العلاقة الأمريكية الصينية: تحول في تصورا8

    • العلاقة الأمريكية الصينية: تحول في تصورا

      جوزيف إس ناي

      ساعدت زيارة "هو جينتاو" الرسمية لواشنطن في يناير الفائت على تحسين الأوضاع، ولكن العلاقة ستظل صعبة طالما أن هناك كثيرا من الصينيين يعانون من غطرسة قائمة على النزعة القومية والاعتقاد الخاطئ بالانحدار الأمريكي

      في العام الفائت، عندما قطعت الصين المحادثات العسكرية مع أمريكا بعد أن قامت إدارة أوباما بتنفيذ عملية البيع التي طال توقعها للأسلحة الدفاعية إلى تايوان، سأل مسؤول أمريكي رفيع المستوى نظيره الصيني لماذا كان ردّ فعل الصين بهذه القوة على شيء كانت قد قبلته في الماضي؟، فكانت إجابة المسؤول الصيني: "لأننا كُنّا ضعفاء وقتئذٍ ونحن الآن أقوياء".

      وفي زيارة لي مؤخرا إلى "بكين"، سألت أحد الخبراء الصينيين.. ماذا وراء هذه النزعة الحازمة الجديدة في سياسة الصين الخارجية؟، فكانت إجابته: "بعد الأزمة المالية، يعتقد كثيرٌ من الصينيين أننا في حالة صعود وأن الولايات المتحدة في حالة انحدار".

      وهؤلاء الصينيون ليسوا وحدهم في هذه الآراء؛ فهناك استطلاع للرأي جرى مؤخرا يظهر أن هناك من الأمريكيين من يعتقدون أن الصين ستكون هي القوة السائدة المهيمنة في غضون عشرين عاما أكثر ممن يعتقدون أن الولايات المتحدة ستظل محتفظة بهذه المكانة.

      بل إن بعض المحليين يذهبون إلى أبعد من ذلك ويجادلون بأن صعود الصين سينتج عنه صدام مشابه لذلك الذي كان بين ألمانيا الصاعدة وبريطانيا المهيمنة والذي قاد إلى الحرب العالمية الأولى منذ قرن مضى.

      ولكن ينبغي أن يكون المرء متشككا بشأن هذه الإسقاطات. فمازال أمام الصين طريق طويل لكي تلحق بالركب من حيث الموارد العسكرية والاقتصادية والقوة الناعمة. ولكن على النقيض.. فبحلول العام 1900 كانت ألمانيا قد تجاوزت بريطانيا. وحتى إن تجاوز إجمالي الناتج المحلي للصين نظيره الأمريكي في وقت ما في عشرينيات القرن الحالي فإنّ الاقتصادَين لن يكونا متساويين، حيث ستكون الصين ما زالت لديها مناطق ريفية شاسعة متخلفة عن النمو، وستكون بالتأكيد قد بدأت تواجه مشكلات ديموجرافية وتباطؤاً في النمو الاقتصادي. وكما يقول بعض الصينيين، فإنهم يخشون أن يتقدم بهم العمر قبل أن يتقدم بهم الثراء.

      إن الصين بعيدة كثيرا عن أن تُمثّل ذلك النوع من التحدي لأمريكا الذي كانت تمثله ألمانيا القيصرية عندما تجاوزت بريطانيا.

      ولكن كثيرا من الصينيين لا يرون العالم بهذه الطريقة. إنهم يعتقدون أن ركود العام 2008 مثّل تحوّلاً في ميزان قوة العالم، وأن الصين يجب أن لا تُبدي مراعاة كبيرة أو احتراما للولايات المتحدة حال انحدارها وتراجعها. لقد أسهمت هذه المبالغة في تقدير القوة إلى وجود سياسة خارجية صينية أكثر ميلا نحو الحزم وتأكيد نفسها في العامين الفائتين. ويبدو أن التحول في تصورات القوة قد جرّأ الحكومة الصينية، حتى وإنْ كانت هذه التصورات خاطئة.

      لقد اتبعت الصين على مدى سنوات نصيحة "دينج زياو بينج" بالابتعاد عن الأضواء، ولكن، ومع تعافيها الاقتصادي الناجح من الركود ومعدل نموها الذي بلغ 10 %، تجاوزت الصين اليابان كثاني أكبر اقتصاد في العالم العام الفائت، ومن ثم قام كثيرون في الصين بالضغط من أجل إنشاء سياسة خارجية أقوى. ويلقي البعض باللوم لذلك على الرئيس "هو جينتاو"، ولكن هذه الرؤية سطحية للغاية، حيث مازال كبار القادة يريدون اتباع استراتيجية "دينج" بعدم تعكير الصفو ولكنهم يشعرون بضغط واقع عليهم من أسفل من قبل التيارات القومية الصاعدة.

      لقد أثرت نزعة الصين التوكيدية الجديدة على علاقاتها مع آخرين بخلاف الولايات المتحدة. فقد أدت سياساتها في بحر الصين الجنوبي إلى وجود خوف بين دول رابطة أمم جنوب شرق آسيا، كما أدى رد فعلها المفرط على تصرفات اليابان بعد حادث اصطدام السفينة بالقرب من جزر "سينكاكو" المتنازع عليها إلى تأكيد طوكيو على تحالفها مع واشنطن. كما قامت بكين بإبعاد كوريا الجنوبية عنها عندما فشلت في انتقاد قصف كوريا الشمالية لجزيرة كورية جنوبية، ما أثار غضب الهند على قضايا تتعلق بالحدود وجوازات السفر، وأحرجت نفسها في أوروبا وأماكن أخرى برد فعلها المفرط على جائزة نوبل الممنوحة للمعارض المعتقل "ليو شياو باو".

      كيف سيكون مسار هذه الأمور في العام القادم؟ من المرجّح أن قادة الصين سيتراجعون إلى حد ما عن الموقف المفرط في الحزم الذي أثبت أنه مكلف جدا. ويجب أن تساعد رغبة "هو جينتاو" المعلنة في التعاون في مجالات مناهضة الإرهاب والحد من الانتشار النووي والطاقة النظيفة في تقليل التوترات، ولكن المجموعات المحلية القوية الهادفة للربح في صناعات التصدير وجيش التحرير الشعبي يريدون الحد من التعاون الاقتصادي والعسكري. والأهم، نظرا للنزعة القومية المتزايدة للشعب الصيني التي تبدو للعيان في المدونات، سيكون من الصعب على كبار القادة الصينيين تغيير سياساتهم تغييرا جذريا. لقد ساعدت زيارة "هو جينتاو" الرسمية لواشنطن في يناير الفائت على تحسين الأوضاع، ولكن العلاقة ستظل صعبة طالما أن هناك كثيرا من الصينيين يعانون من غطرسة قائمة على النزعة القومية والاعتقاد الخاطئ بالانحدار الأمريكي.

      ونظرا لأن كلا من الصين والولايات المتحدة تواجهان تحديات عالمية مثل: الاستقرار المالي، وأمن الإنترنت، والتغير المناخي، فإن البلدين سيجدان مكاسب كثيرة من العمل معا.

      ولكن للأسف أن التقييم الخاطئ للقوة قد أنتج غطرسة بين بعض الصينيين، كما أن الخوف بلا داعٍ من الانحدار بين بعض الأمريكيين وهذه التحولات في التصورات تجعل من التعاون أمرا صعبا.

      إن أي تنازل أمريكي تتم قراءته في بكين على أنه تأكيد لضعف أمريكا. ولكن مع مزيد من التصورات والسياسات الواقعية، لن تحتاج الصين والولايات المتحدة إلى تكرار تجربة ألمانيا وبريطانيا الكارثية منذ قرن مضى.

      * أستاذ بجامعة هارفارد، ومؤلف كتاب "مستقبل القوة".

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية