القرار الصعب .. من يتخذه؟ أراء الكتاب الشبيبة

    • القرار الصعب .. من يتخذه؟ أراء الكتاب الشبيبة

      * إذا كان القرار هو بداية صنع الأمة أو صناعتها، فيجب أن يكون مدروسا حتى يحقق مبتغاه ومراده، ولا داعي لأن يكون متسرعا أو مفاجئا أو وليد لحظة غضب أو انفعال، فالوقت مهم لدراسة جميع جوانب المسألة محل القرار.

      أحمــد المرشــد

      إذا كان مصدر القوة السياسية يكمن في تلاحمها، فإن القائد الناجح هو الذي يسعى إلى توحيد صفوف شعبه، ولذا فهو يقرر العمل على توطيد القاعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، توطيدا صلبا..وهو بهذا القرار، يشكل القاعدة الصلبة لمواجهة العواصف والتقلبات، وليجنب شعبه اية توجهات قد تضر بالوطن وأمنه ومستقبله قبل حاضره. ولذلك، نقول إن القرار السياسي هو الذي يشكل اللبنات الأولى والأساسية للدولة الحديثة المتحضرة، وهو الفكرة الهادية لأنشطتها وتقدمها. فعندما يقرر القائد في وقت ما تحديد الخطوط والسياسيات، يجب أن يتفق قراره مع مصالح الوطن وفقا لظروفه وواقعه.

      والقرار هو العنصر المهم الذي يتوقف عليه مستقبل الشعوب، فاذا كان قرارا صائبا، ستثق الجماهير بصاحبه، لانه قرار دفع نحو استنهاض الهمم والاستفادة من قوتها لاحراز التقدم والرقي..والقرار الصائب يكون عنوانا هاديا للعصر وممهدا الطريق للتحضر، رغم ان القرار في حد ذاته ليس عملية فلسفية كما يدعي البعض. وهم بذلك يصعبون من مهمة صانعي السياسات وجعلها عملية مستحيلة لاعادتنا إلى عصور الرهبنة والدولة الدينية -الدولة الرومانية- عندما استغل علماء الدين والرهبان جهل الرعية بأصول الدين واقاموا دولة الكنيسة. والقرار هو فكرة مبدعة وبعيد تماما عن المبادئ الفلسفية، فليس هناك قرارا فلسفيا، ولكن هناك قرارا عمليا . فكل ما حققته البشرية من نجاح، كان نتيجة قرار صائب حدد الطرق والوسائل والاهداف المطلوب تحقيقها. والقرار الصائب هو نظرة فذة لصاحبه، خاصة اذا كان القرار يتعلق بمستقبل امة وشعب وإنسان. ورغم أن الإنسان أصغر وحدة في الامة، إلا أنه سيد الجميع وسيد العالم وسيد مصيره، وموضع الاهتمام الأول لصانعي السياسة.

      وثمة مبدأ فلسفي يقول: "إن الإنسان يخضع العالم على نحو كامل حسب آرائه ومتطلباته، رغم ان هناك مجالات كثيرة في العالم لم تخضع بعد لارادة الإنسان ومتطلباته". ورغما عنه، فإن الإنسان يعيش ليخضع العالم أكثر فأكثر لصالحه، وكلما ازداد مطلب الإنسان الطامع إلى ان يعيش بصفته سيد هذا العالم، نمت قدرته الخلاقة والمبدعة، وازدادت المجالات الخاضعة له.. وهذا تحديدا هو مصدر فاعلية القرار عند اي إنسان قائد وطموح، فدرجة الطموح تحدد الابداع في اتخاذ القرار حتى ولو كان مخطئا.

      واذا كانت قوة الإنسان تؤثر تأثيرا حاسما في تطورات العالم، فإن هذا التأثير ينطلق من نوعية القرار الذي تم اتخاذه، وقد رأينا كيف لعب الإنسان دورا حاسما في تحويل مجريات الامور في العالم، فليس في العالم كائن آخر سوى الإنسان يساهم في تحول وتطور هذا العالم. والإنسان هو الذي يجتهد في صياغة مصير هذا العالم، في صورة قرار يتخذه قائد أو زعيم أو سياسي أو أي صاحب قرار.

      ومن هنا نقول، انه اذا كانت البذرة لا تنمو الا في الارض الصالحة، فإن القرار هو مصدر الانبات. وبخاصة القرار الصائب الذي تظهر نتائجه في وقت لاحق في شكل نجاحات للأمة، عندما تحصد الخير والتقدم وتسطر علامة جديدة في معالم التاريخ.

      ويستطيع كل قائد ان يحدد ملامح ومستقبل امته وما سوف يحرزه وطنه من تقدم ونجاح ورقي في ضوء ما قرره، وذلك قياسا على فكر يعتمد على الثقة بالنفس وقوة العزيمة والقدرة على تحمل المسؤولية وعدم التعصب لفكرة واحدة مع اهمية ان يتصف صاحب القرار أو صانع السياسة بالقدرة على نقد الذات وعدم الانغلاق على نفسه مع ضرورة التجديد والابداع..والاهم هو المشورة واستشارة الأكفاء والعلماء والأوفياء وليس ضعاف النفوس ممن يتمتعون بثقة المسؤول.

      فصناعة القرار تعتمد على اساسيات كثيرة، من اهمها ان يهدف القرار إلى جعل مستقبل الوطن افضل، وان يكون أكثر تقدما وتحضرا. وهذا يأتي بالمثابرة وبذل الجهد ومواصلة التفكير والاستماع للآخرين وعدم الانكماش على الذات. فالفلاسفة لا يصنعون مجدا حيويا لشعوبهم، وانما السياسيون والاقتصاديون والزعماء والقادة واصحاب القرار هم الذين يرسمون ملامح الاوطان ومستقبل الشعوب، بأفكارهم وقراراتهم وتحملهم للمسؤوليات الجسام.

      واذا كان القرار هو بداية صنع الامة أو صناعتها، فيجب ان يكون مدروسا حتى يحقق مبتغاه ومراده، ولا داعي لأن يكون متسرعا أو مفاجئا أو وليد لحظة غضب أو انفعال، فالوقت مهم لدراسة جميع جوانب المسألة محل القرار.

      أشد ما أعجبني من قرارات هو ابداع القائد الاسلامي الفذ طارق بن زياد، الذي كتب سطورا من نور في تاريخ الفتوحات الاسلامية، باجتهاده وحنكته وصلابته. فعندما قال لجنوده: "العدو من امامكم والبحر من ورائكم" لم يكن قولا من فراغ، فهو درس نفسية الجنود وربما استشعر اهتزاز الهدف وضعف الرغبة في الانتصار، ثم قرر حرق السفن، ليثير الهمم في نفوسهم المنكسرة، فأصبحوا امام الأمر الواقع وهو ضرورة الجهاد وبذل الجهد والانتصار على العدو. لأن النتيجة الاخرى وهي الهزيمة ستكون امرا مفزعا وكارثة. وانتهى القرار بانتصار جيش المسلمين عندما قرر طارق بن زياد كسر قانون النجاة بعد ان أحرق السفن، ليحقق قانونا آخر اهم هو "قانون الانتصار".كاتب ومحلل سياسي بحريني E-Mail: amurshed2030@gmail.com

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية