بقلم - د.سعيد بن أحمد مشرح الشحري
يعتبر موضوع "تسوية منازعات الاستثمار بواسطة التحكيم التجاري" من أكثر المجالات القانونية تعقيداً بسبب حجم المشكلات التي يثيرها وصعوبة حلها، كما يعد من ناحية أخرى من أهم الموضوعات المعاصرة أهمية بسبب الدور الذي يلعبه في مجالات الأنشطة الاقتصادية.
ولا نجاوز الحقيقة إذا قلنا إن هذا الموضوع يرتبط بمعظم فروع القانون، سواء الخاص منها أو العام كما لا يخفى على أحد أن موضوع التحكيم خاصة عندما يتعلق بالتجارة الدولية يكتسي أهمية بالغة، ذلك أنه يعتبر الوسيلة الوحيدة المقبولة غالباً من طرف الفاعلين الدوليين لتسوية الخلافات الناتجة عن علاقاتهم التجارية، لأن المتعاملين بها يتمتعون بجنسيات مختلفة ويقيمون في مناطق متباعدة، وبالتالي قد يجهلون كل شيء عن القانون السائد في كل بلد، حيث إنهم لا يقبلون الاختصاص القضائي والتشريعي لبلد أجنبي، نظراً للسلبيات التي قد تعتريه.
ناهيك على أن الأطراف في علاقة التجارة الدولية تتحكم فيهم بواعث نفسية تدفعهم إلى عدم الثقة في القضاء، أو قانون الدولة الأجنبية، أو في الأهداف السياسية لشروط هذه الدول مما يدفعهم إلى رفض اختصاص القضاة الوطنيين للنظر في العلاقات التعاقدية وإحلال وسيلة التحكيم مكانه لتسوية المنازعات التي تنشب بينهم دون أن يصل الأمر إلى حد الإضرار بالعلاقات التي تربط بعضهم ببعض.
إضافة إلى ذلك لا يمكن لتفعيل الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة من أجل تهيئة مناخ صالح للاستثمار يتماشى مع سياسة الإصلاح الاقتصادي، إلا إذا واكبه تبني نظام بديل لفض المنازعات الذي يمكن أن يلعب التحكيم فيه دورا رائدا.
وعلة ذلك أن القوانين التي تطبق في مجالات الاستثمار لا تكفي وحدها لتشجيع الاستثمارات وإنما يمكن للنظام التحكيمي أن يتيح السبيل إلى سرعة الفصل في المنازعات التي قد تنشـأ بمناسبة العلاقات التجارية الدولية، فضلا على أنه يعطي الطمأنينة والثقة للمستثمرين لأنه يتفق مع القواعد الدولية، كما يهدف إلى التغلب على بطء إجراءات الفصل في الدعاوى.
إلا أنه رغم ذلك يظل التحكيم محل تشكك سواء على المستوى الدولي أو الوطني نظراً لمجموعة من الاعتبارات منها ما يتعلق بالشروط الموضوعية أو الذاتية؛ فالاتفاقيات الدولية المنعقدة في هذا الشأن ما يزال يحكمها عامل اللاتوازن التي تتميز بها العلاقات الدولية، خاصة أن هذه الاتفاقيات تم إبرامها في وقت ذات حساسية.
إضافة إلى أن التحكيم ما يزال يعرف في الدول العربية بالمحدودية نظرا لغياب تواتر فلسفة التحكيم لدى المستثمرين والدولة على حد سواء.
فالدولة ما زالت تتمسك بعنصر السيادة، حتى لا تقع على قدم المساواة مع المستثمر، وبذلك تتخلى عن وسائل القانون العام التي تمكّنها من وضعية أقوى من المستثمر وبالتالي تفرض عليه شروطا.
كما أن ارتباط التحكيم بأكثر من مركز قانوني يجعل التحكيم محل تساؤل فباستثناء الحالة التي يختار فيها المحكّمون القانون الواجب التطبيق فإن بعض الحالات الأخرى تخضع للسلطة التقديرية للمحكمين، مما يؤدي إلى تطبيق القانون الأجنبي على العلاقة القانونية محل النزاع، ومن ثم تكون هذه المكنة محل احتيال وغش تهدف إلى التهرب من القانون الذي يكون أصلا واجباً للتطبيق.
وإذا كان اللجوء إلى التحكيم فرضته المزايا التي يوفرها للمحتكمين خاصة السرعة والتحكم في المصاريف، فإنه يلاحظ أن ظهور التحكيم المؤسساتي، جعل ارتباط التحكيم بهذه المزايا محل تساؤل لأن فض النزاع أصبح يرتبط بإجراءات معقدة تستغرق مدة زمنية طويلة بناءً على لوائح المركز التحكيمي الذي أحيل عليه النزاع.
وإذا كانت هذه المسألة تضرب في الصميم مبدأ السرعة، فإن المسألة تتعقد أكثر حينما تتم مراجعة لوائح أنظمة التحكيم، حيث يلاحظ أن هذه المؤسسات تدرج في لوائحها التنظيمية مبالغ خيالية تكون بمثابة أتعاب للمحكمين والمركز في الوقت ذاته، وهو ما يجعل هذا اللجوء إلى هذا التحكيم يقتصر على الدول والمؤسسات الاقتصادية الكبرى، لأنه ليس في وسع المقاولات الصغيرة أن تتحمل تكاليف التحكيم، فيكون اللجوء إلى القضاء بالنسبة إليها أرحب من اللجوء للقواعد البديلة لحل النزاع "التحكيم".
ويعتبر النظام العام أهم عارض يعترض إرساء التحكيم كقواعد بديلة لحل النزاع وهو مفهوم يتغير من حيث الزمان والمكان والذي يستحيل تحديده.
ذلك أن مسألة النظام العام تجعل تنفيذ الحكم التحكيمي مسألة صعبة، ذلك أنه يسهل وقف تنفيذه في دولة معينة باسم فلسفة النظام العام، مما أدى إلى تبني مفهوم النظام العام الدولي حيث لا يصبح الحكم التحكيمي باطلا وغير قابل لتنفيذه، إلا إذا كان مخالفا للنظام العام الدولي الذي يولف بين جميع مبادئ النظام العام الداخلي.
عليه فإن نجاح هذا المعيار أصبح صعبا لأن هذا النوع من النظام يعمل على ضوء وجود أنظمة قانونية متقاربة في مرجعتيها، على عكس الواقع الدولي الحالي الذي يظهر وجود أنظمة قانونية مختلفة جذريا عن بعضها، ومن ثم يحتم على الدولة إعمال النظام العام الدولي والتخلي عن نظامها الخاص، لأن التحكيم التجاري الدولي لا يرتبط بأي دولة، بل هو متعلق بجميع الدول.
محام ومستشار قانوني
SAID0202@HOTMAIL.COM
أكثر...
يعتبر موضوع "تسوية منازعات الاستثمار بواسطة التحكيم التجاري" من أكثر المجالات القانونية تعقيداً بسبب حجم المشكلات التي يثيرها وصعوبة حلها، كما يعد من ناحية أخرى من أهم الموضوعات المعاصرة أهمية بسبب الدور الذي يلعبه في مجالات الأنشطة الاقتصادية.
ولا نجاوز الحقيقة إذا قلنا إن هذا الموضوع يرتبط بمعظم فروع القانون، سواء الخاص منها أو العام كما لا يخفى على أحد أن موضوع التحكيم خاصة عندما يتعلق بالتجارة الدولية يكتسي أهمية بالغة، ذلك أنه يعتبر الوسيلة الوحيدة المقبولة غالباً من طرف الفاعلين الدوليين لتسوية الخلافات الناتجة عن علاقاتهم التجارية، لأن المتعاملين بها يتمتعون بجنسيات مختلفة ويقيمون في مناطق متباعدة، وبالتالي قد يجهلون كل شيء عن القانون السائد في كل بلد، حيث إنهم لا يقبلون الاختصاص القضائي والتشريعي لبلد أجنبي، نظراً للسلبيات التي قد تعتريه.
ناهيك على أن الأطراف في علاقة التجارة الدولية تتحكم فيهم بواعث نفسية تدفعهم إلى عدم الثقة في القضاء، أو قانون الدولة الأجنبية، أو في الأهداف السياسية لشروط هذه الدول مما يدفعهم إلى رفض اختصاص القضاة الوطنيين للنظر في العلاقات التعاقدية وإحلال وسيلة التحكيم مكانه لتسوية المنازعات التي تنشب بينهم دون أن يصل الأمر إلى حد الإضرار بالعلاقات التي تربط بعضهم ببعض.
إضافة إلى ذلك لا يمكن لتفعيل الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة من أجل تهيئة مناخ صالح للاستثمار يتماشى مع سياسة الإصلاح الاقتصادي، إلا إذا واكبه تبني نظام بديل لفض المنازعات الذي يمكن أن يلعب التحكيم فيه دورا رائدا.
وعلة ذلك أن القوانين التي تطبق في مجالات الاستثمار لا تكفي وحدها لتشجيع الاستثمارات وإنما يمكن للنظام التحكيمي أن يتيح السبيل إلى سرعة الفصل في المنازعات التي قد تنشـأ بمناسبة العلاقات التجارية الدولية، فضلا على أنه يعطي الطمأنينة والثقة للمستثمرين لأنه يتفق مع القواعد الدولية، كما يهدف إلى التغلب على بطء إجراءات الفصل في الدعاوى.
إلا أنه رغم ذلك يظل التحكيم محل تشكك سواء على المستوى الدولي أو الوطني نظراً لمجموعة من الاعتبارات منها ما يتعلق بالشروط الموضوعية أو الذاتية؛ فالاتفاقيات الدولية المنعقدة في هذا الشأن ما يزال يحكمها عامل اللاتوازن التي تتميز بها العلاقات الدولية، خاصة أن هذه الاتفاقيات تم إبرامها في وقت ذات حساسية.
إضافة إلى أن التحكيم ما يزال يعرف في الدول العربية بالمحدودية نظرا لغياب تواتر فلسفة التحكيم لدى المستثمرين والدولة على حد سواء.
فالدولة ما زالت تتمسك بعنصر السيادة، حتى لا تقع على قدم المساواة مع المستثمر، وبذلك تتخلى عن وسائل القانون العام التي تمكّنها من وضعية أقوى من المستثمر وبالتالي تفرض عليه شروطا.
كما أن ارتباط التحكيم بأكثر من مركز قانوني يجعل التحكيم محل تساؤل فباستثناء الحالة التي يختار فيها المحكّمون القانون الواجب التطبيق فإن بعض الحالات الأخرى تخضع للسلطة التقديرية للمحكمين، مما يؤدي إلى تطبيق القانون الأجنبي على العلاقة القانونية محل النزاع، ومن ثم تكون هذه المكنة محل احتيال وغش تهدف إلى التهرب من القانون الذي يكون أصلا واجباً للتطبيق.
وإذا كان اللجوء إلى التحكيم فرضته المزايا التي يوفرها للمحتكمين خاصة السرعة والتحكم في المصاريف، فإنه يلاحظ أن ظهور التحكيم المؤسساتي، جعل ارتباط التحكيم بهذه المزايا محل تساؤل لأن فض النزاع أصبح يرتبط بإجراءات معقدة تستغرق مدة زمنية طويلة بناءً على لوائح المركز التحكيمي الذي أحيل عليه النزاع.
وإذا كانت هذه المسألة تضرب في الصميم مبدأ السرعة، فإن المسألة تتعقد أكثر حينما تتم مراجعة لوائح أنظمة التحكيم، حيث يلاحظ أن هذه المؤسسات تدرج في لوائحها التنظيمية مبالغ خيالية تكون بمثابة أتعاب للمحكمين والمركز في الوقت ذاته، وهو ما يجعل هذا اللجوء إلى هذا التحكيم يقتصر على الدول والمؤسسات الاقتصادية الكبرى، لأنه ليس في وسع المقاولات الصغيرة أن تتحمل تكاليف التحكيم، فيكون اللجوء إلى القضاء بالنسبة إليها أرحب من اللجوء للقواعد البديلة لحل النزاع "التحكيم".
ويعتبر النظام العام أهم عارض يعترض إرساء التحكيم كقواعد بديلة لحل النزاع وهو مفهوم يتغير من حيث الزمان والمكان والذي يستحيل تحديده.
ذلك أن مسألة النظام العام تجعل تنفيذ الحكم التحكيمي مسألة صعبة، ذلك أنه يسهل وقف تنفيذه في دولة معينة باسم فلسفة النظام العام، مما أدى إلى تبني مفهوم النظام العام الدولي حيث لا يصبح الحكم التحكيمي باطلا وغير قابل لتنفيذه، إلا إذا كان مخالفا للنظام العام الدولي الذي يولف بين جميع مبادئ النظام العام الداخلي.
عليه فإن نجاح هذا المعيار أصبح صعبا لأن هذا النوع من النظام يعمل على ضوء وجود أنظمة قانونية متقاربة في مرجعتيها، على عكس الواقع الدولي الحالي الذي يظهر وجود أنظمة قانونية مختلفة جذريا عن بعضها، ومن ثم يحتم على الدولة إعمال النظام العام الدولي والتخلي عن نظامها الخاص، لأن التحكيم التجاري الدولي لا يرتبط بأي دولة، بل هو متعلق بجميع الدول.
محام ومستشار قانوني
SAID0202@HOTMAIL.COM
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية