الانفتاح والانغلاق وما بينهما أخبار الشبيبة

    • الانفتاح والانغلاق وما بينهما أخبار الشبيبة

      عبدالله عباس

      أغرب كلام سمعته تعليقاً على أحداث مصر، لأحد المعلقين، قوله: إن الذين يواجهون هذا الجيل في مصر أو بعض بلدان المنطقة عليهم أن يعرفوا أنهم لا يوجهون جيل "يا أهلاً بالمعارك" والوطنية والتاريخ وامتدادات الاصالة والايمان بجذورها في الارض، بل يواجهون جيل [فيسبوك]...

      وقبل عام أيضاً كتبت تعليقاً على قول أحدهم عندما أبدى تخوفه من (عودة الروح الوطنية الكلاسيكية بين العراقيين )، حينما أبدى بعض الوطنيين خوفهم من سكوت من بيدهم المسؤولية إزاء امتداد التدخل الاقليمي في شؤون البلد، وفي المقدمة إيران وبروح انتقامية خطيرة.

      بداية لا بد من الإشارة إلى الفارق بين النية في الملاحظتين، الاولى عندما نبه المعلق على خطورة الابتعاد عن ملاحظة الوضع (النفسي والاخلاقي والروحي) للجيل الحالي في منطقتنا، وتخوف الآخر من الروح الوطنية الكلاسيكية..! فالأول نبه لاتخاذ موقف إيجابي لمعالجة الوضع، والآخر ينبه لضرورة منع الاعتماد على الروح والاخلاق بمعناهما الشامل وبديهيات الالتزام بمعاني الحرية والاستقلال، منطلقاً من الاصالة، باعتبار أنها أصبحت في هذا العصر من الكلاسيكيات العتيقة التي لا تستحق التفكير والاعتماد...! كأنه يبارك تربية هذا الجيل وما يأتي من بعدنا من أجيال على تخدير الفيسبوك أو ماشابهه. ان القول" إذا كانت المعرفة هي القوة" ، فإن الإنترنت هو أعظم أداة في تاريخ العالم.. قول صحيح. ونحن نعتبره كذلك، ولكن ليس كل من يمتلك القوة، يختار طريقا ايجابيا في السير على الطرق المفتوحة أمامه، وكذلك فإن تلك الأداة العصرية سلاح ذو حدين، والخطورة تكمن في اسلوب تصدير الغرب لهذه الأداة إلى مجتمعاتنا التي تتجاوز نسبة الأميين فيها رقماً خطراً جداً..

      ويعترف أحد الخبراء في مجال نقل المعلومات عبر الإنترنت، وهو الفرنسي إيف يوديس، فيقول: إذا لم يتم تنظيم موضوعي لهذا المصدر المعلوماتي المهم ويتم الاعتماد على الفيسبوك وتويتر حصراً، فربما سندفعها إلى المجهول...

      هل هذا مقدمة لدعوة إغلاق مصادر الإطلاع ومعرفة المعلومات عن أبناء شعبنا ليبقوا أميين وضيقي الأفق، من الصعب عليهم اتخاذ المواقف التي تخص مستقبلهم...؟

      بالتأكيد ليس هذا هو المقصود، وبدايةً أتذكر وجهة نظر العالم الإسلامي الراحل خالد الذكر ( محمد حسين فضل الله) الذي طرحه في أحد لقاءاته الصحفية (على ما أتذكر في مجلة الناقد اللبنانية) حيث تحدث الراحل عن الانفتاح على العالم من المنظور الاخلاقي والروحي والديني، ومن منطلق توعية الانسان دعماً لهذه الجوانب في حياته، حيث أكد بما معناه: (أقول هذا للأمانة التاريخية في نقل النصوص): "إننا هنا وبعكس ما يدعي الغرب، نفهم معنى الفارق المطلوب بين الانفتاح والانغلاق لصالح التربية السليمة والضروريات اللازمة للبناء الإيجابي في حياة المجتمع، أي نحن ننفتح على كل تطورات تزيد وتدعم القدرات الابداعية المفيدة لدى الانسان في مجتمعاتنا ونوافذنا مفتوحة لاستقبال كل ضوء يستفاد منه للبناء ورقي الانسان بالاستناد إلى حرية إختيار ما يكون لصالح الجوانب الاخلاقية والروحية والدينية والتربوية، ويساعد على البناء وليس الهدم الفكري" .

      ويسأل شيخنا الجليل:" فلماذا الغرب يفرض علينا انفتاحا حسب رغباته وهو يدعي انه من مناصري حرية الاختيار.. في حين من حقنا أن نستفيد من الانفتاح استناداً إلى مصلحتنا...؟ وهل الغرب يسمح لنا نحن الآخر أن ننقل إليه (على سبيل الافتراض) ما نؤمن به؟".

      وجاء بمثال آخر حول هذا الموضوع، حيث أشار بقوله "إذا كنت مقتنعا داخل بيتي، بضرورة وجود مجال للاطلاع على أوضاع العالم والاستفادة من المعلومات داخل بيتي يساعد على الوعي والمعرفة من خلال الفضائيات، هل مطلوب مني لكي يرضى عني الغرب ويعتبرني رجلاً منفتحاً على الاخر، أن يفرض علي أن أسمح لأولادي اختيار متابعة ومشاهدة ما يخدش الأسس التربوية والجذور الاخلاقية المحصنة بالأدب للعائلة، تحت عنوان الانفتاح على حضارة العصر خوفاً من إتهامي بالانغلاق؟!" .

      هذه النظرة للراحل الخالد تجيب على سؤال متى ولماذا وكيف نختار الانفتاح وبإتجاه اي ظاهرة نغلق الابواب؟ وتجيب أيضاً عن كيفية الحفاظ على حيوية الأصالة في الوطنية لكي لا يصبح عند بعض الحديث عنها (كلاسيكياً) لا يستحق أن نخصص لها مكاناً إلا في المتحف ولا نتحدث عنها إلا كذكرى من الماضي.

      لا بد أن كثيراً منا يعرف أن الغرب استطاع أن يصون أمنه القومي من خلال تمسك من بيدهم السلطة في بلدانهم بضرورة عدم التدخل في ثوابت الحرية وإختيارات مواطني بلدانهم بغض النظر عن المنهج المختار من قبلهم لهذا، ويعملون هذا أيضاً بدون النظر إلى الأقلية والأكثرية.

      وهذة المسألة المهمة لم تأت من فراغ، بل لأن من بيدهم السلطة يعرفون أن المواطن عندهم يعرف معنى المواطنة، وبالتالي يعرف ما لها وما عليها، فلا تستطيع السلطة وبسهولة أن تتجاوز على حرية الاختيار وحقوق المواطن كما يحصل عندنا مع الأسف، وبذلك يضمنون أيضاً عدم تدخل مواطنيهم بثوابت اختيارات من بيدهم السلطة إلا عندما يكون هناك تقاطع بين ثوابت الطرفين، وعندما يكون التقاطع خطراً على أمنهم القومي، في حين أن الغرب وفي المقدمة الإدارات الامريكية، ونتيجة لفكر الهيمنة الثابت في نهجهم تجاه الشرق، ونتيجة لمعرفتهم ببواطن امور اولياء الامر في هذه المنطقة يصدرون لنا كل ما يقفد الوعي الايجابى، إلى حد أنه حصل في بعض الاحيان أنهم لم يتورعوا عن اعتبار منع الدعارة في هذه المنطقة نوع من انواع الاضطهاد والتعدي على حقوق الانسان، لسبب واحد وهو علمهم بأن اولياء الامور هنا لديهم ثابت واحد: الحفاظ على سطوة السلطة أما المواطن فليس لديه بعد الفهم الحقيقي لمعنى مواطنته كما هو لدى الغرب .

      شىء آخر، يؤكد الكونجرس الامريكي سنوياَ على ضرورة توسع الاهتمام بالدروس الدينية وتوسع الكنائس الجديدة، وفي جانب آخر من إقحام الدين لأغراض سياسية، حيث أن الكثرة الكاثرة من مديري النشاط التبشيري واجهة مباشرة للمخابرات الامريكية وتقوم الفرق التبشيرية بأعمال لا يقوم بها إلا عصبة المتآمرين.. أما عندنا، ورغم أن الشيء الذي نعرفه في تاريخ الحضارة البشرية و ما حدث ويحدث من تطورات نحو الرقي واتساع الوعي، ان للمثقفين والمتنورين في المجتمعات، كان ومازال الدور الريادي في العمل لتنوير الطريق نحو بناء ونشر الوعي والتصدي للجهل والتخلف والعمل من أجل غدٍ أفضل لمجتمعاتهم، ولم يحصل أن يكون للشريحة المثقفة أو لأصحاب الفكر أو أصحاب الدعوات العمل بشكل جماعي ومنظم ضد مبادئ الايمان والوعي الاجتماعي في اختيارات أكثرية الناس، ذلك الاختيار الذي له جذوره الروحية والوعي الجماعي، ولكن حصل في ركن من أركان ألارض في هذه المنطقة التي نعيش نحن فيها، أن تفرغ مجموعة ممن يدعون أنفسهم بالمثقفين العصريين لجمع تواقيع من اوساطهم يدعون لمنع رفع الأذان للصلاة وحصر صلاة الجمعة في جامع واحد فقط، والحجة ان ذلك يقلل من إزعاج وإجبار الناس لسماع شيء لا يريدون سماعة...! .

      حصل ذلك حسب خبر أذيع قبل فترة في قناة الحرة الأمريكية (المتخصصة في توعية المجتمع الشرقي....!!)، موجة هذه الحملة في مجتمع 95 % منهم من الاسلام منذ مئات السنين والايمان بهذا الدين يعيش في دمائهم، وهؤلاء هم فئات من جيل العصر والفضائيات العشوائية، وبدلا من أن يختاروا شيئاً مفيدا في المجالات المسموحة للاطلاع، لأن ليس هناكَ تنظيم والرعاية واعية، ينساقون لاختيار ما يخرب وليس ما يبني.

      هناك مثل شعبي كردي يقول: (كل طعام يطيب بالملح.. ولكن الملح بالقدر المحسوب...!)، أيها السادة، مع كل ما يحصل، نقول مخلصين لمستقبل أجيالنا: المشكلة ليست في (الفيسبوك) وأمثاله، بل المشكلة في عدم وجود الرعاية والتوجيه، وأخطر من هذا عندما تنفلت الأمور فإن أصحاب الدار من جيل (الفيسبوك) ليس أمامهم إلا اختيارات تزيد الانفلات، حيث يلجأون إما إلى العصيان، أو يلمون (شنطهم...!) ويرحلون تاركين الاولاد يواجهون قدرهم وللمتربصين بمالهم وأحوالهم، وكما يعني كلام شيخنا الجليل: انفتحوا على العالم لضمان الوعي الموضوعي، وليس خوفاً من قول الغرب إنكم منغلقون.

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية