بوينس آيرس ـ روبرتو جواريسكي
إن السؤال الأكبر في أمريكا اللاتينية اليوم هو كالتالي: هل يوجه رئيس بيرو المنتخب حديثا، أولانتا هيومالا، بلده نحو هوجو شافيز في فنزويلا وحلفائه المتطرفين؟ أم أنه سوف يختار المسار الذي سلكه رئيس البرازيل السابق لويس ايناسيو لولا دا سيلفا وغيره من الساسة المعتدلين في المنطقة؟الواقع أن كلمات هيومالا الغامضة لا ترشدنا إلى الإجابة. وعلى هذا فإن الاتجاه الذي يعتزم سلوكه لابد وأن يُقرأ من تصرفاته، ومن غير المرجح أن تأتي هذه التصرفات حاسمة في الأمد القريب. ولكن الموقف الداخلي والدولي في بيرو سوف يساهم في صياغة قراراته على أية حال.
إن هيومالا ليس مبتدئاً حديث العهد بالسياسة ولم يكن فوزه راجعاً إلى السحر أو الحظ. ففي انتخابات يونيو 2006، حصل على 45.5% من الأصوات ـ وهو ما لم يكن كافياً للتغلب على ألان جارسيا، ولكنه أظهر مدى تربعه في قلوب العديد من أهل بيرو واستحقاقه لثقتهم. في ذلك الوقت بدت الشعوبية وكأنها قوة لا يمكن كبحها في أمريكا اللاتينية. فبفضل طفرة النفط والتوسع في الانفاق الاجتماعي، كان شافيز يحلّق عاليا، بمباركة ودعم من فيدل كاسترو الذي أصابته الشيخوخة ولكنه كان لا يزال نشطاً إلى حد كبير.وفي مختلف أنحاء المنطقة كان تأثير شافيز قويا. فكان دعمه حاسماً في التأثير على انتخاب إيفو موراليس رئيساً لبوليفيا في عام 2006، وفي العام التالي أيد دانييل أورتيجا في نيكاراجوا ورافييل كوريا في الإكوادور، ولو أن تأثيره على انتصارهما كان مادة لنقاش محتدم.
وفي عام 2006، أشاد هيومالا بسياسات شافيز باعتبارها علامة لعصر جديد في أمريكا اللاتينية. ولكن في الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة، أشار إلى أن سياساته سوف تأتي مشابهة للسياسات التي انتهجها لولا، وليس شافيز. وبصورة خاصة أشار إلى سعيه إلى محاكاة الجهود التي بذلها لولا إشراك قطاعات واسعة من السكان في الفوائد المترتبة على الاقتصاد القوي.واليوم، بعد أن أصبح اقتصاد فنزويلا غارقاً في التضخم المرتفع ومع اعتماده بشكل مفرط على النفط، أفل نجم شافيز كنموذج ودليل إقليمي. كما أنهكه صعود المعارضة الداخلية. لذا فقد أصبح المزيج الذي اعتمدت عليه البرازيل من النمو الاقتصادي المتنوع وإعادة التوزيع بمثابة نموذج أكثر جاذبية إلى حد كبير.
الواقع أن أحد الأسباب الرئيسة التي أدت إلى فوز هيومالا كان عجز جارسيا عن تأمين فوائد النمو لأكثر الناس فقراً في بيرو. وكانت الحجة الرئيسية في حملة هيومالا تتلخص في أنه لن يخاطر "بنجاح" اقتصاد بيرو، بل إنه سوف يعمل على تعزيزه. كما أكد أن كفاحه ضد الفقر والاستبعاد الاجتماعي سوف يكون جزءاً من ذلك الجهد.
لقد صعد هيومالا إلى السلطة في بيئة إقليمية تتسم بالاعتدال والتكامل الاقتصادي المتنامي، ولا يستطيع أن يعكر هذه البيئة من دون تعريض نفسه لمخاطر كبرى. فقد وقع جارسيا مؤخراً على اتفاقية اقتصادية مع شيلي وكولومبيا والمكسيك، والتي أطلق عليها مسمى "حلف الباسيفيكي، والتي من المقدر لها أن تعيد توجيه اقتصاد دول أمريكا اللاتينية. فمن المؤكد أن هذه البلدان سوف تسعى في جهد مشترك إلى الحضور بقوة أكبر في الأسواق الآسيوية، وتوفير خيار آمن لاستثمارات الدول المتقدمة في الأسواق الناشئة. فضلاً عن ذلك فإن كلاً من هذه البلدان يدخل في اتفاقيات تجارة حرة ثنائية مع بلدان أخرى ومع الولايات المتحدة (ولو أن الكونجرس الأمريكي لم يوافق بعد على اتفاقية تعزيز التجارة بين الولايات المتحدة وكولومبيا، كما هي معروفة رسميا).ولا شك أن كسر هذه السياسات الاستراتيجية من شأنه أن يضر باقتصاد بيرو، وسوف يلحق الضرر أيضاً بالقاعدة السياسية التي يتمتع بها هيومالا في الداخل ويعزله في المنطقة. ولن يتمكن من الاعتماد على البرازيل، القوة الإقليمية المعتدلة، ولكنه سوف يقع لا محالة تحت سطوة شافيز وموراليس. هذا فضلاً عن خروج كوبا من المعادلة بوصفها راعية له، وذلك بسبب انشغالها بالجهود التي يبذلها راؤول كاسترو لإعادة صياغة اقتصادها الناضب في محاولة لمحاكاة الرأسمالية في دولة وحيدة الحزب على غرار الصين.
وهذا يعني أن خيارات هيومالا في أمريكا اللاتينية محدودة: فنزويلا، أو البرازيل، أو بلدان ما يطلق عليه حلف الباسيفيكي. ورغم صعوبة الخيارين الأخيرين ـ حيث قد لا ترغب المكسيك في الدخول في منافسة مع لاعب ضخم مثل البرازيل ـ فإن كلاً منهما لا يستبعد الآخر. والواقع أن قادة البرازيل لديهم من الأسباب الوجيهة ما يدفعهم إلى تبني قدر كبير من المرونة: ذلك أن بلدهم يحتاج القدرة إلى الوصول إلى المحيط الباسيفيكي (الهادئ)، وهو ما تعرضه عليه بيرو وشيلي.كان هبوط سوق الأسهم المحلية في أعقاب انتصار هيومالا بمثابة إشارة واضحة إلى أن القوى الأعظم تأثيراً في اقتصاد البيرو سوف تستمر بالمطالبة بالأفعال وليس الأقوال ـ الأفعال التي تخدم مصالحهم بطبيعة الحال. ومن المرجح ألا يمتثل هيومالا لإملاءات السوق على نحو ميكانيكي تلقائي. ولكنه لن يتمكن من تجنبها بالكامل.
وأخيرا، هناك مسألة الفعالية السياسية. إن تحالف هيومالا (جانا بيرو) سوف يحظى بعدد وافر من الممثلين في الكونجرس في بيرو، ولكنه سوف يحتاج إلى أصوات حزب الرئيس السابق اليخاندرو توليدو للحصول على الأغلبية المسيطرة. والواقع أن توليدو، خريج ستانفورد والسياسي المعتدل، أيد هيومالا أثناء حملته وزوده بالمستشارين الاقتصاديين، وهو الأمر الذي كان حاسماً في ترسيخ مصداقية تراجع هيومالا عن السياسات الراديكالية.
إن البيئة الداخلية والخارجية التي وجد هيومالا نفسه فيها ـ وحقيقة أنه فاز بفارق ثلاث نقاط مئوية فقط ـ تدعوه إلى الاعتدال والسعي إلى الإجماع. فمن الواضح أن نصف مواطني البيرو لم يختاروه. وربما أثبت الاستقطاب أهميته في الفوز بالانتخابات، ولكن هيومالا لابد وأن يسعى إلى توسيع نطاق دعمه حتى يتمكن من تحقيق الاجماع الذي يحتاج إليه من أجل ترسيخ حكمه.
* روبرتو جوارتشي شغل منصب مدير تحرير صحيفة كلارين في بوينس آيرس طيلة ثلاثة عشر عاما. وهو كاتب ومحاضر جامعي في الوقت الحالي.
خدمة بروجيكت سينديكيت
أكثر...
إن السؤال الأكبر في أمريكا اللاتينية اليوم هو كالتالي: هل يوجه رئيس بيرو المنتخب حديثا، أولانتا هيومالا، بلده نحو هوجو شافيز في فنزويلا وحلفائه المتطرفين؟ أم أنه سوف يختار المسار الذي سلكه رئيس البرازيل السابق لويس ايناسيو لولا دا سيلفا وغيره من الساسة المعتدلين في المنطقة؟الواقع أن كلمات هيومالا الغامضة لا ترشدنا إلى الإجابة. وعلى هذا فإن الاتجاه الذي يعتزم سلوكه لابد وأن يُقرأ من تصرفاته، ومن غير المرجح أن تأتي هذه التصرفات حاسمة في الأمد القريب. ولكن الموقف الداخلي والدولي في بيرو سوف يساهم في صياغة قراراته على أية حال.
إن هيومالا ليس مبتدئاً حديث العهد بالسياسة ولم يكن فوزه راجعاً إلى السحر أو الحظ. ففي انتخابات يونيو 2006، حصل على 45.5% من الأصوات ـ وهو ما لم يكن كافياً للتغلب على ألان جارسيا، ولكنه أظهر مدى تربعه في قلوب العديد من أهل بيرو واستحقاقه لثقتهم. في ذلك الوقت بدت الشعوبية وكأنها قوة لا يمكن كبحها في أمريكا اللاتينية. فبفضل طفرة النفط والتوسع في الانفاق الاجتماعي، كان شافيز يحلّق عاليا، بمباركة ودعم من فيدل كاسترو الذي أصابته الشيخوخة ولكنه كان لا يزال نشطاً إلى حد كبير.وفي مختلف أنحاء المنطقة كان تأثير شافيز قويا. فكان دعمه حاسماً في التأثير على انتخاب إيفو موراليس رئيساً لبوليفيا في عام 2006، وفي العام التالي أيد دانييل أورتيجا في نيكاراجوا ورافييل كوريا في الإكوادور، ولو أن تأثيره على انتصارهما كان مادة لنقاش محتدم.
وفي عام 2006، أشاد هيومالا بسياسات شافيز باعتبارها علامة لعصر جديد في أمريكا اللاتينية. ولكن في الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة، أشار إلى أن سياساته سوف تأتي مشابهة للسياسات التي انتهجها لولا، وليس شافيز. وبصورة خاصة أشار إلى سعيه إلى محاكاة الجهود التي بذلها لولا إشراك قطاعات واسعة من السكان في الفوائد المترتبة على الاقتصاد القوي.واليوم، بعد أن أصبح اقتصاد فنزويلا غارقاً في التضخم المرتفع ومع اعتماده بشكل مفرط على النفط، أفل نجم شافيز كنموذج ودليل إقليمي. كما أنهكه صعود المعارضة الداخلية. لذا فقد أصبح المزيج الذي اعتمدت عليه البرازيل من النمو الاقتصادي المتنوع وإعادة التوزيع بمثابة نموذج أكثر جاذبية إلى حد كبير.
الواقع أن أحد الأسباب الرئيسة التي أدت إلى فوز هيومالا كان عجز جارسيا عن تأمين فوائد النمو لأكثر الناس فقراً في بيرو. وكانت الحجة الرئيسية في حملة هيومالا تتلخص في أنه لن يخاطر "بنجاح" اقتصاد بيرو، بل إنه سوف يعمل على تعزيزه. كما أكد أن كفاحه ضد الفقر والاستبعاد الاجتماعي سوف يكون جزءاً من ذلك الجهد.
لقد صعد هيومالا إلى السلطة في بيئة إقليمية تتسم بالاعتدال والتكامل الاقتصادي المتنامي، ولا يستطيع أن يعكر هذه البيئة من دون تعريض نفسه لمخاطر كبرى. فقد وقع جارسيا مؤخراً على اتفاقية اقتصادية مع شيلي وكولومبيا والمكسيك، والتي أطلق عليها مسمى "حلف الباسيفيكي، والتي من المقدر لها أن تعيد توجيه اقتصاد دول أمريكا اللاتينية. فمن المؤكد أن هذه البلدان سوف تسعى في جهد مشترك إلى الحضور بقوة أكبر في الأسواق الآسيوية، وتوفير خيار آمن لاستثمارات الدول المتقدمة في الأسواق الناشئة. فضلاً عن ذلك فإن كلاً من هذه البلدان يدخل في اتفاقيات تجارة حرة ثنائية مع بلدان أخرى ومع الولايات المتحدة (ولو أن الكونجرس الأمريكي لم يوافق بعد على اتفاقية تعزيز التجارة بين الولايات المتحدة وكولومبيا، كما هي معروفة رسميا).ولا شك أن كسر هذه السياسات الاستراتيجية من شأنه أن يضر باقتصاد بيرو، وسوف يلحق الضرر أيضاً بالقاعدة السياسية التي يتمتع بها هيومالا في الداخل ويعزله في المنطقة. ولن يتمكن من الاعتماد على البرازيل، القوة الإقليمية المعتدلة، ولكنه سوف يقع لا محالة تحت سطوة شافيز وموراليس. هذا فضلاً عن خروج كوبا من المعادلة بوصفها راعية له، وذلك بسبب انشغالها بالجهود التي يبذلها راؤول كاسترو لإعادة صياغة اقتصادها الناضب في محاولة لمحاكاة الرأسمالية في دولة وحيدة الحزب على غرار الصين.
وهذا يعني أن خيارات هيومالا في أمريكا اللاتينية محدودة: فنزويلا، أو البرازيل، أو بلدان ما يطلق عليه حلف الباسيفيكي. ورغم صعوبة الخيارين الأخيرين ـ حيث قد لا ترغب المكسيك في الدخول في منافسة مع لاعب ضخم مثل البرازيل ـ فإن كلاً منهما لا يستبعد الآخر. والواقع أن قادة البرازيل لديهم من الأسباب الوجيهة ما يدفعهم إلى تبني قدر كبير من المرونة: ذلك أن بلدهم يحتاج القدرة إلى الوصول إلى المحيط الباسيفيكي (الهادئ)، وهو ما تعرضه عليه بيرو وشيلي.كان هبوط سوق الأسهم المحلية في أعقاب انتصار هيومالا بمثابة إشارة واضحة إلى أن القوى الأعظم تأثيراً في اقتصاد البيرو سوف تستمر بالمطالبة بالأفعال وليس الأقوال ـ الأفعال التي تخدم مصالحهم بطبيعة الحال. ومن المرجح ألا يمتثل هيومالا لإملاءات السوق على نحو ميكانيكي تلقائي. ولكنه لن يتمكن من تجنبها بالكامل.
وأخيرا، هناك مسألة الفعالية السياسية. إن تحالف هيومالا (جانا بيرو) سوف يحظى بعدد وافر من الممثلين في الكونجرس في بيرو، ولكنه سوف يحتاج إلى أصوات حزب الرئيس السابق اليخاندرو توليدو للحصول على الأغلبية المسيطرة. والواقع أن توليدو، خريج ستانفورد والسياسي المعتدل، أيد هيومالا أثناء حملته وزوده بالمستشارين الاقتصاديين، وهو الأمر الذي كان حاسماً في ترسيخ مصداقية تراجع هيومالا عن السياسات الراديكالية.
إن البيئة الداخلية والخارجية التي وجد هيومالا نفسه فيها ـ وحقيقة أنه فاز بفارق ثلاث نقاط مئوية فقط ـ تدعوه إلى الاعتدال والسعي إلى الإجماع. فمن الواضح أن نصف مواطني البيرو لم يختاروه. وربما أثبت الاستقطاب أهميته في الفوز بالانتخابات، ولكن هيومالا لابد وأن يسعى إلى توسيع نطاق دعمه حتى يتمكن من تحقيق الاجماع الذي يحتاج إليه من أجل ترسيخ حكمه.
* روبرتو جوارتشي شغل منصب مدير تحرير صحيفة كلارين في بوينس آيرس طيلة ثلاثة عشر عاما. وهو كاتب ومحاضر جامعي في الوقت الحالي.
خدمة بروجيكت سينديكيت
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية