صيف .. وسفر أخبار الشبيبة

    • صيف .. وسفر أخبار الشبيبة

      بقلم - سميرة الخروصي

      تُرى ما الذي يعنيه السفر لراحل أدمن قراءة الأمكنة في المدن البعيدة، والذي لايرى أن هناك مواقيت له أو زمن أو بوصلة؟ وما الذي يعنيه لشقي فقير لم يغادر يوماً حقل أبيه في قرية كل أسفارها "غيم ومطر" فقط! البعض قد يجده شقاء وتعبا ليس إلا..بخاصة أولئك الغرباء الحاملين حزنهم في أروقة المطارات، ونعني الغرباء.. الفقراء، أبناء السفر الموجع الذي علمهم مواقيت اغترابه، أولئك الحاملين حقائب بلا شال من صوف يقيهم مطر البرد، أو عباءة من حرير، فحقائبهم تلك لا تحمل سوى صور لأطفال وشجر، لأن سفرهم دائما مثقل بوجع الرزق والكد والتعب!. إذن فالأسفار كثيرة ومتنوعة، يأتي بعضها كوخزة ألم، وقد تكون النقيض لذلك فهي للبعض أشبه ما تكون كالتنزه في الغابات تارة، والتفسح في شوارع ناطحات السحاب تارة أخرى، أو كلما أحبوا أن تتنقل أحداقهم فيها عبر مناظر الحواري وهي تنام ليلا على أصوات النواعير الدمشقية، أو عند رفات الزنابق بين هضاب الطواحين الهولندية، وكل ما جرحته المآذن في قلب أندلس قديم!! وكل يغني على سفره.

      والحقيقة أن للسفر أسرارا لايكشفها سوى الصيف الكثيف باحتراقه، فهناك من يحبون السفر حدَّ الهذي والعشق.. حدَّ ذوبان السكر في الفنجان، حتى لو لم يكونوا أثرياء، وليس بمستغرب أن يقول أحد أبناء بطوطة "ونعنيهم مجازاً من كان السفر هاجسه الأول والأخير" أن السفر قد ينسيه صخب بيت، وزوجة جميلة، وطفل شقي يهرول في الزوايا الصغيرة! هذا لأن أولئك "البطابيط" -إن جاز تسميتهم بذلك- ام تتجاوز الأسفار منازلهم، والطائرات أسِّرتهم، وإذا سألتهم عن كل الفصول، فسيخبرونك بأنهم قد عبروها جميعاً، وتوضأوا ببهائها!. فأحد "البطابيط" وهي حكاية من واقع الحال، قد اشترط على من اختارها زوجة له، بأن لا تمنعه من السفر بعد الزواج سنويا، إذ قال متباهيا في ليلة خطبته: "حياتي أيتها الغالية دون سفري هو انهيار لكل مواسمي"، اطلبي مني لبن العصفور سأحضره لك دون تردد، لكن لا تطلبي مني يوما بعد ارتباطنا أن لا أسافر مع "الصحب" في كل عام، وإن ترتب على ذلك انهيار لحياتنا!. ياااا للرجل ويا لفاتحة الزواج التي تروي خاتمتها مبكرا!. إن "ابن بطوطة" ذاك يؤرخ لتاريخ زواج قمة في الروعة، لكنه صافي النية على الأقل، ربما علمته الأسفار ما يجب أن يكشفه ابن آدم من صدق نية دون مراوغة، فذاك المسافر يحب السفر سنويا كما ادعى، لكن بشرط واحد "السفر وحيدا" دون زوجة متطلبة، أو طفل بكَّاء قد يشتكي وجعا في لحظة ما، فالسفر على حد قوله "ورد مليء بالعطر والصور" والله من وراء القصد!.

      أخيرا: هناك سفر أخير جميل، طائرته من حبر وورق، نسافر معه في حكايات كلها خيال، فأي سفر جميل هو ذاك الذي يحلق فيه الشاعر كيمامة حين "يحيل الفراغ إلى وتر"!! فهو الوحيد ربما الذي لا يعبأ بأن التذاكر في الصيف قد أحيلت إلى وهج من لهب، هي أشد ربما وهجاً من شمس هذا الخليج الكبير!!

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية