"جولدستون" والاعتداءات على غزة أخبار الشبيبة

    • "جولدستون" والاعتداءات على غزة أخبار الشبيبة

      بقلم - عيسى بن محمد الزدجالي

      *القضاء نعمة من النعم التي تتباهى بها الدول المتحضرة خلال الأزمنة المختلفة وعبر كل العصور لأنه المنصف والملجأ للكثيرين سواء من هم أصحاب نفوذ أو ضعفاء فميزته الأولى أنه "معصوب العينين" بمعنى أنه لا يرى الكبير أو الصغير..القوي أو الضعيف..الكل عنده سواسية..هكذا تعلمنا من أصحاب كلمة الحق في القضاء الناصع الذي يعيد الحق لأصحابه فيلجأ الشخص أو المجموعة أو الدولة إلى أصحاب الحق يبتغون في المقام الأول "العدل" الذي يسوي بين الناس ولابد لمن يشتغل بالقضاء أن يكون إنسانا له مقومات كثيرة وصفات يتحلى بها ويكون منصفا ولايهتم بمن يصدر ضده الحكم ولايبالي سوى بما تحتويه الأوراق والمستندات التي عليه أن يفحصها ويقرأ مابين السطور ويُعمل العقل في كل قراراته بعيدا عن "الهوى" وعن المآرب الشخصية مهما كانت إغراءتها لأن القضاء لا يضاهيه في الدنيا ملكوت، ولكن ذلك قد تم نسفه مؤخرا في القضية التي ما تزال تشغل العالم وهي الاعتداءت التي شهدها قطاع غزة منذ ثلاث سنوات.. البلد الذي يدخل التاريخ يوما بعد يوم بتضحيات رجاله ونسائه وشيوخه وأطفاله.

      *كان لابد من تلك المقدمة ونحن بصدد الحديث عن تقرير القاضي الدولي "جولدستون" الذي أثار موجة من الغضب سواء على المستوى العربي أو الدولي فلقد رأينا جميعا في الأيام الأخيرة بعض المواقف ومنها تراجع القاضي الجنوب أفريقي ريتشارد جولدستون الذي سبق وأدان إسرائيل لارتكابها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال العدوان على غزة قبل ثلاثة أعوام وبعدما قال جولدستون إنه على عكس ما جاء في تقريره فإنه يبدو أن إسرائيل لم تستهدف عمدا المدنيين.. الحقيقة ذلك اللغط في التعامل مع القضية الفلسطينية له من المواجهات الفلسطينية ما يتطلب توحيد الجهود بين القادة وكفانا صراعا متتاليا لا ينتج منه سوى إهدار الحقوق تلو الحقوق.. وكان موقف الجامعة العربية واضحا في هذا الشأن عندما طالبت بملاحقة مقترفي الجرائم بحق الإنسانية في غزة باعتباره حقا ثابتا ولا يمكن أن تلغيه أو تمس به مثل هذه المواقف التي عبر عنها تراجع القاضي ريتشارد جولدستون مؤكدة ضرورة قيام كافة المؤسسات والهيئات العربية والدولية بمتابعة ما ورد في تقريره وصولا للنتائج المرجوة.

      فلقد تفاجأ الجميع من أهل الساسة والمحللين للأوضاع في غزة بتراجع القاضي الذي كُلِّف من قبل الأمم المتحدة بالتحقيق في الحرب التي شنتها إسرائيل ضد قطاع غزة منذ ثلاث سنوات عن بعض خلاصات التقرير الذي قدمه واتهم فيه إسرائيل بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في القطاع.

      الحقيقة التي يعلمها الجميع بما فيهم الإسرائيليون والأمريكان وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي ذاته أن العدوان على غزة كان يراقبه المجتمع الدولي كله وشاهد على المآسي التي ارتكبت من العدو الإسرائيلي ويأتي ذلك التراجع من قبل القاضي صورة باهتة للغاية وصورة للالتفاف حول الواقع المر المأساوي الذي نعيشه هذه الأيام فلا أحد يعرف كيف تدار مثل هذه الأمور الدولية وتتدخل فيها عوامل ومؤثرات ومصالح ومآثر عديدة تجعل "الأبيض أسود" والعكس صحيح وهو صورة قاتمة نعيشها في عالم تسيطر عليه المصالح الشخصية والأهداف الكبرى للدول الكبرى.. تلك الدول التي تدعي دائما الحرية والديمقراطية وهي بعيدة تماما في الممارسات الحقيقية وعندما تختبر في الواقع تسقط فورا إن الرئيس أوباما كانت له عند العرب آمال كثيرة أظن أنها فقدت بريقها وفي طريقها إلى الانتهاء إذا لم يعمل على تغيير سياساته الرمادية التي يتبعها بشكل كبير بخاصة في "الشرق الأوسط".

      نقول وكلنا ثقة إن تراجع جولدستون لن يؤثر في الواقع الفلسطيني لأن التاريخ شاهد وشهادة التاريخ لا تلغى بالتقادم.. ولا يستطيع أن يلغيها "جولدستون" أو "دايموند ستون" أو "ايرون ستون".

      القتل والدمار والقهر الذي يمارسه الجيش الإسرائيلي على العزل من السلاح سوف يأتي التاريخ الذي يقول فيه العرب إنهم كانوا الأقوى رغم فارق التسليح لأن العبرة في النهاية والحقيقة التي نعرفها جميعا أن تشبث الشعب الفلسطيني بحقوقه ثابتة ومعروفة للجميع مهما كان الجبروت الذي يمارس ضده من قبل العدو المتغطرس والذي يجد دعما كبيرا من القوة الكبرى في العالم وأخيرا من "جولدستون" بتراجعه.. وسمعنا جميعا مؤخرا نبأ تناقلته وكالات الأنباء عن قبول "جولدستون" دعوة لزيارة إسرائيل وذلك بالطبع بعد التراجع فهل يزور بالفعل تل أبيب هذا ما سوف تنبئنا عنه الأيام.

      إن الأسباب التي ساقها "جولدستون" ومبرراته للتراجع جاءت أيضا مخيبة للآمال حيث ذكر في معرض هذه الأسباب بأنه أخطأ وتسرع في كتابة التقرير الذي وضعه عن تطورات الأوضاع في قطاع غزة واتهامه لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب خطيرة في حق المدنيين الفلسطينيين.. ويزعم في تراجعه أن إسرائيل كانت تدافع عن نفسها من هجمات حركة حماس التي تصاعدت قبل عملية الرصاص المصبوب مبررا بذلك قتل المدنيين الأبرياء ومبررا استخدام تل أبيب "الفوسفور الحارق" وقنابل (دايم) التي تدمر أنسجة الجسم وأسلحة ممنوعة دوليا.

      بدون أدنى شك هناك العديد من الأسرار وراء هذا التراجع ولابد أن الأيام سوف تكشف الخفايا وسوف تكشف أيضا الدول التي تدخلت في هذا الأمر والتي هان عليها ما حدث ويحدث حتى اللحظة في "غزة المناضلة".. هناك "ويكليكس" وما يمكن أن تكشفه من خفايا وفضائح وما خفي كان أعظم ولعل التاريخ الحالي أو القادم سيكشف تلك الأسرار فلابد أن هناك أسبابا لكن مهما كانت الأسباب فالتراجع كان معيبا وغير مبرر بكل المعاني.

      العرب مطالبون بالتكاتف ونحن مرارا نقول إن قوة العرب في اتحادهم وسبل كشف الاعتداءات على غزة سجلتها كل العدسات سواء العربية أو الأجنبية ولكن المهم أكثر من الإثبات أن تكون هناك قوة عربية لها تأثيرها في المجتمع الدولي حتى يعمل لها حساب وبدون التجمع العربي في كيان موحد ستظل إسرائيل تعربد في المنطقة معتمدة كل الاعتماد على الحماية الأمريكية المعلن عنها صراحة في كل مكان ونحن مازلنا نتصارع على الكراسي "الرئاسية".

      لابد من الاتفاق على كلمة واحدة وأن يكون الهدف واحدا في العالم العربي -الذي ينشغل عدد ليس بالقليل منه بكراسي السلطة- والمؤسف أن القضية الفلسطينية تتراجع في الاهتمامات ولكن كلنا أمل بأن يتم التحقيق دوليا في المجازر الإسرائيلية التي ارتكبت وترتكب حتى اللحظة على الشعب الفلسطيني سواء في غزة وكل المناطق المحتلة ونؤكد أن الاعتداءات واضحة كالشمس ولا تحتاج إلى "جولدستون" أو غيره.

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية