إغلاق صحيفة عمرها 176 عاماً: زلزال يجتاح مؤسس&

    • إغلاق صحيفة عمرها 176 عاماً: زلزال يجتاح مؤسس&

      لندن - يسري حسين
      تعملقت شبكة روبرت مردوخ الناشر الاسترالي في بريطانيا، لتشمل عدة صحف مهمة تسيطر على الساحة الإعلامية بالإضافة إلى محطة "سكاي" التليفزيونية للأخبار. وانحازت المؤسسة منذ بداية نشاطها إلى حزب المحافظين وأيدت بلا تحفظ نظام مارجريت تاتشر، الذي جاء إلى الحكم في بداية الثمانينيات. وتمتعت صحف مردوخ ومحطته الإخبارية بهيمنة ونفوذ، ورسخت عدة مفاهيم إعلامية جديدة اعتماداً على انتشار صحفها اليومية والأخرى الاسبوعية.
      يملك مردوخ صحيفة "التايمز" اليومية بالإضافة إلى الأخرى الشعبية اليومية أيضاً "الصن" وهي توزع أكثر من خمسة ملايين نسخة في اليوم الواحد، وتهيمن على مزاج الرأي العام. وتعتمد سياسة الصحيفة على الإثارة بكل صورها، سواء عبر طريقة نشر الأخبار أو صوغ العناوين، بالإضافة إلى تحقيقات جريئة للغاية ينفق عليها بسخاء شديد للوصول إلى سبق، سواء بشأن الأخبار الاجتماعية لنجوم الفن أو القرى أو الحياة السياسية، أو فيما يتعلق بالتحقيقات الكبرى التي يتم نشرها وتتضمن معلومات جريئة للغاية تخترق الحياة الخاصة وتعتمد التصنت على المكالمات الهاتفية ودفع المكافئات المرتفعة للحصول على مذكرات أو نشر وثائق خطيرة تجذب اهتمام الرأي العام ورغبته في الاطلاع على الخبايا السرية والفضائح.
      وقد أحدث مردوخ ثورة في الإعلام البريطاني، إذ تخطى القواعد الكلاسيكية التي كانت موجودة من قبل، واستطاع صوغ صحافة مختلفة تهتم بالخبر المثير والصور العارية والتحقيق الجريء واختراق غرف النوم ونشر الفضائح المثيرة. وكان ملاك الصحف في بدايات القرن الفائت من أبناء الأرستقراطية البريطانية ومن طبقة لوردات، لكن مع ظهور نجم مردوخ تحولت الأمور بشكل سريع، إذ دخل رجال أعمال إلى الساحة وبعض المغامرين وأصحاب نفوذ في مجال صناعة الجنس، بالإضافة إلى القادمين من الميدان الروسي حيث امتلك بعض الأثرياء منهم عدة صحف عريقة في البلاد.
      ولدى مؤسسة مردوخ بجانب صحيفة الصنداي تايمز الأسبوعية، الأخرى الشعبية والأكثر إثارة وهي نيوز اوف ذا وورلد، وهي شقيقة صحيفة "الصن" اليومية وتسير على خطاها وتحقق أعلى معدلات التوزيع، وتعد رائدة في مجال الصحف الأسبوعية الأكثر انتشاراً وتخطف الجزء الأكبر من كعكة الإعلانات.
      تنفق الصحيفة بسخاء على شراء الأخبار المثيرة والحكايات والتحقيقات الجريئة بالإضافة إلى قصص الفضائح. وهي لا تلتزم لا بخطوط حمراء أو خضراء، فكل شيء مباح طالما يزيد من التوزيع ويجذب الإعلانات.اعتمدت نيوز أو ذا وورلد على نشاط ينفذ إلى المناطق الخاصة جدا ويتسلل إلى غرف النوم لفنانين وسياسيين ولاعبي كرة القدم، بالإضافة إلى التصنت على المكالمات الهاتفية للحصول على معلومة أو خبر مثير، وقد تجاوزت الصحيفة جميع الخطوط وحققت سطوة على الحياة السياسية، وهذا ما أشار إليه زعيم حزب العمال المعارض إيد ميليباند. وقد تمكنت الأخبار المثيرة والجريئة أحيانا من إخراج وزراء من الحكومة أو طرد مسؤولين أو القضاء على مدير بنك أو إتلاف حياة ممثلة بالكشف عن أسرارها الخاصة، سواء ما يتعلق بإدمان أو التورط في أشياء لا يرحب بها الرأي العام.
      لكن نجاح الصحيفة جعلها تلقي بالخطوط الأخلاقية في سلة المهملات، كما أن نتيجة التعطش للإنفراد بالأخبار المتميزة، جعلها تقتحم المناطق الخاصة جداً وتقوم بالتصنت على مكالمات هاتفية، مما أزعج السلطة الأمنية، نتيجة تورط الصحيفة في ملفات مرتبطة بجرائم قتل وخطف واغتصاب، وتم خلط الأوراق بشدة نتيجة عدم احترام القانون والضوابط المانعة لهذا التصنت المحرم.
      وفي النهاية تجمعت اتهامات ضد الصحيفة وسياساتها مما هدد امبراطورية مردوخ كلها مما دفع نجله جيمس الذي يتولى إدارة الشركة الناشر للصحيفة بإعلان وقف صدورها بعد تاريخ طويل وحافل، حيث ظلت نيوز أوف ذا وورلد علامة على صحافة شعبية جريئة، لكنها تحت ملكية مردوخ تجاوزت كل الحدود والخطوط ولم تحترم القانون والقيم الأخلاقية التي تضع الضوابط لعملية النشر.
      اختفاء الصحيفة هدفه انقاذ مجموعة الناشر الأسترالي والعلاقات المتشابكة المرتبطة به، سواء على ساحة الأحزاب خصوصاً الحزب الحاكم أو مع مؤسسات المال والنفوذ في بريطانيا. لقد حذرت مجموعات معارضة من تضخم هذه المؤسسة ونفوذها وهيمنتها على الشارع البريطاني، غير أن صحف مردوخ وأجهزته الإعلامية الاخطبوطية استطاعت دائماً الصمود والانتشار والتوسع. وباختفاء الصحيفة البريطانية سيجري فتح ملفات التجاوز القانوني لها وتتجه أجهزة التحقيق نحو معرفة العناصر التي وقفت وراء موجة التصنت على هواتف منذ العام 2002، وطالت قضايا مثيرة للغاية مرتبطة بالجيش والعائلة المالكة بالإضافة إلى موضوعات لها صلة بجرائم خطف واغتصاب.
      وقد أرادت مؤسسة مردوخ انقاذ نفسها بهذا الإغلاق لصحيفة ناجحة ومهمة للغاية، لكن أسئلة عميقة تطرح نفسها حول نفوذ مردوخ وتأثيره على مجرى الحياة السياسية، حيث تبلور صحفه الأكثر انتشاراً، توجهات الرأي العام وتصنع مزاجه وتحدد بوصلته نحو الأحزاب إما بدفعها للسلطة أو إلى خارجها في خندق المعارضة.
      وقد حاولت المؤسسة بإعلان إغلاق الصحيفة حماية الرؤوس الكبيرة من المسائلة القانونية واعتبار أن الملف تم غلقه بالكامل. غير أن خصوم صحف مردوخ في الصحف المنافسة يقفون وراء حملة كاملة للهجوم على ما حدث ولإعادة مناخ الصحافة البريطانية إلى عصره الذهبي القديم، حيث الاعتماد على الخبر الصحيح وعدم تجاوز القانون أو الاقتراب من الحياة الخاصة واقتحام غرف النوم للتصنت أو التجسس.
      إن مهمة الصحافة كشف الحقائق، لكن بأسلوب وطريقة تتم في إطار القانون والمحافظة على الأخلاق وعدم الاستجابة لرغبات شارع يتم تغذيته بالإثارة والتحريض وبث القضايا المتفجرة التي تحمل الكراهية في بعض الأحيان وتعتمد على لغة عنصرية بذيئة.
      صحف مردوخ الشعبية يمكن إطلاق عليها مصطلح "صحافة الزبالة" نتيجة تطرفها الشديد في البحث عن الإثارة بكل أنواعها، سواء من حيث طريقة نشر الخبر أو صوغه للوصول إلى أعلى معدلات التوزيع.
      هذا النهم للانتشار بأي ثمن ورط الصحيفة في تجاوز الخطوط العامة القانونية والأخرى التي يضعها المجتمع. وهذا الحادث يفتح النيران على أداء مؤسسة مردوخ، خصوصاً بشأن صحافة "التابلويد" الشعبية التي ترى أن الإثارة هي الهدف والسبق يبرر كل شيء بما في ذلك تخطي القانون والأخلاق معاً. وقد أدى هذا الطريق إلى غلق صحيفة "نيوز أوف ذا وورلد" التي استمرت لأكثر من قرن وانتهت بهذه الطريقة المهينة للصحافة ولمهنة الإعلام. وغلق الصحيفة سيكون بداية لتحقيقات واعتقالات قد تطول بعض الأسماء المهمة في حقل الصحافة البريطانية.

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية