د. خالد الحروب
الانتفاضات التي نراها اليوم في طول وعرض العالم العربي صحية وتعيد ثقة العرب بأنفسهم أفرادا وشعوبا، وتنقض وتدمر مقولة الخضوع العربي للاستبداد، وتعيد الروح لصيحة الكواكبي في مطلع القرن العشرين
إن كان هناك من يجب أن يُستدعى فكره وتُستحضر روحه الوثابة في أيامنا هذه فلا أحد غير عبد الرحمن الكواكبي. إنه طاووس الحرية الذي تبختر في شوارع الشهباء رغم الاستبداد التركي الذي كان يكيد له صباح مساء. وهو حبر الحرية الذي خط "الطبائع" في حلب ونشرها في القاهرة حيث هاجر بحثاً عن حرية عشقها حتى الثمالة.
لو لم تعمل طبائع الاستبداد على التخلص من الكواكبي باكرا، بالسم، وهو في ذروة عطائه في منتصف اربعينيات عمره، لكان واصل إنتاجه الفذ أضعافا مضاعفة. لكن يكفيه سفره العظيم "طبائع الاستبداد". يكفيه أنه اختصر الجدل من اول المشوار وسطر أن "الحرية أم البشر" وأن "الاستبداد اصل كل فساد". الكواكبي كتب بعمق وغضب في آن معاً.
كتب بعمق قائلا ان تاريخ وسيروة العرب تقضي بعدم قبول الاستبداد. وكتب بغضب مستهجنا أن يقبل العرب ديمومة الاستبداد، التركي آنذاك، وبطشه بهم صباح مساء. أهمية درس الكواكبي انه نقض ومبكرا جدا مقولات صار لها أن تحتل مكاناً في قلب التنميط السالب عن العرب افرادا وجماعات ذاك أنهم بالطبع والتطبع قابلون للاستبداد لا يثورون عليه. ففي القراءات اللئيمة للاستشراق الكلاسيكي والحديث، ومن دون التورط في التعميم أو إتهام القراءات الحميدة في الاستشراق، تم صك "جوهرانية" العرب ثقافة ودينا وتاريخاً، وبأن خضوعهم للاستبداد ينتسب إلى تلك "الجوهرانية" وهو بهذا المعنى متأبد فيهم!
تعززت تلك النظرة اللئيمة خلال العقود الفائتة إذ كانت تطرق رؤوسنا بالسؤال الكبير لماذا لا يثور العرب ضد الظلم والاستبداد؟ وقد تفاقم السؤال في وجوهنا بشكل أكثر جبروتية بعد إنقضاء الحرب الباردة إذ أزيحت عن صدور الشعوب، بدءا بأوروبا الشرقية ثم امتداداً إلى مناطق أخرى من العالم، دكتاتوريات عاتية ما كان يُظن أن إزاحتها يقع في نطاق الأمد المنظور. موجة الديموقراطية والانتفاح السياسي التي عمت جغرافيات عديدة في قارات الارض لم تمر بالمنطقة العربية. صمد الاستبداد العربي بشكل مدهش وبقي السؤال العنيد: لماذا لا يثورون، ولماذا لا يتدمقرطون؟ صمد ذلك الاستبداد ايضا في وجه حملة جورج بوش الإبن لدمقرطة الشرق الأوسط، وهي الحملة المشبوهة بأهدافها، لكنها اربكت السلطوية العربية إلى درجة دفعها لإحتواء الحملة بأشكال مختلفة وصلت إلى عقد القمة العربية سنة 2004 في تونس تحت عنوان الإصلاح! الانتفاضات التي نراها اليوم في طول وعرض العالم العربي صحية وتعيد ثقة العرب بأنفسهم افرادا وشعوبا، وتنقض وتدمر مقولة الخضوع العربي للاستبداد، وتعيد الروح لصيحة الكواكبي في مطلع القرن العشرين. العربي الذي بُهر به نفس الإستشراق الكلاسيكي القديم بكونه متحررا من كل قيد ومستبطنا تحرر الصحراء وانفتاحها على اللاحدود، هو نفسه الذي ظلمه ذلك الاستشراق وكبله بمقولة الخضوع المؤبد للإستبداد والقبول به.
ما نراه اليوم، وبغض النظر عن الظروف الآنية والدافعة، يعني أن التوق للحرية والكرامة السياسية هو مشترك إنساني لا تُستثنى منه قومية أو شعب. ويعني أن المحرك الأساس في إندفاعات الناس والشعوب نحو تغيير ظروفها بإتجاه الأفضل هو السياقات التاريخية والاقتصادية والسياسية وليس مزاعم التثاقف الجوهراني. إذا ما تواجدت ذات السياقات وضغطت على شعب من الشعوب أو مجموعة بشرية هنا أو هناك، وحيث تسيطر ظروف متشابهة، فإن الإستجابات تكون متشابهة ايضا.
خلاصة الأمر أن ما كان قد اعتبر استثناء عربيا يسم العرب بجوهرانية وتأبيد الإنتساب للاستبداد والثيوقراطية السياسية والقبلية والدينية لم يكن سوى التعبير العريض عن فسحة زمنية منحتها الشعوب العربية لنخبها في ظرف تاريخي وسياق سياسي محدد. ويبدو الآن أن هذه الفسحة في قد انتهت او في طريقها للإنتهاء. والشيء المدهش والمعلم البارز في الإندفاعات والانتفاضات العربية الراهنة هي أنها شعبية بإمتياز، كواكبية الروح، وليست نخبوية ولا تستطيع حتى الاحزاب السياسية والمعارضات إدعاء تحريكها وإمتلاكها.
معنى هذا ان الشعوب التي كانت قد قررت منح الفسحة الزمنية الموصوفة في هذه السطور هي ذاتها التي تسحبها الآن وتقرر مصيرها بيدها. ومعنى هذا أن تعاليم ابن الشهباء التي استلهمها الشابي في نشيده الخالد حول إرادة الشعب واستجابة القدر لها ما زالت تخضوضر حول قبر كواكبي الحرية المدفون في القاهرة والطالع منها الآن.
khaled.hroub@yahoo.com
أكثر...
الانتفاضات التي نراها اليوم في طول وعرض العالم العربي صحية وتعيد ثقة العرب بأنفسهم أفرادا وشعوبا، وتنقض وتدمر مقولة الخضوع العربي للاستبداد، وتعيد الروح لصيحة الكواكبي في مطلع القرن العشرين
إن كان هناك من يجب أن يُستدعى فكره وتُستحضر روحه الوثابة في أيامنا هذه فلا أحد غير عبد الرحمن الكواكبي. إنه طاووس الحرية الذي تبختر في شوارع الشهباء رغم الاستبداد التركي الذي كان يكيد له صباح مساء. وهو حبر الحرية الذي خط "الطبائع" في حلب ونشرها في القاهرة حيث هاجر بحثاً عن حرية عشقها حتى الثمالة.
لو لم تعمل طبائع الاستبداد على التخلص من الكواكبي باكرا، بالسم، وهو في ذروة عطائه في منتصف اربعينيات عمره، لكان واصل إنتاجه الفذ أضعافا مضاعفة. لكن يكفيه سفره العظيم "طبائع الاستبداد". يكفيه أنه اختصر الجدل من اول المشوار وسطر أن "الحرية أم البشر" وأن "الاستبداد اصل كل فساد". الكواكبي كتب بعمق وغضب في آن معاً.
كتب بعمق قائلا ان تاريخ وسيروة العرب تقضي بعدم قبول الاستبداد. وكتب بغضب مستهجنا أن يقبل العرب ديمومة الاستبداد، التركي آنذاك، وبطشه بهم صباح مساء. أهمية درس الكواكبي انه نقض ومبكرا جدا مقولات صار لها أن تحتل مكاناً في قلب التنميط السالب عن العرب افرادا وجماعات ذاك أنهم بالطبع والتطبع قابلون للاستبداد لا يثورون عليه. ففي القراءات اللئيمة للاستشراق الكلاسيكي والحديث، ومن دون التورط في التعميم أو إتهام القراءات الحميدة في الاستشراق، تم صك "جوهرانية" العرب ثقافة ودينا وتاريخاً، وبأن خضوعهم للاستبداد ينتسب إلى تلك "الجوهرانية" وهو بهذا المعنى متأبد فيهم!
تعززت تلك النظرة اللئيمة خلال العقود الفائتة إذ كانت تطرق رؤوسنا بالسؤال الكبير لماذا لا يثور العرب ضد الظلم والاستبداد؟ وقد تفاقم السؤال في وجوهنا بشكل أكثر جبروتية بعد إنقضاء الحرب الباردة إذ أزيحت عن صدور الشعوب، بدءا بأوروبا الشرقية ثم امتداداً إلى مناطق أخرى من العالم، دكتاتوريات عاتية ما كان يُظن أن إزاحتها يقع في نطاق الأمد المنظور. موجة الديموقراطية والانتفاح السياسي التي عمت جغرافيات عديدة في قارات الارض لم تمر بالمنطقة العربية. صمد الاستبداد العربي بشكل مدهش وبقي السؤال العنيد: لماذا لا يثورون، ولماذا لا يتدمقرطون؟ صمد ذلك الاستبداد ايضا في وجه حملة جورج بوش الإبن لدمقرطة الشرق الأوسط، وهي الحملة المشبوهة بأهدافها، لكنها اربكت السلطوية العربية إلى درجة دفعها لإحتواء الحملة بأشكال مختلفة وصلت إلى عقد القمة العربية سنة 2004 في تونس تحت عنوان الإصلاح! الانتفاضات التي نراها اليوم في طول وعرض العالم العربي صحية وتعيد ثقة العرب بأنفسهم افرادا وشعوبا، وتنقض وتدمر مقولة الخضوع العربي للاستبداد، وتعيد الروح لصيحة الكواكبي في مطلع القرن العشرين. العربي الذي بُهر به نفس الإستشراق الكلاسيكي القديم بكونه متحررا من كل قيد ومستبطنا تحرر الصحراء وانفتاحها على اللاحدود، هو نفسه الذي ظلمه ذلك الاستشراق وكبله بمقولة الخضوع المؤبد للإستبداد والقبول به.
ما نراه اليوم، وبغض النظر عن الظروف الآنية والدافعة، يعني أن التوق للحرية والكرامة السياسية هو مشترك إنساني لا تُستثنى منه قومية أو شعب. ويعني أن المحرك الأساس في إندفاعات الناس والشعوب نحو تغيير ظروفها بإتجاه الأفضل هو السياقات التاريخية والاقتصادية والسياسية وليس مزاعم التثاقف الجوهراني. إذا ما تواجدت ذات السياقات وضغطت على شعب من الشعوب أو مجموعة بشرية هنا أو هناك، وحيث تسيطر ظروف متشابهة، فإن الإستجابات تكون متشابهة ايضا.
خلاصة الأمر أن ما كان قد اعتبر استثناء عربيا يسم العرب بجوهرانية وتأبيد الإنتساب للاستبداد والثيوقراطية السياسية والقبلية والدينية لم يكن سوى التعبير العريض عن فسحة زمنية منحتها الشعوب العربية لنخبها في ظرف تاريخي وسياق سياسي محدد. ويبدو الآن أن هذه الفسحة في قد انتهت او في طريقها للإنتهاء. والشيء المدهش والمعلم البارز في الإندفاعات والانتفاضات العربية الراهنة هي أنها شعبية بإمتياز، كواكبية الروح، وليست نخبوية ولا تستطيع حتى الاحزاب السياسية والمعارضات إدعاء تحريكها وإمتلاكها.
معنى هذا ان الشعوب التي كانت قد قررت منح الفسحة الزمنية الموصوفة في هذه السطور هي ذاتها التي تسحبها الآن وتقرر مصيرها بيدها. ومعنى هذا أن تعاليم ابن الشهباء التي استلهمها الشابي في نشيده الخالد حول إرادة الشعب واستجابة القدر لها ما زالت تخضوضر حول قبر كواكبي الحرية المدفون في القاهرة والطالع منها الآن.
khaled.hroub@yahoo.com
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية