قلب واحد (سلسلة اكسفورد لافضل القصص)

    • قلب واحد (سلسلة اكسفورد لافضل القصص)

      قلب واحد (سلسلة اكسفورد لافضل القصص)
      قصة: أليسون بيكر*
      ترجمة: محمد عيد العريمي

      كانت قد مضت أسابيع على بدء الدراسة عندما أعلنت مسز نانسي عن التحاق توأمين سياميين بصفنا، وذكّرتنا أنه يتعين علينا أن نكون ودودين معهما: "نريد أن يشعرا وكأنهما بين أصدقائهما، أليس كذلك؟". كانت مسز نانسي ضخمة وبدينة، ولها شعر ذهبي متجعد، تدلت بعض خصلاته على وجهها. ثم قالت وهي تنظر في وجوهنا: "نريدهما أن يكونا سعيدين، ونعاملهما على نحو عادي كما يعامل كل واحد منكما الآخر".

      وفي صباح اليوم التالي، كان أول ما شاهدناه عند دخولنا غرفة الصف كرسياً متحركاً مزدوجاً أوقف في نهاية صف المقاعد الثاني ـ شكل مخيف بحد ذات. كان يجلس عليه صبيان أسودان: أحدهما له هامة ضخمة ويستند على عدة وسائد، وآخر جلس إلى جانبه، ولكن حجم رأسه كان عاديا. وبدا وكأن الواحد منهما يعانق الآخر. هذا الأخير كان يبتسم ابتسامة عريضة جميلة كشفت عن أسنان ناصعة البياض لم أر مثلها من قبل قط!

      وقالت مسيز نانسي أن اسميهما كليرواتر ولاتيموس دورسي. "وأن الأطباء اكتشفوا عندما ولدا أن لهما قلب واحد يضخ الدم إلى جسميهما معاً". ولكن المؤسف أن الجزء الأعظم منه، كما عرفنا لاحقا، يوجد في جسم كليرواتر، التوأم البليد، الذي كان لا يكف الابتسام كطفل في أحضان أمه! ولم ينطق بكلمة ـ كما عرفنا لاحقاً من شقيقه ـ حتى بلغ الرابعة من عمره، لكنه في ذلك اليوم لم يصدر منه سوى كلمات مبهمة وشبه جمل وتنهدات وحركات من يديه.. كان يستند إلى الخلف مبتسماً.. ضعيفاً، أكثر شحوباً من توأمه، وكان لونهما كالشوكلاته البنية وشعرهما أسودا لامعا.

      لاتيموس كان ذكياً ونشطاً وصاخباً. "أنا أستطيع المشي"، قال لكل تلميذ يدخل من باب الصف. "إنه كليرواتر الذي لا يقدر على المشي، أنا أستطيع أن أمشي بجانبه إذا رغبت"، هكذا ظل طوال اليوم يشرح علاقته الأزلية بشقيقه السيامي لكل من يقف ينظر إليه أو يختلس النظر.. مؤكدا في كل مرة أنه يختلف عن أخيه!

      أما كليرواتر فكان يهز رأسه وكتفيه. لم يكن وجهه يعبر عن شيء، لا عن السرور والرضا ولا عن السخط والغضب، ولا حتى عن الاهتمام بما كان يجري.. كان ينظر حوله كيفما اتفق وعيناه ترفرفان بحيرة، ولكن لا أحد يعرف ماذا كان يدور في رأسه: هل كان يعترض على كلام أخيه أم يتفق؟!

      جلسنا في مقاعدنا وخيم الصمت على المكان.. حاولنا ألا ننظر إلى حيث يجلس التوأمان السياميان. بينكلي بيلتشر كان مضطرباً إلى درجة أنه بلل سرواله، فأرسلته مسز نانسي إلى غرفة الممرضة لكي تستدعي أمه لإحضار ملابس جافة له. لم يضحك عليه أحد، ولا أحد علق غير لاتيموس الذي قال بصوت مرتفع: "أنا لا أبلل سروالي، وإذا بللت سروالي سيتحطم قلب أمي. إنه كليرواتر الذي لم يتدرب على استخدام المرحاض". باربره نيكسون لملمت ضحكتها، وهمست في أذني: "لاتيموس يبدو كفرخ الطير أما كليرواتر فهو لا يزال بيضة لم تفقس بعد".

      في نهاية الأسبوع تحول تلاميذ المدرسة كلهم إلى توائم سيامية. ففي الملعب كان التلاميذ ملتصقين بعضهم ببعض عند الصدر: يمشون على جوانبهم ويلعبون حجلة السياميين ويتسلقون عوارض النسناس أزواجاً.

      وبعد فترة، قرر بعضهم أنه يمكن الالتصاق في أي مكان آخر غير الصدر، فكانوا يمشون وهم ملتصقون في أماكن أخرى من أجسامهم: عشرات التلاميذ كانوا يمشون في الشارع أثناء عودتهم من المدرسة ملتصقين إصبع بإصبع، وكتف بكتف، وخد بخد، وركبة بركبة، لكنهم كانوا يفترضون دائماً أن القلب سيكون في مكان الالتصاق. فأنت دائماً تشترك بقلب واحد مع توأمك السيامي!

      أصبح لاتيموس خلال الفرص يحظى باهتمام الجميع، وكليرواتر يبتسم إلى جانبه وهو يحكم قبضته على عبوة الحليب ويشرب منها بالماصة؛ وبين فترة وأخرى كان لاتيموس يعطيه قطعة بسكويت، إذ أنه لا يستطيع، بسبب ثقل رأسه، الانحناء إلى الأمام لالتقاطها. وكان لاتيموس يلتفت مزهواً بنفسه وهو محاط بمجموعة من تلاميذ المدرسة ، فكان يقل:
      ـ ربما أكون عبقرياً في الرياضيات، إنه الشيء الوحيد المميز الذي تراه أمي.
      أما عندما سألته باربره: "ما يعني بذلك؟"، رد بعد أن مسح فتات البسكويت عن وجه أخيه بعناية وعدّل من وضع احدى الوسائد التي كانت تسند رأسه:
      ـ أنا أستطيع حساب الجذور التربيعية للأرقام.

      "ألا تستطيع أن تكون بمفردك؟"، سأله جاك تارنبول. "ألا يمكنك أن تذهب إلى الحمام بنفسك؟" أردف ركي بوب. ولم يتحرك أحد من مكانه، كنا نتوق شوقاً
      لمعرفة الإجابة. "لا..". قال لاتيموس، وهو يصر أسنانه التي كشفت عن لثة بنفسجية اللون، ثم فجأة مال إلى الأمام وابتسم إلى باربره التي ابتعدت برأسها. فقال جاك مازحاً: "أول الحب نظرة ثم ابتسامة، فزواج". كان من الصعب تخيل باربره وهي تدفع أمامها حاضنة طفل وكرسياً متحركاً مزدوجاً. وقال لاتيومس، بعد أن هدأت الضجة والضحك الذي أثاره وهو يبتسم: "أنا أوزع ابتساماتي على الجميع.. أنا ملك الابتسام".

      السيد فينيس كيوانس تبرع بدفع رسوم درس خصوصي في الرياضيات للاتيموس في المدرسة الثانوية، في حين وفر السيد ستيفنز صاحب محلات ستفينز للأثاث سيارة الشحن التي يقودها السائق الأسود برينس ألبرت لنقلهما إلى هناك. وفي كل يوم خميس كان إثمان منا يتكفلان بدفع الكرسي من الصف إلى المدخل الرئيس للمدرسة حيث ننتظر هناك معهما وصول برينس ألبرت.

      وكان برينس يحييهما كل مرة بنفس التحية المرحابة: "كيف حال كوزي السكر اليوم؟ هل أمضيتما يوماً طيباً في المدرسة؟"، فيجيب لاتيموس: "أخذنا درس الموسيقى اليوم أو ذهبنا إلى المسرح. ويعلق برينس: "أهو كذلك إذا"ً. فيصدر كليرواتر صوتاً كالمواء.. ويربت برينس على كتفه. ثم يلتفت إلينا، ويقول: "هذان هما مساعداكما لهذا اليوم". ويضيف وهو يغمز عينه لنا: "خادماكما". ونهز رأسينا فخورين، ثم ندفع الكرسي إلى الرصيف حيث أنزل برينس المنحدر من خلف الشاحنة، وندفع الكرسي إلى داخل الشاحنة بمساعدة برينس ألبرت الذي يوثق وضع الكرسي بالأحزمة خلف مقعد السائق. ومن عادته أن يقول بعد أن ننجز ذلك "أحسنتم العمل سيجزيكما الله خيراً في الآخرة". وننزل من المنحدر بسرعة حيث نقف نراقب الشاحنة وهي تتحرك مبتعدة إلى المدرسة الثانوية، ثم نعود إلى غرفة الصف بدون التوأمين السياميين.

      بعد إجازة أعياد الميلاد عاد التوأمان السياميان إلى المدرسة متأخرين. وصرخ لاتيموس وهما يدخلان إلى الغرفة بصوت عال:"لقد أصبح لي قلب خاص". وكان لديهما كرسي جديد أيضاً، كان كليرواتر لا يزال وسط وسائده إلا أن لاتيموس لم يكن يجلس بجانبه وإنما كان يمشي بين عجلتي الكرسي ممسكاً بعارضة ويدفع الكرسي بنفسه.

      "لقد ذهبا لمراجعة طبيب في مدينة شيكاغو"، قال لاتيموس وهو يشير إلى مكان التصاق جسديهما: "هنا الإثنان معا، قلب لكل واحد منا. لقد استطاع أطباء المدينة الكبيرة بفضل أجهزتهم المتطورة اكتشاف قلب ثان ـ ضعيف ولكنه واضح". "هل هذا يعني أنكما ستنفصلان؟"، سألت باربره، التي أصبحت صديقة لاتيموس ولكنها لا تزال تصرخ عندما يحاول التودد إليها. وبحركة متصنعة أجاب:
      ـ ربما، ثم انحنى إلى الأمام ليتفحص حزام الأمان المربوط حول خاصرة كليرواتر. وقال:
      ـ أنظروا إلى هذا الكرسي، سيساعدني على التمرين كثيراً.

      لم يكن لاتيموس يدفع الكرسي الجديد فقط، بل كان ينطلق به بسرعة في ممرات المدرسة وصالة الألعاب. كما أنه اشترك به في مسابقات المعاقين، حيث لعب هو دور اللاعب سوي البدن مع كليرواتر اللاعب المعاق. وعندما حل الربيع اشترك معنا في لعبة كرة "السوفتبول" بقوانين جديدة وضعها بنفسه: عندما يأتي دوره لضرب الكرة، يتعين على رامي الكرة أن يرميها بهدوء، وإذا وفق في تسديدها فإن لاعب القاعدة يجب أن يعد إلى سبعة قبل أن يرمي الكرة حتى يتسنى له العدو قبل أن تبلغ الكرة الخصم. كان كل ذلك يجري وكليرواتر إلى جانبه يقفز ويصرخ ويصفق بفرح.

      وفي أحد الأيام أثناء الفرصة كنت أركض صوب حمام البنات عندما اصطدمت بكليرواتر ولاتيموس وهما خارجان من غرفة الأولاد. اضطربت من الحياء فجأة، فأنا لم أتواجد معهما بمفردي من قبل. فقال لاتيموس محيياً:
      ـ مرحباً يا فيرا.
      فأجبته: "مرحباً يا لاتيموس.. مرحبا يا كليرواتر". كنت قريبة منهما إلى درجة أني لاحظت لأول مرة أن شعر أهدابهما كان مجعداً أيضاً.
      قال لي لاتيموس: "قلبي أصبح قوياً جداً يا فيرا". ثم تقدما نحوي إلى حيث وقفت أفسح لهما الطريق للخروج. وسأل: "هل تريدي أن تجسي نبض قلبي؟.

      لم أرفض دعوته ولا قبلتها أيضا، ولكنه اعتبرها موافقة ـ وهي سمة اكتشفتها في بعض الرجال لاحقاً ـ وأشار إلى موضع قلبه، وقال: "هنا". وأمسك بيدي ووضعها فوق صدريهما، ثم سأل وهو ينظر إليّ بلهفة:
      ـ هل تشعرين به يا فيرا؟.
      ـ "أعتقد ذلك". همست، وفي الحقيقة لم أشعر سوى بحرارة جسميهما وحرارة يدي، ولكن ذلك كان أول هدية يقدمها صبي لي، فلم أشأ أن أردها له.
      ـ "إنه قوي للغاية". قال مرة ثانية، ثم انحنى إلى الأمام وأمسك يدي. كانت رائحته كرائحة العشب الملقى تحت أشعة الشمس طوال اليوم. وقال:
      ـ "أنت أيضاً يمكن أن تصبحي صديقتي". وابتسمت لكليرواتر الذي كان ينظر إليّ بخبث.

      ما لم يتوقعه أحد هو أنه كلما ازداد لاتيموس قوة ازداد كليرواتر قوة أيضاً. ففي أحد الأيام لاحظت مسز نانسي أن كليرواتر ينتبه لها. فسألت لاتيموس، فأجاب: "نعم يا سيدتي إنه ينتبه لكل شيء"، فالتفتنا كلنا نحو كليرواتر، وبدا أمامنا لأول مرة شخصاً آخر، أو لعله تغير دون أن نلاحظ ذلك، فبدلاً من ابتسامته البلهاء الدائمة لكل شيء أمامه أصبح الآن يبتسم لشيء ما: لمؤشر مسز نانسي أو لجرس الفرصة، وكان يبتسم اكثر في عيني جيل ريدنبوه عندما تقدم له قلم الطباشير أو تمسح فتات البسكويت عن وجهه! وقالت مسز نانسي: "إن لونه أصبح أفضل أيضا"ً. ثم أضافت: "ويبدو أكثر حيوية وصحة".

      في نهاية العام كان كليرواتر يجلس مستقيماً ويرسم بعض الصور على الورق في حين كنا نحن نتدرب على كتابة الكلمات. لقد كان يرسم نفس الصورة مرات ومرات: رأسا ضخمة وعيون مستديرة صغيرة. "إنها تشبه كليرواتر" علق جاك تارنبول، وبدا ذلك غير صحيح عندما ضحكنا والتفتنا صوبه. كان أكثر سمنة.. كانت رأسه تبدو في السابق ضخمة بالنسبة لجسمه الضئيل، وذراعيه وساقيه النحيلتين، ولكن ذراعيه أصبحتا الآن مستديرة لكثرة محاولاته التقاط الطباشير، كما أصبحت عنقه سمينة وقوية. وقال لاتيمس دون أن يرفع بصره عن الورقة التي كان يكتب عليها مسألة حسابية: "إنه يلبس نفس قياسي".

      وبدا لنا لاتيموس وكليرواتر أكثر من مجرد توأمين سياميين، كانا متشابهين، لهما نفس الحجم ونفس اللون ونفس النظرات المشعة ذكاء وحباً للحياة. ولو لم يكونا ملتصقين أو كانا يستطيعان تبادل مكانيهما لما فرقنا بينهما.

      وفي آخر يوم بالمدرسة قال لنا لاتيموس إن عائلتهما ستنتقل إلى شيكاغو: "السيد برينس ألبرت سينقلنا ووالدتنا وأثاث بيتنا في شاحنته إلى شيكاغو، والدتنا حصلت على عمل جديد هناك". وقالت مسز نانسي تتساءل: "إنها مدينة كبيرة.. أليس كذلك يا لاتيموس؟"، واستطردت: "ستكون المعيشة صعبة هناك". وقال لاتيموس: "سنذهب إلى مدرسة الجامعة، كل الناس أذكياء هناك". وقال أحد التلاميذ من الصفوف الخلفية:" كليرواتر أيضاً سيصبح ذكياً هناك. "ولم لا!"، رد عليه لاتيموس وهو يصر على أسنانه. وقالت مسز نانسي: سوف نفتقدكما.. وسارت نحوهما وعانقتهما معاً.

      وسأل جاك: هل ستفتقدانا يا لاتيمس ويا كليرواتر؟ فأجاب لاتيموس وهو يهز كتفيه غير مبال: "ربما"، وقال كليرواتر مقلداً أخيه في هز كتفيه: "ربما". وأوضح لاتيموس سبب انتقالهم: والدتنا قالت إننا سنكون أفضل حالاً بين من هم من جنسنا".

      وأثناء عودتنا من المدرسة قالت باربره: لا أظن أنه ستكون لهما صديقات أخرى. "لا.."، أجبتها. "نحن فقط سنظل صديقتيهما إلى الأبد". والتصقنا معاً ركبة بركبة وقطعنا بقية الطريق نقفز من مكان لآخر!
      ــ
      * أليسون بيكر: أديبة من ولاية أوريجون في غرب أمريكا، صدرت لها هذه القصة ضمن مختارات اكسفورد لأفضل القصص لعام 1987.
    • محمد.....

      ترجمة رائعه... استمتعنا بقرئتها..

      قصة ترجمت باسلوب أدبي.. وحرفنة لغوية..

      اسعدنا تواجد قلم مثل قلمك.. هنا...

      في وقت قل فيه قراء القصص...

      اشكرك أخي.. على مشاركتنا اختيارك الرائع..

      .. فهل نأمل بالمزيد؟؟؟ ام انه طمع ؟؟
    • [TABLE='width:70%;'][CELL='filter:;']
      قصة جميلة ..
      أسلوب لسرد رائع ايضا .. بترجمه أجمل أخي الكريم ..
      نشكرك لأعطائنا هذه الفرصة لمعرفة الاديبة وقصصهها ..
      مجهود تشكر عليه بحق ..
      دمت وسلمت يمناااك ..
      لك تحية طيبة ..
      [/CELL][/TABLE]
    • [TABLE='width:70%;background-color:transparent;background-image:url(backgrounds/9.gif);border:6 solid green;'][CELL='filter:;']
      اخي العزيز ..محمد العريمي
      نشكرك على هذه الترجمه الرائعه التي ابدعت خلالها ..
      وهكذا تمضى القصه والتي اتيت بها كي نستفيد منها ..
      وحيث اشكر تلك الانامل التي ابدعت في اضاءة حروف هذه القصه ..
      وفقك الله اخي واتمنى لك التوفيق ..
      [/CELL][/TABLE]