إمرأة غير عادية..!
كانت تكبره بخمسة عشر عاما، قدم لها كل الحب والإخلاص ولم يكن فارق العمر بينهما يقف أما احترامها وإكبارها له بل كانت المرأة والحبيبة والأم والصديقة التي يقف إلى جانبه وتسانده في أشد الأوقات وأكثرها حلكة، قدمت له كل ما يمكن تقدمه المرأة لرجل، تفهمته واحتوته وكانت له خير عون، حينما تفرغ عليه الصلاة والسلام قبيل بعثته للتفكر والتأمل فلم تلمه على خلوته ولم تعاتبه على بعده عنها في الغار، بل لم تكن تساورها ذرة شك فيما يفعل وقت عيابه عنها..! وعندما أتاها خائفا يرتعد ليلة نزول الوحي أول مرة طمأنته بقولها:
- كلا، والله لا يخزيك أبدا، إنك لتصل الرحم وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نؤائب الدهر"
وكانت أول من آمن به تثبته وتشد من أزره وتنصره سيدة أحبته حبا كانت ثمرته ذرية الحبيب المصطفى، كانت الحبيبة والأم والزوجة الذكية الصابرة على كل المحن التي مر بها زوجها المصطفى..إنها أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وأرضاها...
إخلاص وحب
بعد موتها بسنة تأتي إمرأة للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وتقول: يا رسول الله ألا تتزوج؟
فيبكي النبي صلى الله عليه وسلم ويقول:
وهل بعد خديجة أحد؟
ذكرتني بها...!!
كان يوم فتح مكة والناس ملتفون حول الرسول عليه الصلاة والسلام.. كان يوما مشهودا حافلا صاخبا وقريش كلها تأتي إلى النبي الكريم ليعفو عنها ومن بعيد تلوح سيدة عجوز قادمة، فيترك عليه الصلاة والسلام الجمع ويذهب إليها يجلس معها بعد أن يخلع عباءته الطاهرة ويفرشها للسيدة لتجلس عليها...فأي احترام ومن هي هذه السيدة المهمة؟!!
ويثير الأمر حفيظة السيدة عائشة حبيبة الحبيب التي اشتهرت بغيرتها عليه وشدة حبها وتعلقا به، وتثور في نفسها أسئلة شتى شأن أي إمرأة طبيعية تهتم لأمر زوجها، وتسأله عن تلك السيدة التي أعطاها من وقته واهتمامه ليجلس يجاذبها الحديث في يوم حافل كهذا..!
فيقول عليه الصلاة والسلام:هي صاحبه خديجة...
وكأي امرأة تسأل زوجها: وفيم كنتم تتحدثون يا رسول الله؟
فقال عليه السلام: كنا نتحدث عن أيام خديجة..
ذلك هو الوفاء والحب الذي بقى ولم ينتهي بانتهاء حياة أحد الطرفين...
يحكى أن رجلا مرضت حبيبته فعادها فمرض من وقته، وعوفيت حبيبته ثم جاءت تزوره فعوفي من وقته وأنشد:
مرض الحبيب فعدته *** فمرضت من حذري عليه
وأتى الحبيب يعودني *** فبرئت من نظري إليه
تصريح بالحب...!
بعد حوالي سنتين من وفاة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها جاء الوحي من الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم يحمل إليه بشرى الزواج من عائشة بنت الصديق، قال رسول صلى الله عليه وسلم لعائشة:
- "أريتك في المنام ثلاث ليال، جاءني بك الملك في خرقة من حرير فيقول: هذه امرأتك.
فأكشف عن وجهك فإذا أنت هي، فأقول:
- إن يك هذا من عند الله يمض"
وقد سكنت رضي الله عنها في حجرة ملاصقة لمسجده الشريف، كثر نزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم في فيها حتى عرفت ب"مهبط الوحي". وفي بيت النبوة كان لعائشة رضي الله عنها منزلة خاصة في قلب الرسول صلى الله عليه وسلم لم تبلغها واحدة من زوجاته، وهي التي صرح بحبها أمام أصحابه...!
أول حب....!
قال أنس رضي الله عنه: "أول حب كان في الإسلام حب النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها"
يرويه الشيخان عن عمرو بن العاص أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس أحب إليك يا رسول الله؟
قال: عائشة
قال: من الرجال؟
قال: أبوها
وكان عليه السلام يصرح بهذا الحب أمام أصحابه، فكم رجل اليوم في الألفية الثانية بعد الميلاد يصرح بحبه لزوجته؟! بل إن الكثيرون ممن أمرضت الحضارة قلوبهم يتجحون فيقولون: إن الحب مقبرة الزواج..!
ذلك الزواج الذي لم يكن قد بني على أسس وقيم ربانية بل كانت دعائمه ولبناته دنيوية مهترئة...
حب ما بعده حب...!
كانت السيدة عائشة تسأل النبي عليه الصلاة والسلام: "كيف حبك لي؟" فكان عليه الصلاة والسلام يقول: "كعقدة الحبل" أي عقدة متينة جدا لا تفك. فكانت بين الحين والآخر تسأله: "يا رسول الله كيف العقدة" لتطمئن
فيقول عليه الصلاة والسلام: "على حالها "، العقدة على حالها...
حبيبه الحبيب...
ذكرت السيدة عائشة عن نفسها عشر خصال فضلت فيها عن باقي أمهات المؤمنين، قالت:
((لم ينكح إمرأة أبواها مهاجران غيري، ولم ينكح بكرا قط غيري، وجاء جبريل بصورتي من السماء في حريرة وقال: تزوجها فإنها امرأتك.
وكنت اغتسل أنا وهو عليه الصلاة والسلام في إناء واحد، ولم يفعل ذلك بأحد من نسائه غيري، وكان يصلي وأنا معترضة بين يديه، ولم يفعل ذلك بأحد غيري، وكان ينزل عليه الوحي وهو معي، ولم يفعل ذلك بأحد غيري، وقبض الله تعالى نفسه وهو بين سحري ونحري ومات في الليلة التي كان يدور علي فيها ودفن في بيتي. وانزل الله عزوجل براءتي من السماء))
لله درك يا(عائشة) كما كان الحبيب يناديك تحببا وتقربا..لله يا حبيبه الحبيب، لله درك زوجة علمت الزوجات فن الحب والغيرة وحتى الخصام...
ها هو النبي الكريم يخاطبها بلينه وهدوئه المعهودين عنه عليه الصلاة والسلام فيقول: إني لأعلم إن كنت عني راضية أو كنت مني غضبى..
فتقول: ومن أين تعرف؟
يرد عليه السلام: إذا كنت عني راضية قلت لا ورب محمد، وإن كنت مني غضبى قلت: لا ورب إبراهيم...!
وذلك هو الأدب حتى في الخصام من المحبوب في الوقت التي تفوقت فيه نساء اليوم على أعلى مستويات الردح، بالبلدي(شغل حواري) عند أقل (زعلة)...!!
وفي الغيرة كانت رضي الله عنها مدرسة لكل النساء، فهي المرأة التي تحب زوجها وكيف لا.. وهو خير البشر فها هو في لحظه صفاء بين زوجين يحدثها ويذكر لعائشة خديجة فتتحرك الغيرة في نفسها زوجته المتوفاه فهي إن لم تكن تنكر فضلها إلا إنها تريد إن تكون سيده قلبه وفؤاده فتقول له: مالك تذكر عجوزا ابل الله لك خيرا منها(تعني نفسها)
فيقول لها: لا والله ما أبدلني زوجا خيرا منها آمنت بي حين كفر الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني إذ حرمني الناس ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء
قالت عائشة رضي الله عنها في نفسها: لا اذكرها بعدها ابد.!
حب ويأس...!!
يروي الأصمعي : بينما أنا أسير في البادية إذا بحجر مكتوب عليه:
أيا معشر العشاق بالله خبروا إذا حل عشق بالفتى كيف يصنع؟
فكتب تحته يداري هواه ثم يكتم سره ويخشع في كل الأمور ويخضع ثم عدت في اليوم التالي فوجدت مكتوبا تحته:
فكيف يداري والهوى قاتل الفتى وفي كل يوم قلبه يتقطع؟
فكتبت تحته:
إذا لم يجد صبرا لكتمان سره فليس له شيء سوى الموت أنفع ثم عدت فاليوم الثالث فوجدت شابا ملقى تحت ذلك الحجر ميتا_لا حول ولا قوة إلا بالله_ وقد كتب قبل موته:
سمعنا أطعنا ثم متنا فبلغوا سلامي على من كان للوصل يمنع وحكى الأصمعي أيضا:
بينما أنا نائم في بعض مقابر البصرة إذ رأيت جارية تندب على قبر وتقول:
بروحي فتى أوفى البرية كلها*وأقواهم في الحب صبرا على الحب
قال: فقلت لها يا جارية بما كان أوفى البرية وبما كان أقواها؟
فقالت: يا هذا، إنه ابن عمي هويني فهويته فكان إذا أباح عنفوه وإن كتم لاموه فأنشد بيتي شعر وما زال يكررهما إلى أن مات، والله لأندبه حتى أصير مثله في قبر إلى جانبه، فقلت يا جاريه فما البيتان؟ قالت: يقولون لي إن بحت قد غرك الهوى وإن لم أبح قالوا تصبرا فما لأمرىء يهوى ويكتم أمره من الحب إلا أن يموت فيعذرا ثم أن شهقت شهقة فارقت روحها الدنيا.
يقول مجنون ليلى:
قالت جننت على ذكري فقلت لها:
الحب أعظم مما بالمجانين الحب ليس يفيق الدهر صاحبه وإنما يصرع المجنون في الحين..!!