فن التفاوض أخبار الشبيبة

    • فن التفاوض أخبار الشبيبة

      أوليفر كام

      في التفاوض، نميل عادة الى الافتراض بأن ما يقوله أطراف التفاوض من خلال كلماتهم هو الأكثر أهمية. لكن البحوث الحديثة التي تمت على فن التفاوض تشير الى أن المعلومات المرسلة عن طريق حواس أخرى، تحديدا من الرؤية و اللمس، يمكنها أن تؤثر كثيرا في قراراتنا وأحكامنا خلال التفاوض وبعده، حتى من دون أن نعي هذا. وفي الواقع، يمكن لفيضان المعلومات المنقولة لنا عن طريق الحواس، من لمعة خاطفة في عين من نحدثه الى ململة المتحدث أو المستمع من كرسيه غير المريح له، يمكن لهذا الفيضان من المعلومات أن يجعلنا، من الناحية الأخرى، غير قادرين على التركيز على ما هو مهم حقا.

      لكن عندما نقرر ما إذا كنا سنثق في الطرف الأخر في التفاوض، تكون للتعبيرات التي تظهر على وجهه أهمية كبيرة، بحسب ما أشارت اليه دراسة قامت بها الباحثة جيروين ستوتين من جامعة ليفين البلجيكية والباحث ديفيد كريمر من كلية روتردام لإدارة الأعمال، في هولندا. وفي واحدة من التجارب التي قاما بها، طلب الباحثان من بعض طلاب الجامعة أن يشاركوا بدور في "لعبة" اقتصادية تتضمن اتخاذ قرار بخصوص مدى الاستعداد لرهان على أن الطرف الأخر (الخصم) جدير بالثقة. وسيكسب الطالب في حال أن راهن على أن الخصم جدير بالثقة، واتضح أن هذا هو الواقع، سيكسب مبلغ 10 يورو، لكنه لن يكسب شيئا لو ثبت أن الخصم غير جدير بالثقة.

      وتم عرض صور لخصم مبتسم على بعض الطلاب المشاركين في اللعبة، وتم عرض صور نفس الخصم لكنه غاضب وحانق على بعض الطلاب الأخرين. وفي الواقع لم يكن الطلاب يعرفون أنهم يلعبون لعبتهم هذه مع جهاز حاسوب. وقرأ بعض الطلاب رسالة قال فيها الخصم، المبتسم أو الغاضب، إنه يريد التعاون معهم في هذه اللعبة. وقرأ طلاب أخرون رسالة أخرى قال فيها نفس الشخص، المبتسم أو الغاضب، إنه يريد حصاد أكبر قدر ممكن من المكسب لنفسه. وبينت النتائج أن الطلاب رأوا أن الخصم "المبتسم" أكثر أمانة وصدقا وأجدر بالثقة من الشخص "الغاضب"، بغض النظر عن الرسالة التي قالها. ونتيجة لهذه الثقة، تأثر الطلاب أكثر برسالة الشخص "المبتسم" أكثر من تأثرهم برسالة الشخص "الغاضب"، عندما جاء وقت اتخاذهم قرارا بشأن مدى رهانهم على جدارة الخصم بثقتهم في المرحلة التالية من اللعبة.

      وليس في هذه النتيجة مفاجأة، فنحن أكثر احتمالا أن نثق في شخص يبدو لنا سعيدا أكثر من الشخص الذي يبدو غاضبا. لكن الابتسامة أو تقطيبة الوجه ليست بالوسائل التامة غير المعيبة لنعتمد عليها وحدها في الحكم على مشاعر الشخص الأخر الحقيقية، ناهيكم عن أن نحكم من خلالها على جدارة الشخص بثقتنا من عدمها. فالابتسامة أو تقطيبة الوجه ليست مرآة صادقة لمشاعر الشخص. بالإضافة الى هذا، علينا أن ننتبه الى أن الناس عموما يميلون الى عدم الارتياح الى الشخص الذي يبدو- لكن ربما ليس بالفعل- غاضبا أو حانقا.

      وفي عدد من الدراسات، بحث كل من يوشع أكرمان، من معهد مساشوستس للتكنولوجيا، و كريستوفر نوسيرا، من جامعة هارفارد، و جون بارج، من جامعة يال، بحثوا كيف يمكن أن يؤثر الاحساس بالرفض أو الاعتراض المتجسد ظاهريا على خياراتنا وبشكل تعسفي من دون أن نعلم. في واحدة من هذه الدراسات، طلب الباحثون من بعض الأشخاص العابرين أن يقيموا مرشحا لوظيفة ما من خلال مراجعة سيرته الذاتية المكتوبة في بعض الأوراق. أما هؤلاء العابرون الذين أعطاهم الباحثون سيرة ذاتية لذلك المرشح المطلوب تقييمه مكتوبة في عدد كبير من الورق فقد مالوا الى الى الحكم على المرشح للوظيفة بأنه مناسب لها. أما هؤلاء الآخرون الذين أعطاهم الباحثون سيرة ذاتية لنفس الشخص المرشح للوظيفة لكنها مكتوبة باختصار في عدد قليل من الورق فقد مالوا الى القول بأنه أقل من أن يكون مناسبا للوظيفة. والنتيجة هي أن "الثقل المادي" للورق أثر في قرار المستطلعة آراؤهم من العابرين. إذن الشكل المادي الملموس له تأثير على قراراتنا دون أن ندري.

      وفي دراسة أخرى، أعطى الباحثون أنفسهم الفرصة لبعض الأشخاص العابرين في الشارع أن يختاروا بين أن يمسكوا قطعة من "الحجر الصلب" أو "بطانية ناعمة الملمس"- قالوا لهم بالطبع أن هذا جزء من خدعة سحرية كإحدى الفقرات التلفزيونية. ثم طلب الباحثون من هؤلاء الأشخاص أن يقرأوا رسالة تتحدث عن أخذ ورد يشوبه الغموض بين موظف ورئيسه في العمل. وقال الأشخاص ممن اختاروا حمل "الحجر الصلب" إن الموظف كان صلبا وصارما. أما من حملوا البطانية الناعمة فقالوا العكس. وفي تجربة أخيرة، جلس المشاركون إما على كراسي خشبية أو كراسي فاخرة لينة، بينما يقرأ كلهم نفس الرسالة المستخدمة في التجربة السابقة. أما من جلسوا على الكراسي الخشبية فقد رأوا أن الموظف أكثر اتزانا ورجاحة وأقل عاطفية من رئيسه، عما رأى هؤلاء ممن جلسوا على الكراسي الفاخرة اللينة.

      وفي الأخير، قد تزودنا الإشارات غير الشفاهية- غير المنطوقة- بمفاتيح مفيدة لنا لنعرف ما بداخل الطرف الأخر في التفاوض من مشاعر أو أفكار. وهذا هو السبب في أن المفاوضات التي تكون وجها لوجه هي أكثر نجاحا من تلك التي تتم بشكل غير مباشر- من خلال الهاتف أو التواصل الإلكتروني.

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية