كتب - سعيد الهاشمي
يشد المتتبع للمشهد السياسي العربي تهاوي ثلاث منظومات كن إلى عهد قريب؛ السياج المنيع للأنظمة السياسية العربية، ولعبن الدور الأبرز في السيطرة والاستبداد، وهي المؤسسات؛ الأمنية والإعلامية والنيابية
عميقة هي الدروس التي حفرتها في دواخلنا الثورة المصرية الباسلة، وخالدة هي العبر التي أصلتها فينا الثورة التونسية الحُرة، وكأنهما بعثتا الحياة من جديد في روح الجماهير العربية، رغم أنهما ما زالا في مراحل التبرعم الأولى، وتحدق بهما الكثير من التحديات المتشابكة، وتتخطفهما أيادي الانتهازيين والطامعين سواء داخلياً أو خارجياً.
لكن الملفت حتى هذه اللحظة؛ هو الوعي المتيقظ للشباب، والرسوخ المشهود الذي يبهروننا به في شأن مطالبهم المشروعة، وتساميهم عن الإغراءات الرخيصة، والبدائل ضيقة الأفق والتي تحاول الأنظمة السياسية تقديمها لهم شخصيا؛ متمترسين بالجموع الثائرة، والحشود المعتصمة بالحرية والأمل بغد أجمل.
ما يشد المتتبع للمشهد السياسي العربي في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخنا المعاصر هو تهاوي ثلاث منظومات كن إلى عهد قريب؛ السياج المنيع للأنظمة السياسية العربية بل وشكلن العمود الفقري لهياكل الدولة، ولعبن الدور الأبرز في السيطرة والاستبداد على حاضر ومستقبل الإنسان البسيط.
إن المؤسسات؛ الأمنية والإعلامية والنيابية (البرلمان) في أغلب الدول المستقرة تشكل صمام الأمان للشعوب في أوقات ثورتها ولحظات انتفاضتها، كما تعتبر في فترات الرخاء والسلم الحارس الأمين، والصوت المستنير، والروح الحرة لإرادة الشعب؛ ناهيك عن أن أساس وجودها أصلا يتركز في كونها؛ ضامن راسخ لمكتسبات الشعب وحارس أمين لمطالبه وتطلعاته.
في النموذجين التونسي والمصري تبين بجلاء؛ على أن هذه المؤسسات؛ هياكل هشة، وأدوات مغلوب على أمرها، وأجهزة معزولة، تستخدم وسائل بدائية لا يقبلها منطق أهل الزمان؛ ففي مقابل "الفيسبوك" و"التويتر" ظهرت "الحمير والبغال والخيول والجمال"، وفي مقابل التحليل والنقل الحي والمباشر؛ كان "الحجب والحذف من الأقمار الاصطناعية" وغلق وسائل الاتصال. وفي مقابل المطالبات بالشفافية والنزاهة وفصل السلطات نجد الانسحاب ودس الرؤوس في حشود الجماهير. بل اتضح وبشكل جلي؛ أن الكثير من هذه المؤسسات ورجالاتها تحولوا إلى متهمين رئيسيين بدلاً من أن يكونوا حكماء مستقلين في هكذا أوقات.
فالمنظومة الأمنية، شكلت أسس الأنظمة العربية بعد مرحلة الاستقلال والتحرر من الاستعمار. فمنذ خمسينيات القرن الفائت والمؤسسات الأمنية الرسمية تستحوذ على المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي والفكري ولا أجد هنا استثناءً لأي دولة عربية يستحق أن تبرز بوضوح عن القاعدة السائدة.
واستنزفت هذه المؤسسات جل الموازنات العامة، وصُرف عليها بسخاء وكرم من المال العام، ومُكِنت من صناعة القرار؛ حتى استيأس الناس، وظنوا أنهم غلبوا، وأنغلق الأفق تماماً عن أي خيار؛ إلا الخيار الأمني، أو الخيار الذي ترعاه المؤسسة الأمنية. فتحول رجال هذه المؤسسة إلى سحرة؛ بأيديهم حلول لكل مشاكل الشعب؛ من توفير رغيف خبزه اليومي؛ إلى تأطير سياساته العليا. ومن تصميم مناهج تعليم تربي الناشئة على التبعية والطاعة؛ إلى فتح جامعات تخرج البؤس والطموحات المقننة في أوراق. و باتت هذه المؤسسة لوحدها القادرة على صناعة رجال دولة من وزراء، وقادة، ووكلاء وزارات، بل وحتى أساتذة جامعات، وإعلاميين وكتاب. وبقية المؤسسات تتفرج لتقاد من خريجي هذه المؤسسة المحورية.
ومع مرور الأيام، ومع طول المكث، وطمأنة المال الموفور، والسلطة المطلقة، ووهم الداعم الخارجي الزائف؛ بدأت هذه المؤسسة بالانغلاق، وبالانكفاء على احتياجات أفرادها، والعزلة عن تطور وعي الجماهير. غير عابئة بيوميات الناس البسطاء؛ منشغلة بصراعات المناصب، وتوزيع الرتب، ومضاعفة الثروات المنهوبة. في المقابل كانت الجماهير وبالتحديد الشباب؛ منهم يتعلم بسرعة، ويحلل بعمق، ويخطط لبدائل، ويتواصل مع العالم بذكاء وندية، ويجرب بعض الأساليب لقياس ردات فعل الأنظمة، ويقوي تشبيكه مع القوى الاجتماعية المختلفة؛ ليكون صوت ضميرهم الحر.
ورغم أن هذه المؤسسة تحتكم على أفضل التقنيات الحديثة، والأجهزة المتطورة، ورغم أنها تستقطب أذكى العقول، وتستثمر فيهم الكثير من المال والجهد والتدريب. رغم كل هذه الميزات إلا أنها بدت تائهة ومعزولة، ولم تملك إلا الحلول المباشرة والخالية من الإبداع وتداعت سريعا، ولاذت جيوشها بالفرار، واستنجدت بالمساجين والمجرمين، وتعطلت آلياتها على أجساد المتظاهرين، ونفذت ذخائرها الحية في مواجهة صدور عارية، وأيادٍ خالية.
شاهدنا أجهزة الأمن غاضبة مستنفرة؛ تستخدم العنف غير المبرر، وتلجأ لأساليب بدائية مضحكة، وتستنجد بالخارج المتردد؛ لأنها بكل بساطة ظلمت، واستبدت، وحادت عن مهمتها الوطنية وتناست أن سبب وجودها هو الناس، واستبدلت مهمة حماية أمن واستقرار الشعوب؛ بأمان وراحة الأنظمة السياسية والحكام.
فاستيقظت ذات لحظة على سيل عارم من إرادة الشعب؛ والذي، وإن طال صبره وامتد حلمه؛ فلا بد له من يوم للغضب ولا بد من لحظة لتصفية الحساب.
فهل يا ترى ستستفيق هذه العقول، وهل يا ترى ستستفيد من هذا الدرس التاريخي أم ستفوته كالعادة؟ هل سنرى بناءً واضحاً لمنظومة أمنية شاملة، تتسع لكل صوت من أصوات الوطن؟ هل سنرى مسعىً جاد لتنمية إنسانية مستدامة وفق أهداف وطنية سامية؛ سقفها السماء، وجذرها الأرض؛ وغايتها الإنسان الحر والمستنير؟
أكثر...
يشد المتتبع للمشهد السياسي العربي تهاوي ثلاث منظومات كن إلى عهد قريب؛ السياج المنيع للأنظمة السياسية العربية، ولعبن الدور الأبرز في السيطرة والاستبداد، وهي المؤسسات؛ الأمنية والإعلامية والنيابية
عميقة هي الدروس التي حفرتها في دواخلنا الثورة المصرية الباسلة، وخالدة هي العبر التي أصلتها فينا الثورة التونسية الحُرة، وكأنهما بعثتا الحياة من جديد في روح الجماهير العربية، رغم أنهما ما زالا في مراحل التبرعم الأولى، وتحدق بهما الكثير من التحديات المتشابكة، وتتخطفهما أيادي الانتهازيين والطامعين سواء داخلياً أو خارجياً.
لكن الملفت حتى هذه اللحظة؛ هو الوعي المتيقظ للشباب، والرسوخ المشهود الذي يبهروننا به في شأن مطالبهم المشروعة، وتساميهم عن الإغراءات الرخيصة، والبدائل ضيقة الأفق والتي تحاول الأنظمة السياسية تقديمها لهم شخصيا؛ متمترسين بالجموع الثائرة، والحشود المعتصمة بالحرية والأمل بغد أجمل.
ما يشد المتتبع للمشهد السياسي العربي في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخنا المعاصر هو تهاوي ثلاث منظومات كن إلى عهد قريب؛ السياج المنيع للأنظمة السياسية العربية بل وشكلن العمود الفقري لهياكل الدولة، ولعبن الدور الأبرز في السيطرة والاستبداد على حاضر ومستقبل الإنسان البسيط.
إن المؤسسات؛ الأمنية والإعلامية والنيابية (البرلمان) في أغلب الدول المستقرة تشكل صمام الأمان للشعوب في أوقات ثورتها ولحظات انتفاضتها، كما تعتبر في فترات الرخاء والسلم الحارس الأمين، والصوت المستنير، والروح الحرة لإرادة الشعب؛ ناهيك عن أن أساس وجودها أصلا يتركز في كونها؛ ضامن راسخ لمكتسبات الشعب وحارس أمين لمطالبه وتطلعاته.
في النموذجين التونسي والمصري تبين بجلاء؛ على أن هذه المؤسسات؛ هياكل هشة، وأدوات مغلوب على أمرها، وأجهزة معزولة، تستخدم وسائل بدائية لا يقبلها منطق أهل الزمان؛ ففي مقابل "الفيسبوك" و"التويتر" ظهرت "الحمير والبغال والخيول والجمال"، وفي مقابل التحليل والنقل الحي والمباشر؛ كان "الحجب والحذف من الأقمار الاصطناعية" وغلق وسائل الاتصال. وفي مقابل المطالبات بالشفافية والنزاهة وفصل السلطات نجد الانسحاب ودس الرؤوس في حشود الجماهير. بل اتضح وبشكل جلي؛ أن الكثير من هذه المؤسسات ورجالاتها تحولوا إلى متهمين رئيسيين بدلاً من أن يكونوا حكماء مستقلين في هكذا أوقات.
فالمنظومة الأمنية، شكلت أسس الأنظمة العربية بعد مرحلة الاستقلال والتحرر من الاستعمار. فمنذ خمسينيات القرن الفائت والمؤسسات الأمنية الرسمية تستحوذ على المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي والفكري ولا أجد هنا استثناءً لأي دولة عربية يستحق أن تبرز بوضوح عن القاعدة السائدة.
واستنزفت هذه المؤسسات جل الموازنات العامة، وصُرف عليها بسخاء وكرم من المال العام، ومُكِنت من صناعة القرار؛ حتى استيأس الناس، وظنوا أنهم غلبوا، وأنغلق الأفق تماماً عن أي خيار؛ إلا الخيار الأمني، أو الخيار الذي ترعاه المؤسسة الأمنية. فتحول رجال هذه المؤسسة إلى سحرة؛ بأيديهم حلول لكل مشاكل الشعب؛ من توفير رغيف خبزه اليومي؛ إلى تأطير سياساته العليا. ومن تصميم مناهج تعليم تربي الناشئة على التبعية والطاعة؛ إلى فتح جامعات تخرج البؤس والطموحات المقننة في أوراق. و باتت هذه المؤسسة لوحدها القادرة على صناعة رجال دولة من وزراء، وقادة، ووكلاء وزارات، بل وحتى أساتذة جامعات، وإعلاميين وكتاب. وبقية المؤسسات تتفرج لتقاد من خريجي هذه المؤسسة المحورية.
ومع مرور الأيام، ومع طول المكث، وطمأنة المال الموفور، والسلطة المطلقة، ووهم الداعم الخارجي الزائف؛ بدأت هذه المؤسسة بالانغلاق، وبالانكفاء على احتياجات أفرادها، والعزلة عن تطور وعي الجماهير. غير عابئة بيوميات الناس البسطاء؛ منشغلة بصراعات المناصب، وتوزيع الرتب، ومضاعفة الثروات المنهوبة. في المقابل كانت الجماهير وبالتحديد الشباب؛ منهم يتعلم بسرعة، ويحلل بعمق، ويخطط لبدائل، ويتواصل مع العالم بذكاء وندية، ويجرب بعض الأساليب لقياس ردات فعل الأنظمة، ويقوي تشبيكه مع القوى الاجتماعية المختلفة؛ ليكون صوت ضميرهم الحر.
ورغم أن هذه المؤسسة تحتكم على أفضل التقنيات الحديثة، والأجهزة المتطورة، ورغم أنها تستقطب أذكى العقول، وتستثمر فيهم الكثير من المال والجهد والتدريب. رغم كل هذه الميزات إلا أنها بدت تائهة ومعزولة، ولم تملك إلا الحلول المباشرة والخالية من الإبداع وتداعت سريعا، ولاذت جيوشها بالفرار، واستنجدت بالمساجين والمجرمين، وتعطلت آلياتها على أجساد المتظاهرين، ونفذت ذخائرها الحية في مواجهة صدور عارية، وأيادٍ خالية.
شاهدنا أجهزة الأمن غاضبة مستنفرة؛ تستخدم العنف غير المبرر، وتلجأ لأساليب بدائية مضحكة، وتستنجد بالخارج المتردد؛ لأنها بكل بساطة ظلمت، واستبدت، وحادت عن مهمتها الوطنية وتناست أن سبب وجودها هو الناس، واستبدلت مهمة حماية أمن واستقرار الشعوب؛ بأمان وراحة الأنظمة السياسية والحكام.
فاستيقظت ذات لحظة على سيل عارم من إرادة الشعب؛ والذي، وإن طال صبره وامتد حلمه؛ فلا بد له من يوم للغضب ولا بد من لحظة لتصفية الحساب.
فهل يا ترى ستستفيق هذه العقول، وهل يا ترى ستستفيد من هذا الدرس التاريخي أم ستفوته كالعادة؟ هل سنرى بناءً واضحاً لمنظومة أمنية شاملة، تتسع لكل صوت من أصوات الوطن؟ هل سنرى مسعىً جاد لتنمية إنسانية مستدامة وفق أهداف وطنية سامية؛ سقفها السماء، وجذرها الأرض؛ وغايتها الإنسان الحر والمستنير؟
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية