تحليل إخباري: الأردن: رسائل وبيانات تطالب

    • تحليل إخباري: الأردن: رسائل وبيانات تطالب

      عمّان – ش
      شهدت الساحة الأردنية في الآونة الأخيرة سلسلة بيانات ورسائل مفتوحة أطلقتها فعاليات شعبية ونقابية وحزبية وعشائرية، كسرت نمط الخطاب التقليدي الموجّه إلى الحكومات والمقتصر على انتقاد سياساتها، متجهةً إلى مخاطبة العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني مباشرة، وفي أمور تُعدّ من "الخطوط الحمراء".
      تلك الرسائل المنطوية على أشكال غير مسبوقة من النقد والاحتجاج، تختلف في الطرح وتتباين في الآراء والتفصيلات، إلا أنها تتفق فيما بينها على شرعية مؤسسة الحكم والنظام الهاشمي، وضرورة إجراء "إصلاحات عاجلة"، تنقذ المملكة من "احتمالات صعبة " .
      ويُلحظ في الرسائل انتقال الحديث عن مطالب اقتصادية تُعنى بتحسين الأوضاع المعيشية إلى أخرى سياسية وبصياغات لغوية تحلّت بجرأة غير مسبوقة، أبرز البيانات الموجهة للقصر الملكي ما عُرِف بـ"بيان الـ36"، وهم شخصيات من كُبرى عشائر الأردن (يمثّلون هذه العشائر رغم أنهم ليسوا جميعاً من شيوخها) يطالبون العاهل الأردني بالإصلاح، محذّرة من أنه إذا لم تتم المحاسبة على الفساد، والمضي نحو الإصلاح، فإن البلاد قد تشهد نوعا ما من الاضطرابات والثورات الشبابية. تلا ذلك رسالة ناقدة اخرى وجهها المعارض البارز ليث شبيلات الى الملك عبد الله الثاني اشترط في عدم نشرها للعلن دراستها والرد عليها، حيث رُوّست رسالته بتعبير "مكتوم لشرطه"، لكن يبدو أنه لم يجد إصغاءً لحديثه، فبادر على الفور بتعميم رسالته للنشر.
      وتوالت البيانات والرسائل الشعبية في الاردن ، وأبرقت للقصر بمضامين ومطالب وحملت نقداً كثيراً مما كان يدور في أروقة الصالونات السياسية، إلا أنه وجد طريقه للعلن متسلحاً بما سبقه من بيانات "عالية النبرة" نقلتها وسائل إعلام، وبعضها نُشِر بين الناس على شكل "منشورات". حيث جاء بيان لنشطاء في مدينة معان (300 كم متر جنوب العاصمة عمّان)، متناسقاً مع "بيان الـ36"، مؤكداً في مضامينه أن "تيار التغيير بدأ يعصف بالبنى القديمة المتآكلة في البلاد"على حد زعمها ، كذلك أبرقت شخصيات في مدينة الكرك (250 كم جنوب عمّان)، تطالب بحل البرلمان والشروع في تحديث تشريعات الدولة.
      هذه البيانات والرسائل تزامنت مع الحراك الذي ولّدته الثورتان التونسية والمصرية، وتمخضت عن الأوضاع الاقتصادية في البلاد، وارتفاع غير مسبوق في المديونية، وفشل البرلمان في امتصاص غضب الشارع عقب منحه ثقة غير مسبوقة للحكومة السابقة، وتعثر الدعوات للإصلاح، وشكاوى من تهميش قوى على حساب أخرى.
      إزاء ذلك، تبدو مؤسسة الحكم في البلاد، متفهمة لما يجري، ومتفاعلة معه، إذ قام الملك بجولات ميدانية مفاجئة في قُرى نائية، وأوعز لمرافقيه (من الديوان الملكي) بتحسين الأوضاع المعيشية للناس الذين التقاهم، فيما كان سبّاقاً إلى تخفيف الأعباء عن المواطنين، عبر الإيعاز للحكومة السابقة بتخفيض الأسعار وزيادة رواتب الموظفين، في كلفة قُدرت بـ500 مليون دينار (715 مليون دولار).
      تلك التحركات الملَكية يُنظر إليها على أنها محاولة لإعادة ترتيب الأوراق، عبر قيام الديوان الملكي بلعب دور مفصلي في حل القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وقد عُرف "الديوان" بهذا الدور في عهد الملك الراحل الحسين بن طلال ، حيث ظل نقطة وصل والتقاء ما بين صانع القرار والشارع، معتنياً بالجانب الاجتماعي أكثر من سواه، عبر مساعدات وإعفاءات طبية للفقراء، وتقديم منح مالية للطلبة الفقراء وغيرها من اللفتات الإنسانية. لكن "الديوان" اتجه في فترات لاحقة إلى ممارسة دور سياسي، عبر شخصيات تولت رئاسته، تعويضاً عن إخفاق حكومات متعاقبة في أداء هذا الدور. ومن بين رؤساء الديوان، كان باسم عوض الله محط جدل وانتقاد كبيرَين، نظراً لممارسته دوراً سياسياً واضحاً أسهم في توسيع الفجوة بين القصر والشارع، ما أدى إلى إقالته ليلة عيد الفطر العام 2008.
      ومع تعيين الرئيس الحالي للديوان ناصر اللوزي، بدأت الأمور تعود شيئاً فشيئاً صوب ملامسة أوضاع الناس، إلا أن حديثاً يتردد في الصالونات السياسية، بأن اللوزي وضع استقالته بين يدي الملك عبد الله الثاني ، في انتظار أن يكلف الملك عبد الله شخصية من المتوقَّع أن تحظى بشعبية وقدرة على امتصاص الشارع.
      وفي الرد على "بيان الـ36"، كتب وزير الإعلام الأسبق صالح القلاب، إنه "من العيب أن يهبط مستوى التخاطب السياسي إلى هذا المستوى"، في حين رأى رئيس تحرير صحيفة "العرب اليوم" فهد الخيطان، أنه "من الخطأ وصف أصحاب هذه الرسائل والبيانات بأنهم معارضون للنظام الملكي"، إذ إن خطابهم يدعو إلى القيام بإصلاحات دستورية.
      ومن بين ردود الفعل الرسمية في البلاد إزاء البيانات والرسائل من "العيار الثقيل"، هدد الديوان الملكي بمقاضاة مكتب وكالة الصحافة الفرنسية في عمّان، بعد نشر مديرته رندة حبيب تقريراً تناولت فيه "بيان الـ36" متضمناً آراء محللين لم تكشف النقاب عنهم، ووصفت أصحاب البيان بأنهم "شيوخ ومتنفذون في عشائرهم .
      أما نقابة الصحفيين الأردنيين، فاستهجنت في بيان لها ما أسمته "انزلاق وسائل إعلام خارجية إلى التحريض وعدم المهنية"، في تغطيتها لتلك البيانات والرسائل، "باختراعها أسماء وشخصيات وهمية تدلي بآراء متطرفة وتحليلات سقيمة بذريعة (طلب عدم ذكر اسمه)... ما يُسهم في تعريض النسيج المجتمعي الأردني إلى المخاطر وتهديد الوحدة الوطنية".
      وعموماً، لقيت البيانات والرسائل الموجّهة للملك تحفظا من جانب البعض و تأييدا من جانب البعض الآخر ومنهم الحملة الأردنية للتغيير "جايين"، التي ما زالت تتمسك بضرورة العودة إلى دستور 1952، وإلغاء التعديلات التي أضيفت عليه .
      وبمقابل ذلك، هناك دعوات إلى عدم التعامل مع أصحاب تلك البيانات والرسائل بـ"الحلول الأمنية"، ويقترح أصحاب هذه الدعوات معالجة سياسية وحوارا وطني للمسائل التي تطرح نفسها على الساحة الاردنية ، بخاصة أن هناك إدراكاً في البلاد بأن ما تمر به المنطقة العربية من ثورات شبابية، يحتاج إلى تفاهم، لا إلى تنافر واحتدام.

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية