الثورات العربية وإعادة تشكيل النظام العر

    • الثورات العربية وإعادة تشكيل النظام العر

      د.خالد الحروب

      في قراءة سابقة هنا تم تناول أثر الثورات العربية على النظام الإقليمي العربي من زاوية التفكيك وإعادة التركيب، وتم التركيز على جانبين أساسين: الأول هو تبعثر محوري "الاعتدال" و"الممانعة" بسبب انهيار نظام مبارك في مصر، والانهيار القادم لنظام الأسد في سوريا، والثاني قيام "كتلة الخليج الموسع" التي تريد ضم الأردن والسعودية إلى مجلس التعاون الخليجي. في السطور التالية استكمال في تأمل آلية التفكيك وإعادة التركيب تلك من خلال النظر في التغير الحاصل في ثلاث جبهات: موقع ودور مصر، موقع ودور الاحزاب الإسلامية، واحتمالات التجزئة والتقسيم في بعض البلدان العربية.

      من المشروع القول بأن الثورات العربية، والمصرية تحديدا، تعيد مصر تدريجيها إلى موقعها "الطبيعي" والقيادي في النظام الاقليمي العربي. وهو تقدير من المهم إلحاقه بقدر من التحفظات اساسها ان مصر ما بعد الثورة ما تزال منهكة ومنشغلة في شأنها الداخلي وفي مشروع تطوير الشرعية السياسية الديمقراطية والانتخابية لنظامها السياسي القادم. لكن بالمجمل العام ثمة مؤشرات على صعيد السياسة الخارجية المصرية تُنبي بأن انزياحا مهما يتم الآن على صعيد دور مصر الاقليمي وشكل ونمط سياستها الخارجية. أهم هذه المؤشرات يحوم حول الموقف من إسرائيل ومن الحصار على قطاع غزة والعلاقة مع الاطراف الفلسطينية. ومن شبه المؤكد ان مصر ما بعد الثورة لن تكون مصر ما قبلها على هذا الصعيد وهو اهم صعيد يشكل موقع ومكانة البلدان العربية الكبرى من مربع القيادة الاقليمية. بمعنى اكثر وضوحاً، يشكل الموقف من القضية الفلسطينية ومسألة الصراع مع اسرائيل قاطرة القيادة الاولى في الإقليم ومن يحتلها ويديرها بفاعلية (وليس بشعاراتية) وبنجاح وانحياز واضح إلى جانب الحقوق الفلسطينية والفلسطينين ومواجهة اسرائيل هو المرشح الأكثر حظا في ان يكون الطرف القيادي بهذا الشكل او ذاك. في حقبة ما قبل الثورة المصرية، وحيث كان "مبارك بمثابة كنز استراتيجي لإسرائيل" كما صرح وزير التجارة والصناعة الاسرائيلي السابق بنيامين بن اليعازر، كانت قاطرة القيادة الاقليمية خالية من الفاعلين العرب لهذا سرعان ما قفزت فيها إيران ثم تركيا. ويمكن القول والتكهن هنا بأن مصر ما بعد الثورة سوف تتبنى "النمط التركي" في مواقفها من إسرائيل، وهذا يعني استمرار علاقات دبلوماسية (باردة) مع اسرائيل تحكمها الالتزامات الدولية والوعي بتفادي استعداء الولايات المتحدة، لكن في نفس الوقت عدم التسامح مع الصلف والعنجهية الاسرائيلية والوقوف في مواجهتها.

      أما في موضوع الأحزاب الإسلامية وموقعها ودورها فيمكن القول هنا ان من تداعيات الثورات العربية على النظام العربي قيد التشكل استقواء التيارات الإسلامية بأطيافها المختلفة المعتدل منها والمتطرف، وانعكاسات ذلك على الشكل والخيارات والتوجهات الاقليمية العامة. فقد بات من المعروف ان انهيار الأنظمة الاستبدادية في عدد من البلدان العربية انتج انطلاقا لكل التيارات السياسية والفكرية التي عانت من قمع تلك الأنظمة، ومن ضمن ذلك الجماعات والحركات الإسلامية.

      ما يهمنا هنا، وفي سياق موضوع مركب وطويل إزاء علاقة الإسلاميين بالثورات العربية، هو تأمل تأثير شريحتين من الإسلاميين من الذين يبدوا أنهم الأكثر تأثيرا وتأثرا في نواتج الثورات العربية. الشريحة الاولى خدمتها هذه الثورات وهم الأسلاميون الذين سيشاركون في الشكل السياسي الجديد في أي من البلدان التي حدث فيها تحول، وهؤلاء هم تيارات الاخوان المسلمين والتيارات القريبة منهم (مثل حركة النهضة في تونس).

      هذه التيارات من المتوقع ان يكون لها دور مؤثر في البرلمانات والحكومات المتشكلة عبر آليات انتخابية، بما يترتب عليه تأثيرات في توجهات السياسة الخارجية للبلدان المعنية بهذه الدرجة او تلك، وانعكاسات في شكل التحالفات بين الانظمة والدول وعمقها وخياراتها الخارجية.

      اما الشريحة الثانية من الإسلاميين العرب التي يفرض استدعاءها النقاش حول الثورات العربية وارتباط ذلك بتفكك النظام العربي واندراجه في حالة من السيولة واعادة التركيب فهي حركات المقاومة الإسلامية وتحديدا حركة حماس الفلسطينية وحزب الله اللبناني. وقد تأثرت الحركتان بشكل مباشر نتيجة للثورات العربية، وتحديدا في مصر وسوريا.

      ففي حالة حماس بدا وكأن كثيرا من مآزق حماس الاستراتيجية قد انفرجت مع زوال نظام مبارك، وما رافقه من تصاعد دور الاخوان المسلمون في مصر وشرعنته، وان مسار الثورات العربية سوف يوفر انتعاشا اقليميا لحماس. بيد ان الأمور سرعان ما اتخذت مسارا آخر مع انطلاق الثورة السورية وتفاقم قمع النظام لها بشكل دموي. فهنا أحست حماس بعمق المأزق حيث إن مكانة دمشق التي تعتبر القاعدة الاقليمية لقيادة حماس تحت شعار "حماية ودعم المقاومة" تدهورت بشكل متسارع في الشارع العربي واصبح من غير المعقول على حركة مقاومة شعبية ان ترى نفسها واقفة في مربع نظام يقمع شعبة بشكل فاضح. تكامل الظرف المصري المتغير لصالح حماس مع الظرف السوري المتغير لغير صالحها (على الاقل خلال مرحلة الثورة ضد النظام) ليدفع الحركة للهروب إلى الامام وباتجاه تحقيق المصالحة مع حركة فتح. بالمجمل العام وبالتوازي مع انهيار محور الممانعة وتآكل مقولات دمشق في الدفاع عن المقاومة واستخدام ورقتها للإبقاء على شرعية النظام القائم، فإن حماس ستجد نفسها مدفوعة اكثر واكثر نحو مواقف اكثر براغماتية و"معتدلة".

      اما في حالة حزب الله فهو الآخر تأثر بشكل مباشر بالثورات العربية وتقريبا بنفس الوتيرة المزدوجة التي تأثرت بها حماس وإن كانت خلاصة التأثيرات في حالة حزب الله تبدو اكثر سلبية، موفرة هامش مناورة اكثر ضيقا. اغتبط حزب الله بسقوط نظام مبارك ذلك ان احد حلقات الحصار الاقليمي على الحزب، بل وأهم أعداء الاقليمين شراسة، قد زال. لكن تلك الغبطة والمكسب الاستراتيجي سرعان ما تبدد أمام هول الخسائر التي جرتها الثورة السورية ضد النظام الذي يمثل شريان الحياة بالنسبة للحزب. واذا كانت حماس قد تمكنت من المناورة واستخدام قواعدها الجغرافية الأخرى، في الضفة الغربية وقطاع غزة، والهروب للامام باتجاه المصالحة الفلسطينية، فإن حزب الله لم يملك تلك الوفرة الجغرافية، مما اضطره للوقوف علنا وبلا مواربة إلى جانب "نظام المقاومة والصمود" في دمشق مغامرا بخسارات جسيمة في شعبيته ومكانته في العالم العربي.

      من تداعيات الثورات العربية ايضا ان الأمور قد تتطور في بعض البلدان نحو مشاهد التقسيم والتجزئة بما يؤدي إلى تأثير مباشر في شكل وبنية ووحدات النظام الاقليمي الجديد. ويبدو أن خطر الانقسام الجغرافي، إلى هذه الدرجة او تلك، ماثل في ليبيا واليمن وربما في سوريا ايضا. والانظمة المتساقطة في هذه البلدان اشتغلت على تسعير الخلافات القبلية والإثنية والطائفية في معرض دفاعها المستميت عن نفسها وللحفاظ على سيطرتها على مقاليد الامور. والتوافقات الهشة على مبدأ المواطنة في هذه البلدان تم تدميرها في فترة وجيزة بما يدلل من جهة إضافية على الفشل التاريخي للانظمة المنهارة في إيجاد هوية وطنية جامعة على مدار عقود طويلة من الحكم والاستبداد به. ليس هذا فحسب بل إن النظامين المنهارين في ليبيا واليمن استخدما ورقة التقسيم والتهديد بها جهرا ومن دون اي حياء، وارتكس الخطاب السياسي "والوطني" للنظامين إلى خطاب قبلي وجهوي تحريضي يؤلب جزءا من الوطن ضد الجزء الآخر. ولم يتردد علي عبدالله صالح في تهديده شعبه وبلده بأنه إن أجبر على التنحي والرحيل عن البلد فسوف يترك اليمن كما وجده، اي مقسما ومدمرا. تتقوى احتمالات التقسيم والتجزئة في ظل وجود مثل جنوب السودان المنقسم حديثا والذي قد يشجع حالات انقسامية هنا او هناك (بما في ذلك كردستان العراق).

      – جامعة كامبردجkhaled.hroub@yahoo.com

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية