أوروبا في أفغانستان أراء الكتاب الشبيبة

    • أوروبا في أفغانستان أراء الكتاب الشبيبة

      أي عمل على إرساء استقرار دائم في أفغانستان يتطلب حلا للأزمة في باكستان والعلاقة الطويلة بين باكستان والولايات المتحدة هي بالطبع ذات أهمية محورية، ولكنها تلوثت بتاريخ من انعدام الثقة وسوء الفهم المتبادل

      جين داميكور *

      أعلن الرئيس باراك أوباما عن قراره بسحب 10 آلاف جندي من أفغانستان هذا العام و23ألفا آخرين العام 2012. وبالنسبة لرئيس الولايات المتحدة، يمثل التخلص من أسامة بن لادن وثلثي قادة تنظيم القاعدة والتكلفة الباهظة للصراع (118 بليون دولار هذا العام وحده) والنجاح النسبي للعمليات التي تمت مؤخرا نقطة تحول في الحرب التي بدأت في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر العام 2001.

      ويبدو أن لهذا القرار، المدفوع بالأساس باعتبارات تتعلق بالسياسة الداخلية، ارتباطا قليلا بمنطق استراتيجية مناهضة التمرد السائد منذ العام 2009. وبلا شك أن هذه الاستراتيجية، بجانب زيادة ملحوظة في عمليات القوات الخاصة وهجمات الطائرات بدون طيار في باكستان وكذلك في أفغانستان، قد أسهمت في إضعاف المتمردين.

      لقد أُجبرت طالبان على إضعاف قبضتها على الجنوب. كما أن جهود إعادة البناء – وأبرزها في قوات الأمن الأفغانية ومعها النظام القضائي ونظام الحكم المحلي – قد تحسنت، وإن كان بشكل غير كافٍ. وعلاوة على ذلك فقد أقر الأمريكيون بالحاجة إلى إجراء اتصالات أولية مع طالبان قد تقود إلى مفاوضات سلام.

      بيد أن المتمردين لم يستسلموا ولم يقروا بالهزيمة، ولكنهم كيفوا تكتيكاتهم – حيث يقومون بهجمات مضادة في منطقة الحدود الشرقية في باكستان ويكثفون من العمليات الانتحارية الحضرية والتي تولِّد تغطية إعلامة كبيرة.

      وليس بوسع الولايات المتحدة ولا حلفائها التراخي في جهودهم، فمازال التقدم هشا ويجب تعزيزه بينما يقوم الأمريكيون بتسريع العملية السياسية المطلوبة للتوصل إلى حل.

      فماذا تستطيع فرنسا أن تقدم للمساعدة؟ أولا، يجب علينا ضمان التزام تام بالتزاماتنا. فقد تدخلنا في وقت مبكر في أفغانستان دعما للولايات المتحدة. كما أننا عملنا على الدفاع عن مصالحنا الأمنية التي كانت مهددة من قبل دولة أصبحت ملاذا للإرهاب الدولي، وأيضا لتعزيز القيم الإنسانية التي تقع في قلب سياستنا الخارجية.

      والآن، في الوقت الذي تبدأ فيه فرنسا انسحابا تدريجيا لأربعة آلاف جندي أسهمت بهم في كجزء من جهود القوى المتحالفة، يجب أن تتطور طبيعة تدخلنا. فيجب على التدخل العسكري، بقيادة الولايات المتحدة، أن يفسح المجال لتدريب قوات الأمن الأفغانية. كما ينبغي أن تتواصل عملية إعادة البناء في المجالات التي لنا وجود فيها – التعليم والصحة والزراعة والعدل وحكم القانون.

      وهذا بالتأكيد سيحتم الإبقاء على وحدات مخفضة مدنية وعسكرية. إن الانسحاب السريع غير وارد نظرا لأن وجودنا في أعين حلفائنا، وبخاصة الأمريكيين والبريطانيين، يثبت التزامنا المتجدد بحلف شمال الأطلسي ومكانتنا كأحد أركان النظام الدفاعي الأوروبي الذي مازال في طور التطوير. ولو لم تكن هذه هي الأهداف لما كان قد تم توقيع اتفاقيات التعاون العسكري مع بريطانيا في نوفمبر العام 2010.

      فما هو الإسهام الذي تستطيع فرنسا والأوروبيون تقديمه لتسوية سلمية في أفغانستان؟

      حتى في هذه المرحلة المبكرة لا يمكن أن تبقى مفاوضات السلام بشكل منفرد في أيدي الولايات المتحدة وباكستان، بالتعاون مع المملكة العربية السعودية وتركيا، بل يجب أن يكون الأوروبيون على ارتباط وثيق بالسلام كما كانوا على ارتباط وثيق بالحرب. يجب على فرنسا أخذ زمام المبادرة بالتعاون مع البريطانيين والألمان حتى يترابط الاتحاد الأوروبي. وهذا الترتيب سيتيح لنا المرونة في تحقيق مصالحنا ورؤانا. إن الأوروبيين – وبخاصة فرنسا وألمانيا – يُنظر إليهم على أنهم لاعبون غير مبالين في أفغانستان والمنطقة، بمعزل عن أي طموحات استعمارية.

      وبالمثل، فنحن لا نستطيع أن نكون بمعزل تام عن البعد الإقليمي. فأي عمل على إرساء استقرار دائم في أفغانستان يتطلب حلا للأزمة في باكستان. والعلاقة الطويلة بين باكستان والولايات المتحدة هي بالطبع ذات أهمية محورية، ولكنها تلوثت بتاريخ من انعدام الثقة وسوء الفهم المتبادل. والولايات المتحدة هي بوضوح المفتاح، ولكن الحوار المشحون عاطفيا والحصري بين واشنطن وإسلام آباد لن يقود إلى نتائج مرضية. ولكن ما يمكن أن يقود إلى نتائج ناجحة هو فقط توسيع الحوار، بجمع الدول المجاورة واللاعبين الإقليميين والقوى الكبرى للتعامل مع كل القضايا – بما فيها الأمن الإقليمي والتعاون عبر الحدود والتجارة والتعاون التكنولوجي والتنمية الاقتصادية وقضايا الطاقة ومنها الطاقة النووية المدنية.

      كما ينبغي إشراك المسؤولين العسكريين الباكستانيين في هذه المفاوضات، فهذا شرط أساسي مسبق لنجاحها. كما يجب أن تضم المحادثات أيضا الدول التي تلعب دورا نشطا في السياسة الأفغانية، وهي إيران والهند وباكستان، وتلك التي تلعب دورا في باكستان، وهي الصين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وتركيا.

      يجب على فرنسا وأوروبا أخذ زمام المبادرة ولكن بدون أن يكون لديهما أي أوهام تتعلق بالصعوبات المتضمنة والزمن المطلوب في الاضطلاع بهذا المشروع. وبعد كل شيء فهذا الجهد لا يختلف عن عملية هيلسنكي (اتفاق هيلسنكي هو وثيقة صدرت عن مؤتمر هيلسنكي المنعقد في العام 1975 نظمت أسساً جديدة للأمن والتعاون بين الدول الأوروبية) في أوائل سبعينيات القرن الفائت التي أدت في نهاية المطاف إلى ذوبان جليد العلاقات بين الشرق والغرب.

      * عمل سفيرا لفرنسا في أفغانستان من العام 2008 إلى العام 2011 وقبلها عمل وكيلا لوزارة الدفاع لشؤون السياسات.

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية