عندما انفجرت فقاعة العقارات حاول صناع السياسة في أمريكا أن يقوموا بنفس الإصلاح مجددا فتهاوت أسعار الفائدة على القروض واتسع حجم العجز في الموازنة كثيرا بل لجأ الاحتياطي الفيدرالي إلى طباعة المزيد من المال من خلال برامج التخفيف الكمي
ستيفن كينج
ذات يوم كان الاقتصاد الأمريكي موضع حسد العالم أجمع. لكنه لم يعد كذلك. فعلى الرغم من حزم التحفيز الهائلة من كلا النوعين، التحفيز النقدي والتحفيز المالي، يناضل الاقتصاد الأمريكي من أجل أن يخرج من سبات ما بعد الأزمة المالية العالمية. ومستوى النشاط الاقتصادي الأمريكي اليوم هو بالكاد أعلى مما كان عليه بداية العام 2008. ومعدلات البحث عن عمل تظل فوق نسبة التسعة بالمئة. والوظائف من الصعب توفيرها. في الأيام الماضية الطيبة، كان بمقدور الاقتصاد الأمريكي أن يوفر بين 250 ألفأ و500 ألف وظيفة كل شهر. لكن مثل هذا الآن ليس أكثر من ذكريات بعيدة.
لقد اعتاد الناس أن يؤمنوا، وكمسألة روتينية، أنه بمقدور الاقتصاد الأمريكي أن ينمو بقرابة 3 بالمئة سنويا بالأرقام الحقيقية، وهي نسبة متقدمة بشكل جيد عن مثيلتها في الاتحاد الأوروبي المصاب بالإلتهاب المفاصل. وفي الواقع، كان معدل التوسع الاقتصادي في الثمانينيات والتسعينيات يسير بشكل جيد، حيث كان فوق نسبة 3 بالمئة في أغلب الأحوال، ما مكن الأمريكان من أن يشعروا حتى (بالشماتة)، بينما كان بقية العالم غارق في ركود اقتصادي.
ويقيس الاقتصاديون عادة الأداء الاقتصادي على المدى الطويل بالنظر الى ما هو أبعد من دوائر النمو والهبوط الاقتصادي، تلك الدوائر التي لا مفر منها كعلامات توضح مسار النمو الاقتصادي في أية دولة على المدى القصير. وإحدى الطرق لفعل هذا هو النظر الى النمو الاقتصادي إما على أساس فترة ذروة الى فترة ذروة أخرى، أو على أساس فترة انخفاض الى فترة انخفاض أخرى، ومن ثم يأخذ الاقتصاديون ما يمكن أن نسميه لقطات من مستوى النشاط الاقتصادي على أساس نفس المستوى على امتداد الدوائر الاقتصادية.
وباستخدام هذا النموذج، يبدو أن النمو خلال سنوات بوش وبداية سنوات أوباما انخفض بمقدار 2 بالمئة فقط على أساس سنوي. وبالمعايير الأمريكية، يعتبر هذا الرقم متواضعا. لكنه يبدو سيئا لو نظرنا له في سياق معدلات النمو السريعة جدا التي تحققها الآن قوى عظمى اقتصادية جديدة كالصين أو الهند أو البرازيل.
إذن، ما الخطأ الذي وقع؟ لقد بدأت المشكلات مع تلك النشوة الكبيرة في نهاية فترة التسعينيات والتي ارتبطت بما يسمى "الاقتصاد الجديد"، عندما ارتفعت أسواق المال الى عنان السماء. أما الإنهيار المفاجئ الذي أعقب ذلك، فبدأ أنه بمثابة نداء إيقاظ قوي. وأعقب الهبوط الحر لأسواق المال تباطؤ اقتصادي كبير. وكما اتضح، على الرغم من ذلك، كان الركود الاقتصادي التالي معتدلا بشكل ملحوظ. حتى ولو كان "الاقتصاد الجديد" حلما أكثر منه واقعا، أظهر صناع السياسة الأمريكان موهبة كبيرة في تحويل الحلم الى حقيقة، دون الكثير من الخسائر الجانبية. وتنفس المستثمرون جميعهم الصعداء. مع هذا، وفي محاولة صناع السياسة حماية الاقتصاد من الغرق، هم ساعدوا في توافر الظروف التي أدت، بعد سنوات من هذا، الى الأزمة المالية. وتم وضع أسعار الفائدة على القروض عند مستويات منخفضة جدا، حتى أنها مستويات صدمت الجميع. وكان الخفض الضريبي الذي طبقه بوش بمثابة الرصاصة التي شلت إحدى ذراعي الاستهلاك. وكما كان الحال مع إدارة بيل كلينتون من قبلها، شجعت إدارة بوش وبحماس كبير الملكية العقارية، وساندت نمو سوق الرهن العقاري. وكنتيجة طبيعية لا مفر منها حقق الاستثمار في العقارات نهضة كبيرة. وذهبت ثورة الإنتاجية التي ارتبطت بفقاعة التكنولوجيا غياهب النسيان سريعا. بدلا من ذلك، أصبحت أمريكا مدمنة على العقارات.
وعندما انفجرت فقاعة العقارات، حاول صناع السياسة في أمريكا أن يقوموا بنفس "الإصلاح" مجددا. وتهاوت أسعار الفائدة على القروض. واتسع حجم العجز في الموازنة كثيرا. بل ولجأ الاحتياطي الفيدرالي الى طباعة المزيد من المال من خلال برامج التخفيف الكمي. ومع هذا، وعلى الرغم من كل تلك الجهود رفض الاقتصاد أن يتعافى مجددا هكذا ببساطة. وعلى الرغم من أن الشركات الأمريكية تسبح في بحور من المال، هي تفضل الإدخار على الاستثمار. (وإن حدث و استثمرت الشركات، هي تفضل أن تفعل ذلك في الصين أو في البرازيل، على ان تفعله في أمريكا). و واصلت الأسر بقاءها في فخ الدين. ووجدت الحكومة الأمريكية نفسها متورطة في واحد من أكبر مستويات العجز في الموازنة العامة في العالم (قياسا على نسبة العجز الى الناتج المحلي الإجمالي)، كما أن سيطرتها على الديون الحكومية تخرج من تحت يدها على ما يبدو.
في تلك الأيام الماضية الطيبة التي ولت الآن، كان من الممكن أن يعثر الأمريكان ممن لم يكونوا محظوظون بما يكفي وانتهى بهم الحال بلا وظيفة، كان من الممكن أن يجدوا وظيفة في وقت قصير نسبيا مقارنة بالوضع الحالي. أما اليوم، فهذا خيال في خيال. و ما تمر به أمريكا اليوم هو تجربة جديدة للأمريكان أنفسهم. وهي تجربة تبين أول ما تبين أن الاقتصاد الأمريكي فقد قوته وبريقه وحيويته.
الإندبندنت- ش
أكثر...
ستيفن كينج
ذات يوم كان الاقتصاد الأمريكي موضع حسد العالم أجمع. لكنه لم يعد كذلك. فعلى الرغم من حزم التحفيز الهائلة من كلا النوعين، التحفيز النقدي والتحفيز المالي، يناضل الاقتصاد الأمريكي من أجل أن يخرج من سبات ما بعد الأزمة المالية العالمية. ومستوى النشاط الاقتصادي الأمريكي اليوم هو بالكاد أعلى مما كان عليه بداية العام 2008. ومعدلات البحث عن عمل تظل فوق نسبة التسعة بالمئة. والوظائف من الصعب توفيرها. في الأيام الماضية الطيبة، كان بمقدور الاقتصاد الأمريكي أن يوفر بين 250 ألفأ و500 ألف وظيفة كل شهر. لكن مثل هذا الآن ليس أكثر من ذكريات بعيدة.
لقد اعتاد الناس أن يؤمنوا، وكمسألة روتينية، أنه بمقدور الاقتصاد الأمريكي أن ينمو بقرابة 3 بالمئة سنويا بالأرقام الحقيقية، وهي نسبة متقدمة بشكل جيد عن مثيلتها في الاتحاد الأوروبي المصاب بالإلتهاب المفاصل. وفي الواقع، كان معدل التوسع الاقتصادي في الثمانينيات والتسعينيات يسير بشكل جيد، حيث كان فوق نسبة 3 بالمئة في أغلب الأحوال، ما مكن الأمريكان من أن يشعروا حتى (بالشماتة)، بينما كان بقية العالم غارق في ركود اقتصادي.
ويقيس الاقتصاديون عادة الأداء الاقتصادي على المدى الطويل بالنظر الى ما هو أبعد من دوائر النمو والهبوط الاقتصادي، تلك الدوائر التي لا مفر منها كعلامات توضح مسار النمو الاقتصادي في أية دولة على المدى القصير. وإحدى الطرق لفعل هذا هو النظر الى النمو الاقتصادي إما على أساس فترة ذروة الى فترة ذروة أخرى، أو على أساس فترة انخفاض الى فترة انخفاض أخرى، ومن ثم يأخذ الاقتصاديون ما يمكن أن نسميه لقطات من مستوى النشاط الاقتصادي على أساس نفس المستوى على امتداد الدوائر الاقتصادية.
وباستخدام هذا النموذج، يبدو أن النمو خلال سنوات بوش وبداية سنوات أوباما انخفض بمقدار 2 بالمئة فقط على أساس سنوي. وبالمعايير الأمريكية، يعتبر هذا الرقم متواضعا. لكنه يبدو سيئا لو نظرنا له في سياق معدلات النمو السريعة جدا التي تحققها الآن قوى عظمى اقتصادية جديدة كالصين أو الهند أو البرازيل.
إذن، ما الخطأ الذي وقع؟ لقد بدأت المشكلات مع تلك النشوة الكبيرة في نهاية فترة التسعينيات والتي ارتبطت بما يسمى "الاقتصاد الجديد"، عندما ارتفعت أسواق المال الى عنان السماء. أما الإنهيار المفاجئ الذي أعقب ذلك، فبدأ أنه بمثابة نداء إيقاظ قوي. وأعقب الهبوط الحر لأسواق المال تباطؤ اقتصادي كبير. وكما اتضح، على الرغم من ذلك، كان الركود الاقتصادي التالي معتدلا بشكل ملحوظ. حتى ولو كان "الاقتصاد الجديد" حلما أكثر منه واقعا، أظهر صناع السياسة الأمريكان موهبة كبيرة في تحويل الحلم الى حقيقة، دون الكثير من الخسائر الجانبية. وتنفس المستثمرون جميعهم الصعداء. مع هذا، وفي محاولة صناع السياسة حماية الاقتصاد من الغرق، هم ساعدوا في توافر الظروف التي أدت، بعد سنوات من هذا، الى الأزمة المالية. وتم وضع أسعار الفائدة على القروض عند مستويات منخفضة جدا، حتى أنها مستويات صدمت الجميع. وكان الخفض الضريبي الذي طبقه بوش بمثابة الرصاصة التي شلت إحدى ذراعي الاستهلاك. وكما كان الحال مع إدارة بيل كلينتون من قبلها، شجعت إدارة بوش وبحماس كبير الملكية العقارية، وساندت نمو سوق الرهن العقاري. وكنتيجة طبيعية لا مفر منها حقق الاستثمار في العقارات نهضة كبيرة. وذهبت ثورة الإنتاجية التي ارتبطت بفقاعة التكنولوجيا غياهب النسيان سريعا. بدلا من ذلك، أصبحت أمريكا مدمنة على العقارات.
وعندما انفجرت فقاعة العقارات، حاول صناع السياسة في أمريكا أن يقوموا بنفس "الإصلاح" مجددا. وتهاوت أسعار الفائدة على القروض. واتسع حجم العجز في الموازنة كثيرا. بل ولجأ الاحتياطي الفيدرالي الى طباعة المزيد من المال من خلال برامج التخفيف الكمي. ومع هذا، وعلى الرغم من كل تلك الجهود رفض الاقتصاد أن يتعافى مجددا هكذا ببساطة. وعلى الرغم من أن الشركات الأمريكية تسبح في بحور من المال، هي تفضل الإدخار على الاستثمار. (وإن حدث و استثمرت الشركات، هي تفضل أن تفعل ذلك في الصين أو في البرازيل، على ان تفعله في أمريكا). و واصلت الأسر بقاءها في فخ الدين. ووجدت الحكومة الأمريكية نفسها متورطة في واحد من أكبر مستويات العجز في الموازنة العامة في العالم (قياسا على نسبة العجز الى الناتج المحلي الإجمالي)، كما أن سيطرتها على الديون الحكومية تخرج من تحت يدها على ما يبدو.
في تلك الأيام الماضية الطيبة التي ولت الآن، كان من الممكن أن يعثر الأمريكان ممن لم يكونوا محظوظون بما يكفي وانتهى بهم الحال بلا وظيفة، كان من الممكن أن يجدوا وظيفة في وقت قصير نسبيا مقارنة بالوضع الحالي. أما اليوم، فهذا خيال في خيال. و ما تمر به أمريكا اليوم هو تجربة جديدة للأمريكان أنفسهم. وهي تجربة تبين أول ما تبين أن الاقتصاد الأمريكي فقد قوته وبريقه وحيويته.
الإندبندنت- ش
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية