بقلم- جيمس زان
لقد عادت السياسة الصناعية ـ أو بالأحرى عادت لتصبح الموضة السائدة من جديد. لا شك أن هذه السياسة لم ترحل عنا قط، حتى في البلدان الملتزمة رسميا بمبادئ السوق الحرة. ولكن عالم ما بعد الأزمة ـ حيث اكتسب التدخل الحكومي في الاقتصاد قدراً أعظم من الشرعية ـ سوف يشهد المزيد منها. وعلى نحو مماثل، كان نجاح الصين، وإغراءات محاكاة نموذجها الإنمائي، من الأسباب التي أدت إلى تعزيز جاذبية السياسة الصناعية، كما فعلت الأدوات السياسية الأفضل والخبرة الأكبر بما قد ينجح وما قد لا ينجح ـ وهي النقطة التي دلل عليها جوستين لين من البنك الدولي.
ولكن في البلدان النامية، مازالت المخاطر القديمة المرتبة بالسياسة الصناعية قائمة. فأولا، كثيراً ما يخطئ صناع السياسات في التعامل مع الأمر، سواء عند اختيار الصناعات التي يتعين عليهم دعمها أو فيما يتصل بتنفيذ آليات الدعم. وثانيا، يميل صناع السياسات إلى الوقوع "أسرى" لأصحاب المصالح الخاصة، ولا سيما في البيئات السياسية الضعيفة نسبيا، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال إلى المحسوبية وانعدام الكفاءة وإهدار الموارد.
وهناك فضلاً عن ذلك العديد من المخاطر الجديدة في أيامنا هذه مقارنة بالعصر الذهبي السابق للسياسة الصناعية. وأول هذه المخاطر يتعلق بإغراء محاكاة الصين من دون دراسة متأنية. ويتعين على صناع السياسات أن يدركوا أن النموذج الصيني يشتمل على سمات غريبة على تقديمه التدريجي لآليات السوق ـ والتي تمثل، مقارنة بالمتحولين حديثاً إلى السياسة الصناعية، خطوة في الاتجاه الإيديولوجي المعاكس.
والواقع أن معدل النمو في الصين تعزز على مدى العقدين الفائتين بفضل ديموغرافية البلاد وما تتمتع به من موارد الأرض، وهو ما مكنها من تعظيم فوائد العولمة. ولا تستطيع العديد من البلدان الأخرى النامية ببساطة أن تضاهي هذا النجاح من كافة الجوانب؛ إذ يتعين عليها أن تعمل على صياغة خطط محددة لثرواتها الطبيعية، والمؤسسات، وبيئات العمل.
وينبع الخطر الثاني من طابع العولمة لكل صناعة تعتبر مرشحة للدعم عادة. ففي حين كان المفهوم الأصلي للسياسة الصناعية يشتمل على حماية الصناعات من المنافسة الدولية، فإن عالم اليوم يتطلب إدماج القدرة الإنتاجية المحلية في سلسلة القيمة العالمية. وهذا يعني ضمناً الحاجة إلى سياسات تقوم على تعريض الصناعات للمنافسة الدولية.
والخطر الثالث هو أن السياسات الصناعية تتعارض مع التعهدات والالتزامات الدولية. ولا تقتصر هذه التعهدات والالتزامات على قواعد منظمة التجارة العالمية فحسب، بل إنها تشتمل أيضاً على اتفاقيات تجارية إقليمية وثنائية متكاثرة ـ وكلها ساهمت بقوة في الحد من مجال صياغة السياسة الصناعية من خلال الحد من الخيارات المتاحة لحماية ودعم الصناعات والأعمال التجارية بصورة انتقائية.
وعلى الرغم من المخاطر الإضافية، فإن أياً من مؤسسات التنمية المتعددة الأطراف لا تستطيع أن تزعم اليوم أن البلدان النامية لا ينبغي لها أن تصوغ استراتيجية إنمائية تنص على مصادر لقطاعات محددة من النمو الاقتصادي، وأولويات خاصة بالتنمية الصناعية، ودعم حكومي لهذه التنمية من خلال اتخاذ تدابير مالية وضريبية وتنظيمية. كيف إذن يتعين على صناع السياسات في البلدان النامية أن يتعاملوا مع الأمر؟
اختيار الفائزين المناسبين: إن السياسات الصناعية لابد وأن تقوم على موارد البلاد، ولابد وأن تنبني على فرص ملموسة لإدماج الصناعات والشركات في سلسلة القيمة العالمية ـ على سبيل المثال، من خلال تعميق الروابط القائمة مع شبكات الإنتاج وأسواق التصدير العالمية ـ وفي الوقت نفسه تجنب الإفراط في الاستثمار في المجالات المتأخرة عن النمو الدولي.
الاستعداد للتخلي عن الخاسرين: إن حتى أكثر الاختيارات وضوحاً في دعم السياسة الصناعية، من الفائزين الواضحين ظاهريا، سوف تؤدي في وقت ما إلى الإحباط في البيئة الاقتصادية غير اليقينية اليوم. ويتعين على الحكومات أن تدرك أخطاءها وأن تسحب دعمها قبل أن يصبح راسخاً أو باهظ التكاليف.
ولابد وأن تمتد سياسات الاستثمار إلى كل من الاستثمار المباشر المحلي والأجنبي. وهذا يعني بصورة خاصة تعزيز القدرة التنافسية الدولية من خلال التركيز على الإنتاجية الصناعية، وليس فقط على دعم اللاعبين المحليين. وعلى نحو مماثل، ينبغي للسياسات التكنولوجية أن تشتمل على التنمية المحلية ونقل التكنولوجيا. كما ينبغي لسياسات تنمية المشاريع أن تعالج الارتباط مع الشركات المتعددة الجنسيات. وفي عالم اليوم، يصبح من الممكن واقعياً تلبية أهداف التنمية من خلال دعم النمو الصناعي، وليس فقط النمو الصناعي المحلي.
ولأن أنظمة التجارة والاستثمار الدولية تضمن القدرة على الوصول إلى الأسواق الأجنبية والمستثمرين الأجانب، فإنها تشكل شرطاً أساسياً للسياسة الصناعية الناجحة. وحتى مع ذلك فإن صناع السياسات في البلدان النامية قادرون على دمج قدر من الحرية في اتفاقيات التجارة والاستثمار الجديدة. وفي الوقت نفسه، يتعين عليهم أن يركزوا على تدابير الصناعة السياسية التي تشتمل ولو على أقل قدر من خطر التعارض مع الالتزامات الدولية: تيسير الإجراءات التنظيمية بدلاً من فرض القيود، والاستثمار في البنية الأساسية وليس في أنشطة اقتصادية محددة، والحوافز الضريبية التي هي في متناول الجميع.
وأخيرا، يتعين على صناع السياسات في البلدان النامية والمتقدمة على حد سواء أن يدركوا أن المناقشات التي تدور حول الحوكمة الاقتصادية العالمية لا يجوز لها أن تركز على القضايا المرتبطة بالسياسة النقدية أو أسعار الصرف فحسب. ومع تبني المزيد من البلدان للسياسة الصناعية فمن المحتم أن تشتد المنافسة والنزاعات. ولا شك أن تجنب السباق العالمي إلى القاع فيما يتصل بالمعايير التنظيمية، أو السباق إلى القمة فيما يتصل بالحوافز، أو العودة إلى تدابير الحماية، سوف يتطلب قدراً أعظم من التنسيق العالمي.
*مدير شعبة الاستثمار والمشاريع في مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية
بروجيكت سنديكيت- ش
أكثر...
لقد عادت السياسة الصناعية ـ أو بالأحرى عادت لتصبح الموضة السائدة من جديد. لا شك أن هذه السياسة لم ترحل عنا قط، حتى في البلدان الملتزمة رسميا بمبادئ السوق الحرة. ولكن عالم ما بعد الأزمة ـ حيث اكتسب التدخل الحكومي في الاقتصاد قدراً أعظم من الشرعية ـ سوف يشهد المزيد منها. وعلى نحو مماثل، كان نجاح الصين، وإغراءات محاكاة نموذجها الإنمائي، من الأسباب التي أدت إلى تعزيز جاذبية السياسة الصناعية، كما فعلت الأدوات السياسية الأفضل والخبرة الأكبر بما قد ينجح وما قد لا ينجح ـ وهي النقطة التي دلل عليها جوستين لين من البنك الدولي.
ولكن في البلدان النامية، مازالت المخاطر القديمة المرتبة بالسياسة الصناعية قائمة. فأولا، كثيراً ما يخطئ صناع السياسات في التعامل مع الأمر، سواء عند اختيار الصناعات التي يتعين عليهم دعمها أو فيما يتصل بتنفيذ آليات الدعم. وثانيا، يميل صناع السياسات إلى الوقوع "أسرى" لأصحاب المصالح الخاصة، ولا سيما في البيئات السياسية الضعيفة نسبيا، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال إلى المحسوبية وانعدام الكفاءة وإهدار الموارد.
وهناك فضلاً عن ذلك العديد من المخاطر الجديدة في أيامنا هذه مقارنة بالعصر الذهبي السابق للسياسة الصناعية. وأول هذه المخاطر يتعلق بإغراء محاكاة الصين من دون دراسة متأنية. ويتعين على صناع السياسات أن يدركوا أن النموذج الصيني يشتمل على سمات غريبة على تقديمه التدريجي لآليات السوق ـ والتي تمثل، مقارنة بالمتحولين حديثاً إلى السياسة الصناعية، خطوة في الاتجاه الإيديولوجي المعاكس.
والواقع أن معدل النمو في الصين تعزز على مدى العقدين الفائتين بفضل ديموغرافية البلاد وما تتمتع به من موارد الأرض، وهو ما مكنها من تعظيم فوائد العولمة. ولا تستطيع العديد من البلدان الأخرى النامية ببساطة أن تضاهي هذا النجاح من كافة الجوانب؛ إذ يتعين عليها أن تعمل على صياغة خطط محددة لثرواتها الطبيعية، والمؤسسات، وبيئات العمل.
وينبع الخطر الثاني من طابع العولمة لكل صناعة تعتبر مرشحة للدعم عادة. ففي حين كان المفهوم الأصلي للسياسة الصناعية يشتمل على حماية الصناعات من المنافسة الدولية، فإن عالم اليوم يتطلب إدماج القدرة الإنتاجية المحلية في سلسلة القيمة العالمية. وهذا يعني ضمناً الحاجة إلى سياسات تقوم على تعريض الصناعات للمنافسة الدولية.
والخطر الثالث هو أن السياسات الصناعية تتعارض مع التعهدات والالتزامات الدولية. ولا تقتصر هذه التعهدات والالتزامات على قواعد منظمة التجارة العالمية فحسب، بل إنها تشتمل أيضاً على اتفاقيات تجارية إقليمية وثنائية متكاثرة ـ وكلها ساهمت بقوة في الحد من مجال صياغة السياسة الصناعية من خلال الحد من الخيارات المتاحة لحماية ودعم الصناعات والأعمال التجارية بصورة انتقائية.
وعلى الرغم من المخاطر الإضافية، فإن أياً من مؤسسات التنمية المتعددة الأطراف لا تستطيع أن تزعم اليوم أن البلدان النامية لا ينبغي لها أن تصوغ استراتيجية إنمائية تنص على مصادر لقطاعات محددة من النمو الاقتصادي، وأولويات خاصة بالتنمية الصناعية، ودعم حكومي لهذه التنمية من خلال اتخاذ تدابير مالية وضريبية وتنظيمية. كيف إذن يتعين على صناع السياسات في البلدان النامية أن يتعاملوا مع الأمر؟
اختيار الفائزين المناسبين: إن السياسات الصناعية لابد وأن تقوم على موارد البلاد، ولابد وأن تنبني على فرص ملموسة لإدماج الصناعات والشركات في سلسلة القيمة العالمية ـ على سبيل المثال، من خلال تعميق الروابط القائمة مع شبكات الإنتاج وأسواق التصدير العالمية ـ وفي الوقت نفسه تجنب الإفراط في الاستثمار في المجالات المتأخرة عن النمو الدولي.
الاستعداد للتخلي عن الخاسرين: إن حتى أكثر الاختيارات وضوحاً في دعم السياسة الصناعية، من الفائزين الواضحين ظاهريا، سوف تؤدي في وقت ما إلى الإحباط في البيئة الاقتصادية غير اليقينية اليوم. ويتعين على الحكومات أن تدرك أخطاءها وأن تسحب دعمها قبل أن يصبح راسخاً أو باهظ التكاليف.
ولابد وأن تمتد سياسات الاستثمار إلى كل من الاستثمار المباشر المحلي والأجنبي. وهذا يعني بصورة خاصة تعزيز القدرة التنافسية الدولية من خلال التركيز على الإنتاجية الصناعية، وليس فقط على دعم اللاعبين المحليين. وعلى نحو مماثل، ينبغي للسياسات التكنولوجية أن تشتمل على التنمية المحلية ونقل التكنولوجيا. كما ينبغي لسياسات تنمية المشاريع أن تعالج الارتباط مع الشركات المتعددة الجنسيات. وفي عالم اليوم، يصبح من الممكن واقعياً تلبية أهداف التنمية من خلال دعم النمو الصناعي، وليس فقط النمو الصناعي المحلي.
ولأن أنظمة التجارة والاستثمار الدولية تضمن القدرة على الوصول إلى الأسواق الأجنبية والمستثمرين الأجانب، فإنها تشكل شرطاً أساسياً للسياسة الصناعية الناجحة. وحتى مع ذلك فإن صناع السياسات في البلدان النامية قادرون على دمج قدر من الحرية في اتفاقيات التجارة والاستثمار الجديدة. وفي الوقت نفسه، يتعين عليهم أن يركزوا على تدابير الصناعة السياسية التي تشتمل ولو على أقل قدر من خطر التعارض مع الالتزامات الدولية: تيسير الإجراءات التنظيمية بدلاً من فرض القيود، والاستثمار في البنية الأساسية وليس في أنشطة اقتصادية محددة، والحوافز الضريبية التي هي في متناول الجميع.
وأخيرا، يتعين على صناع السياسات في البلدان النامية والمتقدمة على حد سواء أن يدركوا أن المناقشات التي تدور حول الحوكمة الاقتصادية العالمية لا يجوز لها أن تركز على القضايا المرتبطة بالسياسة النقدية أو أسعار الصرف فحسب. ومع تبني المزيد من البلدان للسياسة الصناعية فمن المحتم أن تشتد المنافسة والنزاعات. ولا شك أن تجنب السباق العالمي إلى القاع فيما يتصل بالمعايير التنظيمية، أو السباق إلى القمة فيما يتصل بالحوافز، أو العودة إلى تدابير الحماية، سوف يتطلب قدراً أعظم من التنسيق العالمي.
*مدير شعبة الاستثمار والمشاريع في مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية
بروجيكت سنديكيت- ش
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية