كتب - سمير الجمل
استثمرت تركيا موقعها الفريد . وانفتاحها على الدنيا من حولها وانعكس هذا على سياستها التي تفصل تماما بين مصالحها كما هو حادث مع إسرائيل وبين مواقفها المنحازة للشأن الفلسطيني .. ويبدو أن هذا منح إسطنبول خبرات خاصة في كيفية الإمساك جيدا بأوراق اللعبة بين المصلحة والموقف والكبرياء والطموحات
في دنيا كرة القدم ينظرون بعين الاعتبار إلى اللاعب الذي يتحرك بدون كرة .. لأنه يستطيع بمهارة ان يفتح الطريق لنفسه ولغيره .. حيث يلفت الانظار اليه ويصرفها عن زميل آخر له يستطيع الوصول إلى المرمى ويسجل بسهولة، ويبدو ان هناك في دنيا السياسة من يمارس لعبتها بأسلوب الكرة .. وفيها ايضا من يحقق الهدف والنجومية عندما يعرف كيف يستثمر موهبته في التعامل مع الكرة تحت ضغط الخصم .. واذا طبقنا هذا الاسلوب على السياسة التركية الحالية سنجدها ماهرة وموهوبة وتعرف جيدا كيف تسجل اهدافها .. ليس فقط بأقدام لاعبيها .. ولكن في بعض الاحيان بأقدام منافسيها .. وعلينا ان نقرأ بإمعان تحركاتها في الاونة الاخيرة .. بما يؤكد قدراتها الفذة وطموحاتها الهائلة.. وهي تمتلك من السرعة والرشاقة ما حقق لها التفوق .. وعندها من الحرفنة ما يجعلها تتحرك بوعي حتى داخل المساحات الصغيرة الضيقة.
ومنذ أن تولت حكومة اردوجان ووضعت شارة الكابتن على ذراعها .. وهي تحقق الهدف تلو الاخر بنجاح بارز .. الحركة الاوربية محسوبة .. والاسيوية جيدة والعربية متميزة.. حتى ان غالبية المراقبين رشحوا حكومة اسطنبول .. لكي تكون في طليعة حكومات السنوات القادمة .. وابعد من ذلك هناك من رشح تركيا لكي تكون من الدول الكبرى التي تقود العالم.. وقد جاء ذلك في كتاب "المئة عام المقبلة" للكاتب الامريكي "جورج فريدمان" وهو مؤسس شركة "سترانفور" الكبرى في مجال الاستخبارات واستشراق المستقبل .. إلى جانب خبرته الإعلامية وقد اصدر اربعة كتب كان اهمها "حرب امريكا السرية" وجورج الذي يتنبأ بأحداث القرن الحادي والعشرين يرى ان القوى العظمى الصاعدة هي اليابان وتركيا وبولندا.. إلى جانب الولايات المتحدة الامريكية .. وقد صدر كتابه العام 2009 اي قبل الزلزال القاتل الذي اطاح بالكثير من مقومات الحياة في اليابان وهز اقتصادها بقوة .. ولكنه يرى انها دولة تستطيع ان تقاوم وتنهض باسرع وقت، وعلى العموم ما يهمنا هنا هو الشأن التركي .. ولنا ان نتطلع إلى الدور الذي تلعبه اسطنبول في المتغيرات العربية الاخيرة .. فقد قدمت خارطة طريق لانقاذ ما يمكن انقاذه وكانت وجهة النظر التركية ان الشعب الليبي يجب ان يقرر مصيره بأسلوب سلمي ديمقراطي .. وقدمت الدعم المعنوي للثوار وفي نفس الوقت مدت يدها نحو القذافي بورقة التفاوض التي جاءت في وقتها لكي تكون ورقة الخلاص الاخيرة وقد اعلن استغاثته بعد ضربات حلف الناتو التي طالت الثوار ايضا كما ضربت كتائب القذافي وكالمعتاد قيل انها النيران الصديقة التي ضلت طريقها..
وقبل ليبيا .. مدت اسطنبول يدها صوب البحرين .. وتحرك مكوك خارجيتها احمد داود اوجلو .. والتقى بنظيره السعودي.. وشملت هذه المباحثات ما يحدث في اليمن .. كما ان الدبلوماسية التركية سارعت نحو دمشق بعد ان لحقت بها رياح الغضب وكان الامر يقتضي الكثير من الحنكة والحكمة .. بحكم الجوار الحدودي مع سوريا والتقارب العميق بين العاصمتين حيث تم الغاء التأشيرات بين البلدين وبالتالى فإن سوريا تمثل عمقا استراتيجيا لتركيا .. ومن هنا فإن التعامل مع الغليان السوري كان يقتضي منهجا خاصا لا ينحاز للنظام الحاكم على حساب متطلبات الشعب ورغبته في الاصلاحات .. وفي نفس الوقت لا يقف في صف التظاهر والاحتجاج على حساب الصداقة التي تجمع الحكومتين .. وهنا نجد تصريحات اردوجان تؤكد على حق الشعب في مطالبه وتجدد الثقة ان القيادة السورية عندها من الوعي والوطنية ما يجعلها تلبي احتياجات شعبها.. وعندما سألوا اردوجان: قد نفهم اهتمامك بما يدور في سوريا ولكن لماذا هذا الجري نحو ليبيا كما رأينا؟ فقال: "لدينا هناك 30 الف مواطن مسؤوليتنا تحتم علينا اعادتهم إلى البلاد سالمين وقد فعلنا ذلك لانه واجبنا والى جانب ذلك قدمنا المساعدات لاكثر من 5 الاف مواطن ينتمون إلى 57 دولة وبالتالي كان اقترابنا ضروريا من الازمة الليبية كما انها دولة اسلامية تجمعنا بها علامات متشعبة" وحقيقة الامر كما يقول جورج فريدمان: ان تركيا نجحت في التحرك إلى كافة الاتجاهات من حولها بنجاح ملحوظ تقربت مع سوريا بعد ازمة عبدالله اوجلان الشهيرة التي كادت تؤدي إلى الحرب .. لولا التدخل المصري وقتها واتجهت إلى ايران ..وتجاوزت اسطنبول السنية .. المسألة المذهبية ..وتقاربت مع طهران الشيعية .. ثم اتجهت إلى القوقاز .. وأوربا .. وروسيا .. وإسرائيل ..
استثمرت تركيا موقعها الفريد في آسيا وأوروبا .. وانفتاحها على الدنيا من حولها وانعكس هذا على سياستها التي تفصل تماما بين مصالحها كما هو حادث مع اسرائيل وبين مواقفها المنحازة للشأن الفلسطيني .. ويبدو ان هذا منح اسطنبول خبرات خاصة في كيفية الامساك جيدا بأوراق اللعبة بين المصلحة والموقف والكبرياء والطموحات وكيف لا .. وتركيا تحتل الموقع رقم 17 عالميا على الخريطة الاقتصادية ..لانها ادركت ان الديمقراطية الداخلية هي الضمان الاعظم لحركة خارجية ناجحة ومؤثرة.. ألم أقل لكم أن اللاعب الماهر يعرف جيدا كيف يتحرك بدون كرة .. مثلما يدرك قيمة المهارة في التحرك بالكرة نحو شباك الخصم مسجلا اهداف الفوز الواحد تلو الآخر.
Samirelgamel@yahoo.com
أكثر...
استثمرت تركيا موقعها الفريد . وانفتاحها على الدنيا من حولها وانعكس هذا على سياستها التي تفصل تماما بين مصالحها كما هو حادث مع إسرائيل وبين مواقفها المنحازة للشأن الفلسطيني .. ويبدو أن هذا منح إسطنبول خبرات خاصة في كيفية الإمساك جيدا بأوراق اللعبة بين المصلحة والموقف والكبرياء والطموحات
في دنيا كرة القدم ينظرون بعين الاعتبار إلى اللاعب الذي يتحرك بدون كرة .. لأنه يستطيع بمهارة ان يفتح الطريق لنفسه ولغيره .. حيث يلفت الانظار اليه ويصرفها عن زميل آخر له يستطيع الوصول إلى المرمى ويسجل بسهولة، ويبدو ان هناك في دنيا السياسة من يمارس لعبتها بأسلوب الكرة .. وفيها ايضا من يحقق الهدف والنجومية عندما يعرف كيف يستثمر موهبته في التعامل مع الكرة تحت ضغط الخصم .. واذا طبقنا هذا الاسلوب على السياسة التركية الحالية سنجدها ماهرة وموهوبة وتعرف جيدا كيف تسجل اهدافها .. ليس فقط بأقدام لاعبيها .. ولكن في بعض الاحيان بأقدام منافسيها .. وعلينا ان نقرأ بإمعان تحركاتها في الاونة الاخيرة .. بما يؤكد قدراتها الفذة وطموحاتها الهائلة.. وهي تمتلك من السرعة والرشاقة ما حقق لها التفوق .. وعندها من الحرفنة ما يجعلها تتحرك بوعي حتى داخل المساحات الصغيرة الضيقة.
ومنذ أن تولت حكومة اردوجان ووضعت شارة الكابتن على ذراعها .. وهي تحقق الهدف تلو الاخر بنجاح بارز .. الحركة الاوربية محسوبة .. والاسيوية جيدة والعربية متميزة.. حتى ان غالبية المراقبين رشحوا حكومة اسطنبول .. لكي تكون في طليعة حكومات السنوات القادمة .. وابعد من ذلك هناك من رشح تركيا لكي تكون من الدول الكبرى التي تقود العالم.. وقد جاء ذلك في كتاب "المئة عام المقبلة" للكاتب الامريكي "جورج فريدمان" وهو مؤسس شركة "سترانفور" الكبرى في مجال الاستخبارات واستشراق المستقبل .. إلى جانب خبرته الإعلامية وقد اصدر اربعة كتب كان اهمها "حرب امريكا السرية" وجورج الذي يتنبأ بأحداث القرن الحادي والعشرين يرى ان القوى العظمى الصاعدة هي اليابان وتركيا وبولندا.. إلى جانب الولايات المتحدة الامريكية .. وقد صدر كتابه العام 2009 اي قبل الزلزال القاتل الذي اطاح بالكثير من مقومات الحياة في اليابان وهز اقتصادها بقوة .. ولكنه يرى انها دولة تستطيع ان تقاوم وتنهض باسرع وقت، وعلى العموم ما يهمنا هنا هو الشأن التركي .. ولنا ان نتطلع إلى الدور الذي تلعبه اسطنبول في المتغيرات العربية الاخيرة .. فقد قدمت خارطة طريق لانقاذ ما يمكن انقاذه وكانت وجهة النظر التركية ان الشعب الليبي يجب ان يقرر مصيره بأسلوب سلمي ديمقراطي .. وقدمت الدعم المعنوي للثوار وفي نفس الوقت مدت يدها نحو القذافي بورقة التفاوض التي جاءت في وقتها لكي تكون ورقة الخلاص الاخيرة وقد اعلن استغاثته بعد ضربات حلف الناتو التي طالت الثوار ايضا كما ضربت كتائب القذافي وكالمعتاد قيل انها النيران الصديقة التي ضلت طريقها..
وقبل ليبيا .. مدت اسطنبول يدها صوب البحرين .. وتحرك مكوك خارجيتها احمد داود اوجلو .. والتقى بنظيره السعودي.. وشملت هذه المباحثات ما يحدث في اليمن .. كما ان الدبلوماسية التركية سارعت نحو دمشق بعد ان لحقت بها رياح الغضب وكان الامر يقتضي الكثير من الحنكة والحكمة .. بحكم الجوار الحدودي مع سوريا والتقارب العميق بين العاصمتين حيث تم الغاء التأشيرات بين البلدين وبالتالى فإن سوريا تمثل عمقا استراتيجيا لتركيا .. ومن هنا فإن التعامل مع الغليان السوري كان يقتضي منهجا خاصا لا ينحاز للنظام الحاكم على حساب متطلبات الشعب ورغبته في الاصلاحات .. وفي نفس الوقت لا يقف في صف التظاهر والاحتجاج على حساب الصداقة التي تجمع الحكومتين .. وهنا نجد تصريحات اردوجان تؤكد على حق الشعب في مطالبه وتجدد الثقة ان القيادة السورية عندها من الوعي والوطنية ما يجعلها تلبي احتياجات شعبها.. وعندما سألوا اردوجان: قد نفهم اهتمامك بما يدور في سوريا ولكن لماذا هذا الجري نحو ليبيا كما رأينا؟ فقال: "لدينا هناك 30 الف مواطن مسؤوليتنا تحتم علينا اعادتهم إلى البلاد سالمين وقد فعلنا ذلك لانه واجبنا والى جانب ذلك قدمنا المساعدات لاكثر من 5 الاف مواطن ينتمون إلى 57 دولة وبالتالي كان اقترابنا ضروريا من الازمة الليبية كما انها دولة اسلامية تجمعنا بها علامات متشعبة" وحقيقة الامر كما يقول جورج فريدمان: ان تركيا نجحت في التحرك إلى كافة الاتجاهات من حولها بنجاح ملحوظ تقربت مع سوريا بعد ازمة عبدالله اوجلان الشهيرة التي كادت تؤدي إلى الحرب .. لولا التدخل المصري وقتها واتجهت إلى ايران ..وتجاوزت اسطنبول السنية .. المسألة المذهبية ..وتقاربت مع طهران الشيعية .. ثم اتجهت إلى القوقاز .. وأوربا .. وروسيا .. وإسرائيل ..
استثمرت تركيا موقعها الفريد في آسيا وأوروبا .. وانفتاحها على الدنيا من حولها وانعكس هذا على سياستها التي تفصل تماما بين مصالحها كما هو حادث مع اسرائيل وبين مواقفها المنحازة للشأن الفلسطيني .. ويبدو ان هذا منح اسطنبول خبرات خاصة في كيفية الامساك جيدا بأوراق اللعبة بين المصلحة والموقف والكبرياء والطموحات وكيف لا .. وتركيا تحتل الموقع رقم 17 عالميا على الخريطة الاقتصادية ..لانها ادركت ان الديمقراطية الداخلية هي الضمان الاعظم لحركة خارجية ناجحة ومؤثرة.. ألم أقل لكم أن اللاعب الماهر يعرف جيدا كيف يتحرك بدون كرة .. مثلما يدرك قيمة المهارة في التحرك بالكرة نحو شباك الخصم مسجلا اهداف الفوز الواحد تلو الآخر.
Samirelgamel@yahoo.com
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية