نحن وهم.. وإطعام "الفم" أراء الكتاب الشبيبة

    • نحن وهم.. وإطعام "الفم" أراء الكتاب الشبيبة

      * تواجه الصحف في دول غربية اتهامات بإطعام المصادر ودفع رشاوى لهم للحصول على الأخبار والمعلومات والانفرادات الصحفية وفي غالبية الدول العربية تواجه اتهامات بانه يتم إطعامها أو بالأصح إطعام بعض صحافييها من جانب الحكومات والمؤسسات المختلفة لضمان تغطية أنشطتها تغطية واسعة.

      د.حسني محمد نصر

      من أصعب الأمور ان تكتب عن مهنتك شارحا ومفسرا وناقدا، ولكن هذه الصعوبة تتلاشى عندما تشعر في بعض الأوقات ان عليك ان تصرخ -بعد ان يفيض الكيل- منبها ومحذرا حتى تحافظ مهنة الصحافة على مكانتها الرفيعة في بلادنا، ويرتفع قدرها في عيون الناس وعيون أصحابها، وتقترب من نظيرتها في الدول المتقدمة في المهنية والالتزام بالأخلاقيات ومواثيق الشرف، وحتى لا تبقي أسيرة للرؤية الظالمة لها، والتي تنطلق من المثل العربي الشهير "اطعم الفم.. تستحي العين".

      أحداث كثيرة دفعتني للكتابة اليوم عن الصحافة، بعضها عالمية وبعضها عربية. وتبدو الأمور متناقضة في الحالتين. فعلى حين تواجه الصحف في دول غربية اتهامات بإطعام المصادر ودفع رشاوى لهم للحصول على الأخبار والمعلومات والانفرادات الصحفية، فإن الصحافة في غالبية الدول العربية تواجه اتهامات بانه يتم إطعامها أو بالأصح إطعام بعض صحافييها من جانب الحكومات والمؤسسات المختلفة لضمان تغطية أنشطتها تغطية واسعة وإيجابية. واكتفي هنا بالإشارة إلى حدثين لفتا انتباهي في الأسبوع الأخير، الأول أُغلقت فيه صحيفة تجاوز عمرها 168 عاما في بريطانيا لأنها دفعت رشاوى مالية لرجال شرطة للتنصت على المكالمات الهاتفية والبريد الصوتي لمواطنين، والثاني يتعلق بصورة لوثيقة حكومية عربية انتشرت على الفيس بوك لميزانية ندوة علمية تتضمن بندا واضحا هو "مكافآت الصحفيين".

      في بريطانيا يواجه إمبراطور الإعلام اليهودي الأسترالي الأمريكي العولمي روبرت ميردوخ صاحب إمبراطورية نيوز كوربوريشين أزمة كبيرة قد تعصف به و بأركان إمبراطورتيه المترامية الأطراف بعد ان تواترت الأخبار عن قرب مثوله أمام لجنة الإعلام في البرلمان البريطاني لاستجوابه حول فضيحة تنصت صحيفة نيوز اوف ذا وورلد المملوكة له على هواتف شخصيات بارزة وضحايا الجرائم والاعتداءات وأقارب الجنود البريطانيين الذين قتلوا في العراق وأفغانستان. ورغم ان ميردوخ حاول استباق الاستجواب وسارع إلى الإعلان عن إغلاق صحيفة «نيوز أوف ذا وورلد» التي تصدر في لندن منذ 168 عاماً، وتحقق أفضل مبيعات في بريطانيا، وباع العدد الأخير منها نحو 4.5 مليون نسخة، وتمثل بالنسبة للبريطانيين معلماً حضارياً وثقافياً، إلا ان البرلمان يريد ان يعرف ما اذا دفعت الصحيفة أموالا لبعض رجال الشرطة للحصول على معلومات خاصة بهواتف المواطنين. وقد دفع تصاعد الأزمة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون إلى التأكيد على ان "الحكومة تبذل ما بوسعها لضبط المذنبين ومعاقبتهم وستشكل لجنة مستقلة بإمكانها استجواب الشهود في هذه القضية للوقوف على حيثياتها وملابساتها". ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ أعلنت الحكومة دعمها لمطلب تقدمت به المعارضة العمالية للحيلولة دون استيلاء ميردوخ على مؤسسة بي سكاي بي التلفزيونية والتي يملك 39 % من أسهمها من خلال مؤسسة نيوز كوربوريشن مالكة صحيفة نيوز أوف ذا وورلد.

      ولأن المجتمع البريطاني مجتمع فعال ويقظ ويعرف حقوقه جيدا، فقد تزامنت مع الإجراءات الحكومية ضد ميردوخ، حملة شعبية واسعة النطاق تدعو الناس إلى مقاطعة صحفه وقنواته التلفزيونية، ووصل الأمر إلى حد قيام المغني البريطاني المعروف بيلي براج بإصدار أغنية عنوانها «لا تشتروا الصن مرة أخرى»، في إشارة إلى صحيفة "الصن" وهي صحيفة ميردوخ اليومية الأوسع انتشارا.

      في المقابل فإن لدينا الوجه الآخر لأزمة أخلاقيات الصحافة. فبدلا من ان تدفع الصحافة للمصادر للحصول على المعلومات كما حدث في فضيحة ميردوخ، فإن الهيئات والمؤسسات الحكومية هي التي تدفع للصحفيين لنشر أخبارها، ولا تكتفي بتوصيل أخبارها جاهزة إلى الصحفيين بالفاكس والبريد الإلكتروني، وإنما تكافئهم أيضا على نشر هذه الأخبار ووضع أسمائهم عليها دون وجه حق. وتزداد المكافأة اذا حضر الصحفي بنفسه المناسبة، رغم انه قد لا يكتب حرفا عنها مكتفيا بما كتبه له أخصائيو الإعلام والعلاقات العامة بالوزارة أو الهيئة. وفي الأسبوع الأخير قرأنا على الفيس بوك عن صحفيين في أكثر من دولة عربية يتقاضون رواتب ثابتة ومكافآت من جهات حكومية يقومون بتغطية أخبارها لصحفهم ومحطاتهم التلفزيونية التي يتقاضون منها رواتبهم الرسمية. الكارثة الحقيقية ان هذا الأمر لم يعد مخفيا أو يدعو إلى الخجل كما كان في السابق، ففي ميزانية أنشطة هذه الهيئات من اجتماعات ومؤتمرات واحتفالات يظهر الآن ودون خجل بند "مكافآت الصحفيين والإعلاميين". ورغم أنها في بعض الأحيان تكون مكافآت هزيلة لا تستحق ان يمد الصحفي يده إليها، إلا أنها تمثل انتهاكا واضحا لأخلاقيات الصحافة وقدسيتها، كما تحد من مصداقيتها لدى الناس. إذ ما الذى نتوقعه من صحفي يحصل على مكافأة من جهة ما ليست جهة عمله؟ وما الذي سيكتبه للناس عن هذه الجهة؟ وهل يستطيع بعد ان تم إطعام فمه أن يفتح عينيه ويمارس دوره في الرقابة على أعمال هذه الجهة؟.

      إن الأمر في تقديري جد خطير ويستحق ان نفتح من أجله ملف إصلاح الصحافة والإعلام. وهنا يجب علي المؤسسات الصحفية أن تبادر بالتعاون مع الجهات المختصة والأكاديميين بالبحث عن حلول عملية لهذه المشكلة، كما يجب ان تستفيد من تجارب الصحف العالمية في ها المجال، ومن هذه الصحف ما يمنع الصحفيين من مجرد الحصول على كوب مجاني من القهوة من المصدر. ولنا فيما حدث وسيحدث لميردوخ عبرة.. فبعد ان كان السياسيون يتسابقون للقائه اصبحوا يتهربون منه، لأن احدى صحفه أطعمت مصادرها ودفعت للحصول على معلومات، فما بالنا لو كان الأمر معكوسا كما هو الحال لدينا؟

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية