إيان روبرتس
إن التخفيف من تأثيرات تغير المناخ يتيح فرصاً لا مثيل لها لتحين صحة البشر ورفاهيتهم. والواقع أن السياسات الرامية إلى الحد من الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري العالمي تعد بتحقيق تخفيضات كبيرة في معدلات الإصابة بأمراض القلب، وأمراض الجهاز التنفسي، والسرطان، والبدانة، والسكري، والاكتئاب، والوفيات والإصابات على الطرق.
وتنشأ هذه الفوائد الصحية لأن سياسات المناخ تؤثر بالضرورة على اثنين من أهم العوامل المحددة لصحة البشر: التغذية والحركة. ورغم أن المهنيين الطبيين يدركون على نحو متزايد الفوائد الصحية المترتبة على السياسات الرامية إلى التصدي لتغير المناخ، فإن صناع القرار السياسي لا يقدرون هذه الفوائد على نطاق واسع. ووجود مثل هذه الفوائد الصحية يعني ضمناً انخفاضاً كبيراً في صافي التكاليف اللازمة لاتخاذ تدابير قوية لتخفيف تغير المناخ ـ وهو ما يعني أن عدم إدراك أهمية هذه الفوائد قد يؤدي إلى عواقب بيئية خطيرة.
لقد وثَّقَت الأبحاث الفوائد الصحية العديدة المترتبة على الحد من الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري العالمي.
ولتلبية أهداف الانبعاثات في قطاع النقل فإن الأمر سوف يتطلب، إلى جانب الحد من استخدام السيارات، زيادة معدلات المشي وركوب الدراجات. واستناداً إلى الأدلة المتوافرة من واقع علم الأوبئة والتي تربط بين النشاط البدني والصحة، فإن الزيادة الناتجة في النشاط البدني من شأنه أن يقلص إلى حد كبير معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة، حيث قد تنخفض معدلات الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية بنسبة 10% إلى 20%، وسرطان الثدي بنسبة 12% إلى 18%، والاختلال العقلي بنسبة 8%.
ووسائل النقل المستدامة قادرة أيضاً على تحسين الصحة الذهنية، حيث يقدر الانخفاض في معدلات الإصابة بالاكتئاب بنسبة 6%. وسوف يشتمل الأمر أيضاً على فوائد متصلة بالصحة العقلية بفضل زيادة المساحات الخضراء، وانخفاض معدلات الضوضاء والتلوث، وارتفاع مستويات اللياقة البدنية.
إن خفض معدلات الإنتاج الحيواني من أجل الحد من انبعاثات غاز الميثان المرتبطة بالماشية -والتي تشكل عاملاً مهماً يساهم في تغير المناخ- من شأنه أيضاً أن يحسن من صحة البشر. وانخفاض أعداد الدواجن والماشية يعني انخفاض نسبة المنتجات الحيوانية في نظامنا الغذائي، وهو ما من شأنه أن يقلل من استهلاكنا للدهون المشبعة الضارة، وبالتالي الحد بنسبة 30% من أمراض القلب. والحد من استهلاك اللحوم لابد وأن يؤدي إلى انخفاض معدلات الإصابة بسرطان القولون أيضا - وهو ثاني أكثر أنواع السرطان شيوعاً بين الرجال بعد سرطان الرئة.
ومن خلال تحسين النظام الغذائي ورفع مستويات النشاط البدني، فإن السياسات الرامية إلى تخفيف تغير المناخ من شأنها أن تسفر عن انخفاض كبير في معدلات الإصابة بالأمراض التي تؤدي إلى الوفاة المبكرة والعجز بين مئات الملايين من البشر في مختلف أنحاء العالم. ومن الممكن أيضاً أن تؤدي هذه السياسات إلى الحد من معدلات البدانة بين السكان. فهناك الآن أكثر من مليار بالغ يعاني من زيادة الوزن، وهناك 300 مليون يعانون من البدانة، بما في ذلك أكثر من ثلث سكان الولايات المتحدة. ويتوقع علماء بريطانيون أن تصبح المملكة المتحدة "مجتمعاً تسوده البدانة" بحلول عام 2050.
والواقع أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن تسعة من كل عشرة بالغين في العديد من البلدان المتقدمة سوف يعانون بحلول عام 2050 من زيادة الوزن أو البدانة. وفي البلدان ذات الدخول المتوسطة أيضاً يرتفع "مؤشر كتلة الجسم" على نحو مضطرد. وهذا من شأنه أن يخلف تأثيراً خطيراً على الصحة والرفاهية، فيزيد من خطر الإصابة بأمراض مثل السكري، والقلب، والسكتة الدماغية، والسرطان.
ولكن البلدان النامية معرضة أيضاً للخطر. فالمكسيك على سبيل المثال تُعَد البلد الثاني على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة فقط من حيث انتشار البدانة. والواقع أن الزيادة في معدلات الإصابة بمرض السكري نتيجة لزيادة وزن السكان تؤدي إلى انتشار وباء من أمراض الكلى المزمنة في بلد حيث يستطيع واحد فقط من كل أربعة من السكان أن يتوقع الحصول على العلاج.
وتؤكد تجربة كوبا في تسعينيات القرن العشرين على الآثار الصحية المترتبة على الحد من استهلاك الوقود الأحفوري. فأثناء أزمة الطاقة الكوبية التي أعقبت قطع الإمدادات السوفييتية المدعومة، سجلت نسبة البالغين الناشطين بدنياً ارتفاعاً بلغ أكثر من الضعف. كما هبط متوسط مؤشر كتلة الجسم بين السكان بمقدار 1.5 وحدة، وانخفض انتشار البدانة من 14% إلى 7%. كما انخفض معدل الوفيات بسبب مرض السكري بنسبة 51%، وبسبب أمراض القلب بنسبة 35%، وبسبب السكتة الدماغية بنسبة 20%.
فضلاً عن ذلك فإن معدلات الجوع سوف تتراجع في العالم المنخفض الكربون. ففي شهر إبريل من عام 2008، وجه إيفو موراليس، رئيس بوليفيا التي يعاني سكانها على نحو متزايد من الفقر والجوع، إلى شعبه نداءً يقول فيه "الحياة أولاً ثم السيارات ثانيا"، وحضّ العالم الغني على وقف حرق الغذاء باستخدامه وقوداً للسيارات ـ وفي هذا إشارة إلى السياسات التي تتبناها الحكومات الغربية فيما يتصل بالوقود الحيوي.
بيد أن الربط بين استخدام السيارات وأسعار الغذاء جرى قبل مدة طويلة من انتهاج سياسات الوقود الحيوي. إن استخدام السيارات يدفع أسعار الغذاء إلى الارتفاع، وذلك لأن النفط يشكل أحد المدخلات الزراعية الرئيسية. والحد من استخدام النفط في قطاع النقل يشكل ضرورة أساسية لمنع انتشار الجوع بين سكان البلدان الفقيرة. وإلى أن تتخلص الزراعة من اعتمادها عن النفط، فإن المنافسة سوف تظل قائمة بين خزانات الوقود في البلدان الغنية والبطون في البلدان الفقيرة: هل نملأ هذه الخزانات أم بطون الفقراء؟ والحد من استهلاك المنتجات الحيوانية من شأنه أن يؤدي إلى انخفاض أسعار الغذاء أيضا، وذلك لأن الماشية تتغذى على الحبوب.
وهناك سياسات أخرى تهدف إلى الحد من تغير المناخ وتنطوي أيضاً على تأثيرات إيجابية على الصحة. على سبيل المثال، سوف يساعد عزل المساكن من أجل توفير الطاقة في البلدان ذات الدخول المرتفعة في منع الوفيات المرتبطة بالبرد. وعلى نحو مماثل، سوف يساعد استخدام مواقد الطهي التي تتسم بالكفاءة في استخدام الوقود في البلدان الفقيرة في الحد من عدد الأطفال الذين يموتون بسبب التهابات الجهاز التنفسي -الذين يبلغ عددهم حالياً ما يقرب من المليون سنويا- الناتجة عن استنشاق الغازات الناتجة عن حرق الوقود الصلب أو الالتهابات التي تتفاقم سوءاً لنفس السبب.
إن برنامج إزالة الكربون الذي يمتد إلى كافة المجالات الرئيسية لاستخدام الطاقة، إلى جانب الحد من استهلاك المنتجات الحيوانية، من شأنه أن يؤدي إلى فوائد جمة تعود على صحة البشر ورفاهيتهم. وفي حين يناقش المفاوضون وصناع القرار السياسي تكاليف تخفيف التأثيرات المترتبة على تغير المناخ، فلا يسعهم أن يتغافلوا عن القيمة الهائلة المتمثلة في هذه الفوائد.
إيان روبرتس أستاذ علم الأوبئة والصحة العامة في كلية لندن للصحة والطب الاستوائي، ومؤلف كتاب "تخمة الطاقة: سياسة المبالغة في عالم محموم".
أكثر...
إن التخفيف من تأثيرات تغير المناخ يتيح فرصاً لا مثيل لها لتحين صحة البشر ورفاهيتهم. والواقع أن السياسات الرامية إلى الحد من الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري العالمي تعد بتحقيق تخفيضات كبيرة في معدلات الإصابة بأمراض القلب، وأمراض الجهاز التنفسي، والسرطان، والبدانة، والسكري، والاكتئاب، والوفيات والإصابات على الطرق.
وتنشأ هذه الفوائد الصحية لأن سياسات المناخ تؤثر بالضرورة على اثنين من أهم العوامل المحددة لصحة البشر: التغذية والحركة. ورغم أن المهنيين الطبيين يدركون على نحو متزايد الفوائد الصحية المترتبة على السياسات الرامية إلى التصدي لتغير المناخ، فإن صناع القرار السياسي لا يقدرون هذه الفوائد على نطاق واسع. ووجود مثل هذه الفوائد الصحية يعني ضمناً انخفاضاً كبيراً في صافي التكاليف اللازمة لاتخاذ تدابير قوية لتخفيف تغير المناخ ـ وهو ما يعني أن عدم إدراك أهمية هذه الفوائد قد يؤدي إلى عواقب بيئية خطيرة.
لقد وثَّقَت الأبحاث الفوائد الصحية العديدة المترتبة على الحد من الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري العالمي.
ولتلبية أهداف الانبعاثات في قطاع النقل فإن الأمر سوف يتطلب، إلى جانب الحد من استخدام السيارات، زيادة معدلات المشي وركوب الدراجات. واستناداً إلى الأدلة المتوافرة من واقع علم الأوبئة والتي تربط بين النشاط البدني والصحة، فإن الزيادة الناتجة في النشاط البدني من شأنه أن يقلص إلى حد كبير معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة، حيث قد تنخفض معدلات الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية بنسبة 10% إلى 20%، وسرطان الثدي بنسبة 12% إلى 18%، والاختلال العقلي بنسبة 8%.
ووسائل النقل المستدامة قادرة أيضاً على تحسين الصحة الذهنية، حيث يقدر الانخفاض في معدلات الإصابة بالاكتئاب بنسبة 6%. وسوف يشتمل الأمر أيضاً على فوائد متصلة بالصحة العقلية بفضل زيادة المساحات الخضراء، وانخفاض معدلات الضوضاء والتلوث، وارتفاع مستويات اللياقة البدنية.
إن خفض معدلات الإنتاج الحيواني من أجل الحد من انبعاثات غاز الميثان المرتبطة بالماشية -والتي تشكل عاملاً مهماً يساهم في تغير المناخ- من شأنه أيضاً أن يحسن من صحة البشر. وانخفاض أعداد الدواجن والماشية يعني انخفاض نسبة المنتجات الحيوانية في نظامنا الغذائي، وهو ما من شأنه أن يقلل من استهلاكنا للدهون المشبعة الضارة، وبالتالي الحد بنسبة 30% من أمراض القلب. والحد من استهلاك اللحوم لابد وأن يؤدي إلى انخفاض معدلات الإصابة بسرطان القولون أيضا - وهو ثاني أكثر أنواع السرطان شيوعاً بين الرجال بعد سرطان الرئة.
ومن خلال تحسين النظام الغذائي ورفع مستويات النشاط البدني، فإن السياسات الرامية إلى تخفيف تغير المناخ من شأنها أن تسفر عن انخفاض كبير في معدلات الإصابة بالأمراض التي تؤدي إلى الوفاة المبكرة والعجز بين مئات الملايين من البشر في مختلف أنحاء العالم. ومن الممكن أيضاً أن تؤدي هذه السياسات إلى الحد من معدلات البدانة بين السكان. فهناك الآن أكثر من مليار بالغ يعاني من زيادة الوزن، وهناك 300 مليون يعانون من البدانة، بما في ذلك أكثر من ثلث سكان الولايات المتحدة. ويتوقع علماء بريطانيون أن تصبح المملكة المتحدة "مجتمعاً تسوده البدانة" بحلول عام 2050.
والواقع أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن تسعة من كل عشرة بالغين في العديد من البلدان المتقدمة سوف يعانون بحلول عام 2050 من زيادة الوزن أو البدانة. وفي البلدان ذات الدخول المتوسطة أيضاً يرتفع "مؤشر كتلة الجسم" على نحو مضطرد. وهذا من شأنه أن يخلف تأثيراً خطيراً على الصحة والرفاهية، فيزيد من خطر الإصابة بأمراض مثل السكري، والقلب، والسكتة الدماغية، والسرطان.
ولكن البلدان النامية معرضة أيضاً للخطر. فالمكسيك على سبيل المثال تُعَد البلد الثاني على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة فقط من حيث انتشار البدانة. والواقع أن الزيادة في معدلات الإصابة بمرض السكري نتيجة لزيادة وزن السكان تؤدي إلى انتشار وباء من أمراض الكلى المزمنة في بلد حيث يستطيع واحد فقط من كل أربعة من السكان أن يتوقع الحصول على العلاج.
وتؤكد تجربة كوبا في تسعينيات القرن العشرين على الآثار الصحية المترتبة على الحد من استهلاك الوقود الأحفوري. فأثناء أزمة الطاقة الكوبية التي أعقبت قطع الإمدادات السوفييتية المدعومة، سجلت نسبة البالغين الناشطين بدنياً ارتفاعاً بلغ أكثر من الضعف. كما هبط متوسط مؤشر كتلة الجسم بين السكان بمقدار 1.5 وحدة، وانخفض انتشار البدانة من 14% إلى 7%. كما انخفض معدل الوفيات بسبب مرض السكري بنسبة 51%، وبسبب أمراض القلب بنسبة 35%، وبسبب السكتة الدماغية بنسبة 20%.
فضلاً عن ذلك فإن معدلات الجوع سوف تتراجع في العالم المنخفض الكربون. ففي شهر إبريل من عام 2008، وجه إيفو موراليس، رئيس بوليفيا التي يعاني سكانها على نحو متزايد من الفقر والجوع، إلى شعبه نداءً يقول فيه "الحياة أولاً ثم السيارات ثانيا"، وحضّ العالم الغني على وقف حرق الغذاء باستخدامه وقوداً للسيارات ـ وفي هذا إشارة إلى السياسات التي تتبناها الحكومات الغربية فيما يتصل بالوقود الحيوي.
بيد أن الربط بين استخدام السيارات وأسعار الغذاء جرى قبل مدة طويلة من انتهاج سياسات الوقود الحيوي. إن استخدام السيارات يدفع أسعار الغذاء إلى الارتفاع، وذلك لأن النفط يشكل أحد المدخلات الزراعية الرئيسية. والحد من استخدام النفط في قطاع النقل يشكل ضرورة أساسية لمنع انتشار الجوع بين سكان البلدان الفقيرة. وإلى أن تتخلص الزراعة من اعتمادها عن النفط، فإن المنافسة سوف تظل قائمة بين خزانات الوقود في البلدان الغنية والبطون في البلدان الفقيرة: هل نملأ هذه الخزانات أم بطون الفقراء؟ والحد من استهلاك المنتجات الحيوانية من شأنه أن يؤدي إلى انخفاض أسعار الغذاء أيضا، وذلك لأن الماشية تتغذى على الحبوب.
وهناك سياسات أخرى تهدف إلى الحد من تغير المناخ وتنطوي أيضاً على تأثيرات إيجابية على الصحة. على سبيل المثال، سوف يساعد عزل المساكن من أجل توفير الطاقة في البلدان ذات الدخول المرتفعة في منع الوفيات المرتبطة بالبرد. وعلى نحو مماثل، سوف يساعد استخدام مواقد الطهي التي تتسم بالكفاءة في استخدام الوقود في البلدان الفقيرة في الحد من عدد الأطفال الذين يموتون بسبب التهابات الجهاز التنفسي -الذين يبلغ عددهم حالياً ما يقرب من المليون سنويا- الناتجة عن استنشاق الغازات الناتجة عن حرق الوقود الصلب أو الالتهابات التي تتفاقم سوءاً لنفس السبب.
إن برنامج إزالة الكربون الذي يمتد إلى كافة المجالات الرئيسية لاستخدام الطاقة، إلى جانب الحد من استهلاك المنتجات الحيوانية، من شأنه أن يؤدي إلى فوائد جمة تعود على صحة البشر ورفاهيتهم. وفي حين يناقش المفاوضون وصناع القرار السياسي تكاليف تخفيف التأثيرات المترتبة على تغير المناخ، فلا يسعهم أن يتغافلوا عن القيمة الهائلة المتمثلة في هذه الفوائد.
إيان روبرتس أستاذ علم الأوبئة والصحة العامة في كلية لندن للصحة والطب الاستوائي، ومؤلف كتاب "تخمة الطاقة: سياسة المبالغة في عالم محموم".
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية