الثورات العربية والنظام العربي: التفكيك

    • الثورات العربية والنظام العربي: التفكيك

      د. خالد الحروب – جامعة كامبردج

      ما تزال الثورات العربية في مرحلة الفوران وعدم الاستقرار، ذاك أن بعضها نجح في إزالة الأنظمة المستبدة وبعضها الآخر ما يزال في ذروة المحاولة والبعض الثالث تم قمعه بصورة وقتية أو تجميد أسبابها بمسكنات مالية هائلة. وحتى الثورات التي انجزت أحلام شبابها وشعوبها في انتزاع حريتها وكرامتها، مثل مصر وتونس وإلى حد ما ليبيا، فإنها وبطبيعة الأمور غرقت في شؤون ترتيباتها الداخلية وصوغ شرعيات سياسية جديدة متوافق عليها تقوم على انقاض الدكتاتوريات المنقضية.

      في خضم هذه السيولة الراهنة في أحداث كبرى وقعت ولا تزال تقع في بلدان عربية عدة وكبرى يبدو النظام العربي والإقليمي كسفينة تتلاطمها أمواج هائجة لم تستقر بعد، ومن الصعب التكهن بالوجهة النهائية التي سوف تتجه اشرعتها إليها.

      ولا يقتصر استقرار (أو عدم استقرار) السفينة الإقليمية على طبيعة الديناميات الخاصة بها، بل هناك عناصر العلاقات الدولية ومصالح الدول العظمى في المنطقة التي تتدخل وتريد للنظام الاقليمي في مرحلة ما بعد الثورة ان يتشكل وفقا لمصالحها، أو على الأقل ليس على الضد منها. ذلك كله، سواء ما تعلق منه بآليات التحول الداخلي الحادة أو مؤثرات التدخل الخارجي القوية، هو في طور السيرورة وليس الانتهاء على شكل ما. لذلك من الضروري التريث عند محاولة تحليل ما يمكن ان تؤول إليه صيغة النظام العربي قيد التشكل وتفادي الزعم بالقدرة على رسم شكل دقيق أو شبه دقيق لما سيؤول إليه هذا النظام بعد ان ارتجّت اساساته كليا تحت وطأة زلزال وتسونامي الثورات العربية. كل ما يمكن الطموح إليه هو تقديم ملاحظات اولية وتقديرية تجمل التداعيات الاساسية لهذه لثورات على النظام العربي كما عرفناه خلال السنوات القليلة الفائتة، وتندرج هذه السطور في هذا السياق محاولة استشراف بعض ملامح المرحلة القادمة – مجرد استشراف.

      * تبعثر محوريّ "الاعتدال" و"الممانعة"

      اول تداعيات الثورات العربية على النظام العربي الذي ساد حتى وقت قريب هو انهيار الشكل الاستقطابي العام الذي بُني على اساس محوريّ "الاعتدال" و"الممانعة". نعرف ان مصر المباركية كانت الركن الاساسي لمحور "الاعتدال" والذي كان عمليا يمثل الواجهة العربية المقربة من السياسة الامريكية، إن لم نقل تمثيلها الحقيقي، في المنطقة. مصر المباركية انهارت ومعها انهار عملياً، ولو مؤقتا الشكل التقليدي الذي عرفناه لمحور الاعتدال.

      ونعرف ايضا ان سوريا البعث كانت تمثل الركن العربي الاساسي لما يعرف بمحور "الممانعة"، وهو الذي مثّل الواجهة العربية المعارضة للسياسة الامريكية ولو شعاراتيا ولفظيا وانتهازيا. سوريا البعث هي الآن قيد الانهيار أو التغير الجذري الذي سوف ينهي ولو مؤقتا الشكل التقليدي الذي عرفناه لمحور الممانعة.

      المؤشرات الاولية للسياسة الخارجية لمصر ما بعد الثورة تشير إلى موقع وسط بين محوريّ الاعتدال والممانعة التقليديين – اقل انصياعا للضغوط والسياسة الامريكية لكن ليست في موقع الضد أو العدو (الممانع) منها. ويمكن المغامرة بالقول ان سوريا ما بعد الثورة، وسواء انهار النظام فيها ام لم ينهر، سوف تتحرك باتجاه نفس المربع الذي اتجهت إليه مصر الثورة، لكن من الطرف الآخر، حيث ستكون اقل شعاراتية وتوظيفا لمسألة المقاومة خاصة بعد انكشاف خواء الشعار وحقيقة توظيفه وان "المقاومة" وخطابها لم يكونا سوى ادوات لإيجاد شرعية للنظام القائم. بقية "الاعضاء" في هذين المحورين، الاعتدال والممانعة، سواء دول ام منظمات سوف يتأثر موقفها بشكل كبير بسبب التغيير الجذري في موقع وطبيعة "العضو الاساسي".

      * أولا: قيام كتلة "محور الخليج الموسّع"

      على انقاض التبعثر والانهيار لمحوريّ الاعتدال والممانعة قد تقوم اشكال اقليمية جديدة مكوناتها الاساسية خليط علاقات ووحدات (انظمة وحركات وتيارات) مما قد تبقى من النظام العربي المتفكك ومما قد نشأ حديثا في اعقاب الثورات العربية.

      ومرة اخرى ما يزال التبلور النهائي لمواقف وسياسات الوحدات المكونة للشكل أو الاشكال الجديدة قيد الحدوث، لكن في إطار هذا التبلور يمكن تلمس بروز تكتلات أو توجهات عامة تؤثر في شكل الإطار العام للنظام العربي الجديد واهمها الآن ما يحدث في منطقة الخليج.

      وهنا ربما امكن القول ان اكثر تداعيات الثورات العربية على النظام العربي وضوحا يتشكل عملياً في إطار وحول مجلس التعاون الخليجي. فـ"المجلس"، في سياق الاستجابة السريعة والاحتوائية للثورات ومنتجاتها، يدخل الآن طورا من التبدل السريع اهم جوانبه الاتساع في ما وراء جغرافيا دول الخليج العربية، وعدم إخضاع نمط التعاون والاندماج السياسي والاقتصادي فيه إلى شرط القرب والتواصل الجغرافي. لا نستطيع حتى الآن تحديد عمق هذا التبدل أو مدى الوعي بانعكاساته أو حتى مدى التوافق الداخلي عليه.

      لكن الشيء شبه المؤكد والذي تتشكل حوله مؤشرات متزايدة يتمثل في محاولة تقوية مجلس التعاون الخليجي وتمتين بنيته الداخلية وعلاقاته الاقليمية كإجراء استراتيجي وقائي يحمي دول الخليج من اية مفاجئات مستقبلية، وقد تجسد ذلك في الدعوة المفاجئة للاردن والمغرب للانضمام إلى المجلس.

      ويمكن تحليل هذه الخطوة، على مستوى اكثر تفصيلا، من عدة زوايا: "اولها" التغير الذي وقع في مصر والاحساس الخليجي بأن مصر ما بعد الثورة لن تكون نفس مصر المباركية من ناحية السياسة الخارجية القريبة وشبه المتطابقة مع سياسة مجلس التعاون الخليجي، بما يعني انكشافا في الإسناد الاقليمي لدول المجلس وسياساتها الخارجية. و"ثانيها" تفاقم التهديدات الايرانية إزاء الخليج والتي توازت مع الاحتجاجات الحادة التي وقعت في البحرين وما رافقها من اتهامات بالتدخل الإيراني. "ثالثها" اهتزاز الثقة الخليجية بالسياسة الامريكية ومدى دعمها للانظمة القائمة في ظل انتقادات خليجية لواشنطن بسرعة تخليها عن حلفائها في تونس ومصر في مواجهة الثورات الداخلية في بلدانهم، مما ولد شعورا بالقلق والحاجة إلى بناء استراتيجيات تعتمد على الذات وعلى الحلفاء العرب (الاردن والمغرب في هذه الحالة). يُضاف إلى ذلك ما أشيع عن الرغبة في الاستفادة من الخبرات الاستخباراتية وقوات التدخل السريع الاردنية تحديدا وهو البلد القريب من دول مجلس التعاون والذي له تاريخ تقره دول الخليج في هذا المضمار.

      بيد ان تشكل "محور الخليج الموسع" قد يتجاوز الأردن والمغرب إلى بلدان اخرى، اولها ليبيا ثم اليمن وربما سوريا. فمن الواضح الآن ان ليبيا القذافي، التي كانت محيرة دوما في التصنيف، وإن كانت لفظيا وشعاراتيا تصنف نفسها في خانة دول الممانعة والمقاومة، سوف تتشكل في حقبة ما بعد القذافي قريبا من "محور الخليج الموسع" الذي هو الآن قيد التبلور. فدول مجلس التعاون الخليجي وقفت ومنذ بدايات الثورة الليبية إلى جانب الثوار، دبلوماسيا، وسياسيا، وعسكريا ايضا. والمجلس الانتقالي الذي يتحدث باسم الشرعية الليبية الجديدة يحمل جميلا كبيرا لدول الخليج وبالتالي من المتوقع ان تكون السياسة الخارجية لليبيا ما بعد الثورة قريبة من السياسة الخليجية.

      ينطبق الامر وإن بدرجات مختلفة على اليمن، لكن من السابق لأوانه التكهن بمسار الامور هناك. وكذا الامر بالنسبة لسوريا، اذ ربما ينشط في المراحل الاخيرة من الثورة دور خليجي يستهدف إلى استقطاب سوريا ما بعد الثورة إلى الفلك الخليجي. وقد ينطبق ايضا على تونس خاصة اذا ما اشتغلت الاقتصاد السياسي الخليجي على احتواء تونس ومساعدة اقتصادها على معاودة النهوض في مرحلة ما بعد الثورة. لا يعني ذلك ان انظمة ما بعد الثورات العربية سوف تكون في حضن الخليج ومجلس تعاونه لكن ليس من المستبعد ان تكون قريبة جدا منه، وكل منها لأسبابه الخاصة به. Email: khaled.hroub@yahoo.com

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية