نرمين الخنسا ونزار دندش في قراءة خاصة ومت

    • نرمين الخنسا ونزار دندش في قراءة خاصة ومت

      بيروت ـ رويترز

      في العمل الاخير والمثير للاهتمام للكاتبين اللبنانيين نزار دندش ونرمين الخنسا "يوميات آدم وحواء" قراءة خاصة لقصة أبي البشر وأمهم وفيها قدر من القصص الديني وخروج الى عناصر اخرى مختلفة. وقد يشعر القارئ بأن الكاتبين يستعملان لغة الزمن الحاضر وحتى قسما من مصطلحاته في الحديث عن زمن ماض أطلقا عليه زمن آدم وحواء.

      وفضلا عن القصص الديني من قصة آدم وحواء نفسها إلى قصة نوح والطوفان يشعر القارئ بأجواء فيها من الملاحم ومن حي بن يقظان لابن طفيل (1100- 1185) وروبنسون كروزو لدانيال ديفو (1719) ومجالات اخرى قد يكون منها اسطورة أورفه وفيها أيضا من قصة الخليقة وأنبياء الله عند نجيب محفوظ مع قراءات مختلفة. وطريقة حياتهما قد تستحضر الى الذهن قصة "طرزان". وعلى خلاف الآراء والمعتقدات الدينية والفلسفية التي ترى أن الإنسان أو النفس الإنسانية طاهرة وأنها كما يقول ابن سينا "هبطت إليك من المحل الأرفع" وأنها لنزولها إلى الأرض واضطرارها الى الدخول في جسد ترابي غشتها غشاوة ترابية لكن عليها أن تطهر نفسها منها كي تعود الى عالمها السماوي.. فللكاتبين رأي آخر.

      يرى الكاتبان أن رحلة الانسان اتخذت وجهة سير هي عكس تلك المذكورة من ناحية وإن كانت تشبهها في القول بأن عالمنا الارضي يحتاج الى تطهير. اما عملية التطهير فهي وفقا للمعتقدات الدينية والفكرية تلك تجري في انتصار النفس على سجنها الترابي والارتفاع عنه والعودة من جديد الى عالمها الذي انطلقت منه.

      وعملية التطهير عند نزار دندش ونرمين الخنسا تتخذ شكلا آخر وتقتضي مسيرة مختلفة. فصحيح ان آدم ومعه حواء يهبطان الى الارض بسبب الخطيئة وايضا ليعمرا هذه الارض كما يقول القصص الديني.. لكن لآدم مهمة اخرى وهي سعيه الى جعل من كان يسكن الأرض قبله -وهم قبائل من الهمج- أطهارا مصفين. ويقول الكاتبان إن آدم كان في هذه الأرض قبلا فأخذه الله منها وطهره ونقاه ثم أعاده الى هذه الارض ليجعل سكانها الهمج أطهارا.

      ويدخل الكاتبان هنا بقصد أو دون قصد منهما في ما يجعل القارئ يتساءل عن "التوليفة الفكرية" التي يدفعان القارئ الى استخلاصها من روايتهما وهي توليفة قد لا تخلو من تساؤل على طريقة اللاهوتيين عند المسيحيين وعلماء الكلام عند المسلمين.

      فآدم يبدو لنا كأنه من جنس مختلف عن جنس الهمج.. وهذا الجنس كان موجودا جنبا الى جنب مع الهمج. الهمج كانوا يتناسلون جنسيا اي بالزواج اما القوم الاخرون فكانوا يتناسلون بطريقة "الاستنساخ" كما قال الكاتبان مستعملين مصطلحات هذا العصر. لكن هؤلاء القوم يتحولون بناء على دعوة آدم لهم الى الزواج بالتناسل الجنسي من ابناء آدم وبناته لأنهم كانوا في الطريق الى الانقراض. ثم ان حواء التي يقول الكاتبان انها المرأة الوحيدة التي كانت "بدون سرة" لانها لم تولد بطريقة ولادة الناس العاديين اي بعملية جنسية تتحول الى والدة بالطريقة الجنسية من خلال زواجها بآدم.

      ترى أيريد الكاتبان الوصول بنا الى القول بما هو شبه متفق عليه ان الإنسان نسيج من الهمجي و"القدسي"؟ لابد من التساؤل هنا كذلك: ترى أيريدان القول بنوعين بشريين قديمين هما الهمجي والمطهر الأكثر رقيا؟ وهل يوصلنا هذا إلى ما يشبه قول العبرانيين قديما بانقسام الناس الى يهود و"اغيار" أي غير اليهود. واذا كان الخلاص الوحيد لجماعة المطهرين من الانقراض هو التزاوج والتعايش مع الاخرين فهل لنا ان نقرأ في هذا الكلام دعوة ما مشابهة في هذا العصر؟

      عندما يدخل الكاتبان المجال الفلسفي قد يجد القارئ نفسه امام تساؤلات. في البداية الجميلة الشعرية يحملنا الكاتبان الى حديث فلسفي عن الزمن في اقوال عديدة منها ما يشبه قول ابن سينا ان الزمن بدأ عندما خلق الله الكون ولذا فالكون المحدث "قديم" في الزمن. يقولان -وإن وسط عدم وضوح يلف المقصود- "لا شيء يلازم الانسان مثل زمانه فهو ظله يلتصق به فيحرسه ويؤرخ لتفاصيل حياته... لا هم متى جاءا وكيف وصلا ولماذا أتيا. المهم ان اول آدم وأول حواء كان لهما زمن واحد وهو ذلك الزمن الذي لم يصغ لأصل الحكاية لأنه ولد لحظة كانا يمسكان بغصن شجرة عالية."

      من خلال القص يشرح الكاتبان لنا كيف ارتقى الانسان في مسيرته محاولا تحسين عيشه واتقاء الأخطار وذلك بطريقة سهلة وأقرب الى التعليمية. وتطبيقا لمراحل الانسان المختلفة اريانا كيف انتقل الانسان من مرحلة الانسان الجوال والإنسان الصياد إلى الإنسان المستقر والزارع ومدجن الحيوانات الأليفة وكيف كان دليله في ذلك عقله ثم الحيوانات المحيطة به والتي كانت له خير معلم. ويشدد الكاتبان على أهمية الجنس في مسيرة الإنسان وتكاثره حتى بدا لنا مع آدم أن ممارسة الجنس ليست مجرد لذة بل هي عمل إنقاذي للإنسان. وقد لعبا على عامل الغيرة ذلك الشعور الذي صوراه "ازليا" عند حواء.

      الكاتبان تكلما بلغة عصرنا ليفهمانا ما جرى في عالم آدم وحواء. فلابد من ملاحظة "إسقاط" مصطلحات الحاضر ومفاهيمه على زمن آدم وحواء هذا. بعض تلك المصطلحات بدا غريبا في وصف حياة من استمرا حتى نهاية الرواية يستران عورتيهما بورقتي تين على رغم توفر جلود ومواد اخرى.

      من ذلك مثلا الكلام عن "الحدس" وهو مصطلح يصعب أن نصل إليه إلا من خلال تعداد طرق المعرفة من حسية وعقلية ووحي الهي. ثم إننا نعثر على فكر لا ينسجم مع وضعهما فحتى إذا شعرا بتميز عن سائر المخلوقات فمن المتوقع أن يصفاه بغير هذه اللغة المفذلكة. يقول آدم في تجريد وتعميم "إننا أذكى من بقية المخلوقات.. انظري كيف نتعامل نحن مع الطبيعة وكيف تتعامل بقية الكائنات." ونقرأ ايضا "المحافظة على حياتنا تكليف الهي" والمصطلح ابن زمن ليس الزمن الذي تصوراه ونتصوره. وننتقل إلى بعض ما وصل الينا من علم النفس اذ نقرأ عن معاناة آدم من "عقدة الوحدة في هذا العالم" ومن "عقدة الحياء". وكذلك نقرأ: "بدأ يعد زوجته نفسيا لكي تتقبل فكرة غيابه." ونصل الى مصطلح حديث نوعا ما بالنسبة الى زمن آدم وحواء يتمثل في القول إن نار الأرض هي "شيء مختلف عن نار جهنم تختلف عنها في الوظيفة وفي المواصفات." وجهنم كما قال البعض كلمة بلغات سامية تعني مكان حرق النفايات. ثم هناك سؤال وهو إذا كانت جهنم مصيرا لمن يأثم من البشر.. فهل كانت موجودة في زمن آدم أبو البشر؟ وكذلك تعبيرا الوظيفة والمواصفات.. فهما حديثان.

      مصطلح آخر هو "الديناصورات" وهو مصطلح حديث نسبيا ايضا. وللكاتبين رأى طريف في انقراض الديناصورات إذ يقولان إن الاسود قضت عليها. ولربما تعمد الكاتبان استعمال المصطلحات الحديثة وإلقاء ضوء جديد على حدث قديم. والواقع أن هذا -إذا فهمناه من هذه الناحية- لا يسيء الى الرواية بل يجعلها اكثر متعة. تختتم الرواية بحزن يذكر بحزن اورفه بعد رحيل زوجته الحبيبة فأخذ يبكيها. آدم وهو هنا "نوح" الذي سبق شخصية نوح الآخر اعد قوارب للخلاص من الطوفان وأصر على أن تسبقه حواء في أحد الزوارق. لكنها اختفت ولم يجدها بعد ذلك فأمضى ايامه يبكيها ويشتاق اليها كأن الكاتبين يقولان ان الحياة لا معنى لها دون الاثنين. عمل الكاتبين "كبير" وواسع وقراءته ممتعة رغم سيطرة النهج التعليمي عليه في احيان متعددة وقد يثير اسئلة.. ولعل هذا بعض ما اراده الكاتبان.

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية