دهاءامرأة...

    • دهاءامرأة...

      دهاء امرأة
      أرق الحجاج ذات يوم فبعث إلى ابن القرية فقال له: أني أرقت فحدثني حديثا يقصر علي طول ليلي وليكن في مكر النساء وفعالهن فقال: أصلح الله الأمير. ذكروا أن رجلا يقال له عمرو بن عامر من أهل البصرة كان معروفا بالنسك والسخاء.

      وكانت له زوجة تسمى جميلة.. وله صديق من النساك .. فأستودعه عمرو الف دينار وقال له : إن حدثت بي حادثة ورأيت أهلي محتاجين فأعطهم هذا المال..

      فعاش ما عاش ثم مات ومكثت جميلة بعده حينا ثم ساءت حالها وأمرت خادمتها يوما ببيع خاتمها لغداء يوم أو عشاء ليلة.. فبينما خادمتها تعرض الخاتم للبيع إذ لقيها الناسك صديقعمرو

      فقال: فلانه...؟

      قالت: نعم

      قال: ما حاجتك؟

      فأخبرته بسوء الحال وما اضطرت إليه مولاتها من بيع خاتمها فهمرت عينياه دموعا ثم قال : أن عندي لعمرو ألف دينار فأعلمي بذلك صاحبتك.

      فأقبلت الجارية ضاحكة مستبشرة وهي تقول: رزق حلال عاجل يا مولاتي من كد مولاي الكريم الفاضل.

      فلما سمعت مولاتها ذلك سألت عن القصة فأخبرتها فخرت ساجدة وحمدت ربها وبعثت بالجارية إلى الناسك فأقبل ومعه المال فلما دخل الدار .. كره أن يدفع المال إلى أحد سواها

      فخرجت .. ولما نظر إلى جمالها وكمالها أخذت بمجاميع قلبه وفارقه عقله وذهب عنه الحياء وأنشد يقول:

      ولقد سلبت الجسم والقلب معا

      وبريت العظم مما تلحظين

      فأرددي قلب عميد وأقبلي

      صلة الضعفين مما ترتجين

      فأطرقت جميلة طويلا وقالت له: ويحك ألست المعروف بالناسك المنسوب إلى الورع..؟

      قال: بلى ولكن نور وجهك سل جسمي فتداركيني بكلمة تقيمين بها أودي فهذا مقام اللائذ بك..

      قالت: أيها المرائي المخادع.. اخرج عني مذموما مدحورا.

      فخرج عنها وقد هام قلبه .. وأخذت جميلة تعمل الحيلة لاسترداد حقها فأتت إلى الملك ترفع إليه قضيتها فلم تصل إليه.. فجاءت إلى الحاجب فشكت إليه.. فأعجب بها أعجابا شديدا وقال: إن لوجهك صورة ارفعها عن هذا.. ولا يجمل بمثلك الخصومة. فهل لك في ضعفي مالك من ستر ورفق..؟

      فقالت: سوءة لامرأة حرة تميل إلى الريبة.. فانصرفت إلى صاحب الشرطة فقالت له مشكلتها.. فأعجب بها هو الأخر وقال لها إن حجتك على الناسك لا تقبل إلا بشاهدين عدلين وأنا مشتري خصومتك إن أنت نزلت عند مسرتي..؟

      فانصرفت عنه إلى القاضي.. فشكت إليه وأخذت قلبه وكاد القاضي يجن أعجابا بها وقال لها: يا قرة العين أنه لا يزهد بمثلك فهل لك بمواصلتي وغناء الدهر..؟

      فانصرفت وباتت تحتال لأخذ حقها.. وأمرت الجارية بالذهاب إلى نجار ليعمل لها تابوتا بثلاث أبواب كل منهم مفرد.. ثم بعثت الجارية إلى الحاجب أن يأتيها إذا أصبح وإلى صاحب الشرطة أن يأتيها ضحوة وإلى القاضي أن يأتيها إذا تعالى النهار.. وإلى الناسك أن يأتيها أذا انتصف النهار.

      وجاءها الحاجب فأقبلت عليه تحدثه فما فرغت من حديثها حتى قالت الجارية: صاحب الشرطة بالباب.

      فقالت للحاجب: ليس في البيت ملجأ إلا هذا التابوت فادخل أي بيت شئت منه.. فدخل الحاجب بيتا من التابوت فأقفلت عليه ودخل صاحب الشرطة فأقبلت تحدثه وتضاحكه وتلاطفه فما كان أسرع ما قالت الجارية أن القاضي بالباب.

      فقال صاحب الشرطة : أين اختبئ..؟

      فقالت: لا ملجأ إلا هذا التابوت وفيه بيتان فادخل أحدهما.. فدخل وأقفلت عليه.. فلما دخل القاضي قالت: مرحبا وأهلا .. وأقبلت عليه بالترحيب والتلطيف .. فبينما هي كذلك إذ قالت الجارية: الناسك بالباب.

      فقال القاضي: لماذا لا ترديه..؟

      فقالت: مالي إلى رده سبيل

      قال: كيف الحيلة..؟

      قالت: أني مدخلتك هذا التابوت ومقفلته فأشهد لي بما تسمع واحكم بيني وبينه بالحق.

      قال: نعم. فدخل الباب الثالث فأقفلت عليه ثم دخل الناسك

      فقالت: مرحبا بالزائر الجاني، كيف بدا لك في زيارتنا..؟

      قال: شوقا إلى رؤيتك وحنينا إلى قربك

      قالت: فالمال فما تقول فيه..؟ اشهد على نفسك برده اتبع رأيك.

      قال: اللهم أني أشهدك أن لجميلة عندي ألف دينار وديعة لزوجها..

      فلما سمعت بذلك هتفت لجاريتها.. وخرجت مبادرة نحو باب الملك إلى الحاجب وصاحب الشرطة والقاضي فلم يعثر على واحد منهم فقعد لها وسألها البينة.

      فقالت: يشهد لي تابوت عندي.

      فضحك الملك وقال: يحتمل ذلك لجمالك..

      فبعث بالعجلة فوضع التابوت فيها وحمل إلى الملك فقامت وضربت بيدها التابوت وقالت: أعطي الله عهدا لتنطقن بالحق وتشهدن بما سمعت أو أضرمت بك النار.

      فإذا بثلاثة أصوات من جوف التابوت تشهد على اقرار الناسك لجميلة بألف دينار فكبر ذلك على الملك.

      فقالت جميلة: لم أجد في المملكة قوما أوفى ولا أقوم بالحق من هؤلاء الثلاثة فأشهدتهم على غريمي..

      ثم فتحت التابوت وأخرجت الثلاثة.. وسألها الملك عن قصتها فأخبرته وأخذت حقها من الناسك..

      فقال الحجاج.. لله درها ما أحسن ما احتالت لأستخراج حقها!!
      ( منقووول.. اكيد)