .. لأن قلمي قبل ان يكتب عن القاهرة يفهم انه سيكتب عن قاهرة المليون مئذنة، وقاهرة العشرين مليون مسلم مسالم.
المصريون مسالمون بلاضعف وأقويا بلا جنون، ومصرُ القوة ليست على المتظاهرين والمصلين من المصريين، قوّة مصر في جيشها تُرعب به عدوّها في الخارج، ذلك الجيش الذي بناه محمد علي بمقومات يجعله أقوى جيش في العالم.
لا لوم على الصحافة العالمية، وبالأخص الفرنسية البريطانية تشويشها على مصر، لأن فرنسا وإنجلترا لم تنسيا مصرا نافستهما، فحاربتا بعضهما على نفق من سيصل إلى مصر أولا فيستعمرها.؟ كان العام 1798 عام الاحتلال الفرنسي لمصر، نالت فيه باريس ملعقة ساخنة من الجيش المصري بهزيمتها النكراء العام1801، ثم إستلم بعدها محمد علي الحكم في مصر العام 1805 .. ورغم ما جاء العام 1811 وما بعده من مذبحة "قلعة"، تواصل الجيش المصري "الاستانة" بقلب اسطنبول في الفترة التي كانت تركيا تمثل الإقليمية العظمى، لكن بعزيمة مصرية قوية الخُطى واعية الخُطط، وبإنضمام الاسطول البحري الى خط الدفاع، أصبح الجيش المصري اقوى اسطول في العالم، فكانت القاهرة يومذاك تفرض شروطها على المعسكرين الاوروبي والعثماني بقوتها القاهرة.
إذن قوة مصر لأعداء مصر المترصدين لها من الخارج، ومهما تحرك المصريون في القاهرة فانهم للقاهرة وليسوا عليها، والقاهرة هى الأخرى لن تُنهك ولن تُستهلك مهما استقبلت المظاهرات السلمية، ولن تتعب من هذا الجمعة أو ذاك وبمسيراتها الواحدة تلو الأخرى مهما تعددت وتواصلت.
وبالعكس القاهرة تستريح بهم، لأنها تستمد من هؤلاء الشبان شبابها التي فقدت والصحة التي خسرت، والحيوية التي افتقدت .. ولأن لقاء العواصم بمواطنيها الشبّان اشبه بأكسير الحياة يطيل عمرها ويضاعف تفاؤلها.
أشعر ان فخامة الرئيس المصري سيجد متعة في الاستماع لهؤلاء الشباب، يعرف مشاكلهم، ويناقشهم في حوار مفتوح، وانه اذا دخل مكتبه بعدالاختلاط والمحاورة بالشباب، فانه سيشعر بان عمره طال أضعاف الساعات التي امضاها دونهم بين وزرائه وحراسه ومرافقيه ومستشاريه.
لا أعتقد ان كل المتظاهرين يضعون على أعينهم نظارات سوداء، أو كلهم يعانون من قصر النظر، وبنفس الوقت ليس من المعقول ان كلهم يتمتعون ببُعد النظر فعلى المتظاهرين في العواصم العربية ايضا ان يفهموا ان بعض النظارات وردية، والسبب ان العواصم شوارعها قبل خمسين سنة كانت كلها اشجار وزهور وعطور، وعليهم ان يتقبّلوا يومهم الجديد اليوم بثوبه الجديد، وكما لا يمكن رؤية الاحلام وهم ايقاظ كذلك لن يحبوا رؤية الكابوس وهم نيام.
لا أعتقد ان القاهرة ستحاكم كل الشباب الذين يمشون في شوارها، لأنها إن رأت فيهم الجناة، قد ترى فيهم ايضا المجني عليهم، وإن وجدت فيهم المقصرون ستجد بينهم أيضا الضحايا.
وباب الاقتصاد هو دائما محور القوى السياسية المتنافسة في كل العواصم، ولن نذهب بعيدا عن باب "حطّة" فقد رأيناه هذا الباب في حياتنا انفتح على مصراعيه امام رونالد ريجان ليوصله مباشرة من على ظهر خيول هوليوود الى البيت الأبيض بعد مناظرة تليفزيونية دارت بينه وبين جيمي كارتر سال لها لعاب الأمريكان ولبرناماج ريجان الاقتصادية "الريجانو الاقتصادية" .. وكان الباب نفسه حاسما في المعركة الإنتخابية الفرنسية بين جيسكار ديستان وفرانسوا ميتران، إذ احتل الجزء الكبير من مناظرتهما التليفزيونية الجدل الاقتصادي .. وبعد عقود عادت الانتخابات الأمريكية الأخيرة بين أوباما ومنافسيه من أوسع أبوابها الموزعة على الاقتصاد الأمريكي وشبابيكها من العجز والبطالة وإفلاس البنوك وغيرها .. ومازال الصراع يدور بين الذين هم داخل البيت الأبيض وخارجه حول باب الاقتصاد وسقف الاقتصاد وجدار الاقتصاد. لعل القاهرة تخرج بعد هذه الساعات بدروس وعبر، حيث انه لامعجزة تأتي بذهاب شخص وقدوم آخر، فلتبق مصر مصرُ القوة، والقاهرة قاهرةُ الزمن، وستبقى إن شاء الله إذا عرفنا ان نحافظ على وحدتها أمنيا وعسكريا واقتصاديا، شريطة ان تؤمن الأحزاب المتنافسة بان كل منتميها مصريون وكلهم أحرار يحترمون حرية الآخرين.
*كاتب إماراتي
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية