هل عادت فرنسا؟ أخبار الشبيبة

    • هل عادت فرنسا؟ أخبار الشبيبة

      ميشيل روكار

      إن الأمر يحتاج اليوم حقاً إلى اقتناع الرأي العام العالمي بضرورة إنشاء آلية دولية فعّالة لمراقبة السلام وحقوق الإنسان. وقد بدأت فرنسا ذلك

      تُرى إلى أي مدى قد يكون من الصعب على كيان ما أن يمحو ماضيه كقوة استعمارية؟ لقد نالت تونس استقلالها منذ خمسة وخمسين عاما، واستقلت كوت ديفوار منذ واحد وخمسين عاما، ورغم ذلك تعود فرنسا مرة أخرى إلى الاضطلاع بدور حاسم في هذين البلدين. بطبيعة الحال، لم يقتنع العديد من الأفارقة بأن فرنسا قد تتحرك لمجرد الدفاع عن أرواح بضعة آلاف من مواطنيها، وليس لحماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، التي تكاد تكون كماً مهملاً في نظر الأفارقة ولا شيء على الإطلاق بالنسبة لفرنسا.

      لقد خَلَّف الضرر الذي ألحقته العبودية والاستعمار بهذه البلدان إرثاً بالغ القوة. ورغم أنها نجحت في تدبر أمورها لعقود من الزمان، فإن فرنسا مازالت ملتزمة بواجب الصداقة الذي يمنعها من النسيان ويفرض عليها أن تتبنى نمطاً معيناً من السلوك. إن كوت ديفوار تتمتع بثروة زراعية كبيرة (إلى جانب الذهب والماس والحديد)؛ وتمتلك تونس مخزوناً ضخماً من راسب الفوسفات؛ وليبيا لديها النفط؛ وكل البلدان الثلاثة تتمتع بمناخ معتدل نسبيا، ولكنها لم تشهد انطلاقة اقتصادية بعد الاستقلال. فلماذا؟

      زعم المؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي إيمانويل تود أن الانطلاقة الاقتصادية في كل مكان من العالم تبدأ عادة بعد ستين إلى سبعين عاماً من تمكن 50% من السكان من تعلم القراءة والكتابة. فضلاً عن ذلك، فكلما ارتفع متوسط سن الزواج بين النساء، كلما كان انتشار معرفة القراءة والكتابة أسرع. فكلما توفر المزيد من الوقت للمرأة للحياة بمفردها واكتساب المعرفة، كلما تعاظمت رغبتها وقدرتها على تمرير المعرفة لأبنائها.

      وكانت منطقة شمال ألمانيا ثم منطقة جنوب البلدان الاسكندنافية من أوائل المناطق التي شهدت انتشاراً غالباً لمعرفة القراءة والكتابة، والذي تبعته عملية تنمية اقتصادية أكثر سرعة بعد بضعة عقود من الزمان. وفي مثل هذه المناطق كان متوسط سن الزواج بين النساء نحو 23 سنة لبعض الوقت. أما في العالم العربي وأغلب أفريقيا فإن النساء يتزوجن في المتوسط في سن الخامسة عشرة تقريبا.

      وتمثل تونس ومصر وليبيا ثلاث حالات واضحة للغضب الشعبي الهائل ضد التخلف الاقتصادي والأنظمة الدكتاتورية التي استحقت اللائمة عن ذلك التخلف. والفارق الأكبر بين البلدان الثلاثة هو أن التنمية الاقتصادية في تونس ومصر كانت قد قطعت شوطاً طويلاً بالقدر الكافي لنشوء طبقة متوسطة من التجار والموظفين، وهي الطبقة التي بدأت التمرد والتي كان عدد أفرادها كافياً لإحراز النجاح ـ على الأقل في الإطاحة بالطغاة.

      أما ليبيا فهي دولة مختلفة تمام الاختلاف. فالغضب الذي يتغذى على البؤس ونقص الغذاء هناك شعبي وليس بورجوازي. والقوى المقاومة هناك محدودة للغاية، في حين تظل المؤسسة العسكرية ـ الأداة الرئيسية لتحقيق التقدم الاجتماعي للفقراء ـ في قبضة النظام الدكتاتوري. ومن غير الممكن أن ينجح التمرد بالاعتماد على ذاته؛ فمنذ البداية كان القمع الدموي الرهيب متوقعا.

      ولا تشبه كوت ديفوار شمال أفريقيا: فمتاعبها محلية وعرقية ودينية محضة. كان أول رئيس للجمهورية هناك، وهو فيلكس هوفويه بوانيي، قد انتخب عند الاستقلال في العام 1960، وظل في منصبه حتى وفاته في العام 1993 ـ وكان حريصاً بشكل دائم على بناء حكومات ينتمي ممثلوها إلى كل القبائل، وتتسم بالتوازن بين الجنوب الكاثوليكي والشمال المسلم.

      ولم يكن هنري كونان بيدييه، خليفة هوفويه بوانيي، يتمتع بموهبة سلفه وشجاعته. فقد اعتمد بيدييه على الكاثوليك في ترسيخ سلطته في البلاد، وأسس حكومته استناداً إلى العضوية القَبَلية. كما اخترع مفهوم الشرعية القائم على الهوية الإيفوارية، والتي كان المقصود منها إلى حد كبير حرمان مسلمي الشمال من أهليتهم بوصفهم أجانب، وذلك لأن قبائلهم تمتد إلى مالي وبوركينا فاسو.

      ولقد أشعلت هذه السياسة صراعاً كامنا، حيث انتهى انقلاب عسكري في العام 1999 إلى وضع الجنرال روبرت غويي على رأس السلطة. ولكن غويي استمر في السلطة لثلاثة أعوام فقط، حيث دفع اغتياله في العام 2002 الجانبين المتصارعين في البلاد إلى شفا الحرب الأهلية.

      في هذا المناخ المتوتر حُرِم المرشح الشمالي الحسن واتارا، المسلم والمسؤول الكبير السابق في صندوق النقد الدولي، حُرِم من حقه في خوض الانتخابات الرئاسية في العام 2005. ورفض الجنوبي لوران جباجبو الفائز آنذاك الاعتراف بهزيمته أمام واتارا في العام 2010، الأمر الذي أدى إلى اشتعال صراع عنيف والخوف من اندلاع حرب أهلية طويلة محتملة وعمليات إبادة جماعية.

      كانت مذابح المدنيين متوقعة في كل من ليبيا وكوت ديفوار. ففي الحالتين كان السؤال المطروح في باريس وغيرها من العواصم هو التدخل واجبا. وفي الحالتين كان لدى فرنسا مصحلة واضحة في عدم التدخل، حتى تمحو ماضيها الاستعماري (في كوت ديفوار بشكل خاص، مقارنة بليبيا التي كان مستعمرها الأوروبي إيطاليا). ولكن عشرات الألوف من المواطنين الفرنسيين يعيشون في كوت ديفوار. وكان لزاماً على فرنسا أن تحميهم.

      وفي ليبيا، أدى العنف الوحشي الذي تبناه العقيد معمر القذافي في التعامل مع الثوار إلى دفع الموقف هناك بقوة إلى الاندراج تحت اختصاص مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ولقد أعلنت الأمم المتحدة مؤخراً عن المسؤولية عن حماية المدنيين المهددين من قِبَل حكوماتهم. والآن أصبح المدنيون الليبيون تحت حماية القانون الدولي. ولم يتحقق ذلك إلا بصدور قرار دولي. والواقع أن تصويت لبنان لصالح التدخل العسكري في ليبيا لم يعمل على تعزيز شرعية التدخل فحسب، بل وأثار أيضاً بعض الشكوك في أن حتى إيران تدين وحشية القذافي.

      وبمجرد اتخاذ قرار التدخل، أصبحت فرنسا صاحبة أكبر قوات مسلحة في منطقة البحر الأبيض المتوسط الدولة الأكثر وضوحاً بين البلدان المتدخلة ـ وكان بوسع قِلة من البلدان الأخرى أن تنضم إليها، مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة. ومن المؤسف أن التضامن الدولي فيما يتصل بحماية السكان المهددين بالموت لم يتحقق بعد.

      ومكمن الخطر هنا هو أن القوى الإمبريالية السابقة، في الكثير من أنحاء أفريقيا، لا تزال موضع اشتباه بكونها لا تزال استعمارية، وهو ما قد يجعل من تطور القانون الدولي مجرد لعبة من ألعاب القوة. وتجلى هذا بشكل أوضح في كوت ديفوار: فالأمم المتحدة هي التي طالبت صراحة بأن تكون فرنسا، صاحبة القوة الأجنبية الوحيدة الموجودة هناك، هي القائمة على تنفيذ القرار الذي صادق على واتارا بوصفه الرئيس الشرعي المنتخب وأدان جباجبو باعتباره الغاصب. ولقد تولت فرنسا المهمة بشكل جيد، فكانت حريصة على سبيل المثال على ترك مسألة إلقاء القبض على جباجبو لقوات واتارا. وبهذا تجنبت البلاد الحرب الأهلية.

      إنه لغباء محض أن نتصور أن فرنسا تحاول استرجاع إمبراطوريتها البائدة. فلم تعد الإمبراطوريات البائدة تحمل أي منطق. والمشاكل الحقيقية اليوم تختلف اختلافاً شاسعاً تختلف عن المشاكل التي واجهتها الإمبراطوريات الاستعمارية في أوج قوتها، وبات من غير الممكن الآن التعامل مع هذه المشاكل بالطريقة الإمبريالية. والواقع أن الأمر يحتاج اليوم حقاً إلى اقتناع الرأي العام العالمي بضرورة إنشاء آلية دولية فعّالة لمراقبة السلام وحقوق الإنسان.

      *ميشيل روكار رئيس وزراء فرنسا الأسبق وزعيم الحزب الاشتراكي سابقا.

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية