في ظل النظام السابق كان يقال إن عشرين شخصا يحتكرون أغلب ثروة البلد وفي النظام الجديد لدينا أضعافهم يحتكرون الحديث باسم الثورة، كأنما كتب علينا أن نظل محلا للاحتكار من جانب فئة من الطامحين
فهمي هويدي
بعد مضي ستة أشهر على إسقاط نظام مبارك، هل يصح أن نقول إن ركوب الثورة بات مقدما على إنجاحها، وإن شرعية تمثيلها أصبحت محل شك كبير؟
(1)
هذا الكلام يحتاج إلى ضبط كي لا يساء فهمه، من ناحية لأن ذلك الذي نتساءل عنه ما كان له أن ينشأ لولا خصوصية وضع ثورة 25 يناير التي صنعتها الجماهير الغفيرة التي لم تكن لها قيادة أو مشروع واضح المعالم، ثم إنها فرضت نفسها وسط فراغ سياسي مخيم، لذلك كان طبيعيا أن تشكل التجمعات والائتلافات في وقت لاحق وتتسابق لملء ذلك الفراغ، وبسبب التردد والبطء النسبي في اتخاذ القرارات من جانب المجلس العسكري، فقد زادت أهمية تلك التجمعات التي تحولت إلى عنصر ضاغط كان له اثره الفعال في إنجاز بعض الخطوات المهمة التي جاءت ملبية لمطالب الذين خرجوا يوم 25 يناير (تصفية أركان النظام السابق ــ تطهير وزارة الداخلية من قتلة الثوار ــ رعاية أُسر الشهداء ــ علنية محاكمات المسؤولين عن الفساد السياسي والمالي.. إلخ) بالتالي فإن من الظلم البيّن الادعاء بأن التجمعات والائتلافات لم تفعل شيئا، لأنها أدت دورا مهما، إلا أنها لا ينبغي أن توضع كلها في سلة واحدة، حيث فيها الاصيل والدخيل والبريء وغير البريء والحقيقي والوهمي، هذه التمايزات تسوغ لنا أن نتحفظ على تعميم كله «الثوار» على الجميع كي لا يساء استخدامها او ابتذالها، في هذا الصدد فإنني افرق بين الذين خرجوا إلى الميادين يوم 25 يناير وظلوا صامدين فيها حتى أسقطوا نظام مبارك وأرغموه على التنحي في ١١ فبراير، وبين المتظاهرين الذين التحقوا بالأولين بعد ذلك، وشاركوهم الغضب لسبب أو آخر، فافترشوا الميدان واعتصموا واعتلوا المنصات وتسابقت عليهم وسائل الإعلام، التي فتن بعضهم بها وتعلقوا ببريقها، وهؤلاء وهؤلاء يختلفون على المنتحلين الذين تقاطروا على الميدان من كل صوب وتراوحت دوافعهم بين البراءة وغير البراءة.من ناحية أخرى فإنني لا أريد أن أعمم ملاحظاتي على الجميع، وأقر بأن معظم تلك الملاحظات مستقاة من المشهد الراهن في ميدان التحرير، الذي يستأثر بالأضواء وبالاهتمام الاعلامي والدبلوماسي، ويراه كثيرون رمزا ومرآة للثورة، في حين انني ادرك جيدا أن الصورة اكثر جدية ونقاء في محافظات الدلتا والصعيد، التي هي أبعد عن مظان الغواية والفتنة، وهو ما يدعوني إلى القول إن الصورة في ميدان التحرير بالقاهرة وحتى في الإسكندرية، إذا اعتبرت ناطقة باسم ثورة 25 يناير، إلا أنها من بعض الزوايا ليست أفضل ولا أصدق تعبير عنها.
(2)بوسع أي واحد وابن عمه وزوجته وأولاده القصر أن يشكل «ائتلافا» ينسبه إلى الثورة وأن يقدم نفسه بحسبانه «ناشطا»، وأمامه وسليتان لإشهار الائتلاف، الأولى أن يتعرف على احد مندوبي الصحف أو معد من البرامج الحوارية وما أكثرها، أو أن ينشئ لنفسه موقعا على الإنترنت يبث من خلاله ما يشاء من آراء وبيانات «ثورية». واذا اعتبر نفسه ليبراليا ومدافعا عن الدولة المدنية ومنضما إلى جوقة المهاجمين للإخوان والسلفيين والتيارات الدينية، فإنه سيجد من يحتفي به وينقل مقر إقامته من بيته أو المقهى الذي اعتاد الجلوس عليه، بحيث يصبح زبونا في استوديوهات التلفزيون ولأن كل شيء صار مباحا فبوسعه أن يكتسب شعبية واسعة إذا زايد على الجميع واستخدم ألفاظا جارحة في نقده لرئيس الوزراء واحتشم قليلا، ولم يطلب من المشير طنطاوي رئيس المجلس العسكري سوى الاستقالة، بعدما غمز في قناة المجلس العسكري واعتبره جزءا من الثورة المضادة.
ليس في هذا الكلام أية مبالغة، ذلك انه إذا كان في الميدان الآن 130 ائتلافا كما ذكر «الناشط» جورج إسحاق للاهرام يوم الخميس الماضي 21/7، فأغلب الظن أن 80 ٪ من تلك الائتلافات على الاقل قد تشكلت بالطريقة التي ذكرتها، هذا اذا كان لها وجود اصلا.
عند الحد الأدنى، فثمة علامات استفهام كثيرة حول بعض تلك الائتلافات وجهات الاتفاق عليها، وفي حدود معلوماتي فإن شخصا واحدا شكل خمسة ائتلافات باسماء مختلفة، كلها ثورية، ولست متأكدا مما قيل لي عن أن بعض الاجهزة شكلت ائتلافات اخرى لخدمة أغراضها، ولأن الميدان مفتوح امام الجميع فليس مستغربا أن يحاول كل صاحب مصلحة مشروعة او غير مشروعة، أن يثبت حضورا من خلال ائتلاف يعبر عنه وخيمة ينصبها يقيمها في قلب الميدان.
الساحة تبدو اكثر انفتاحا عبر الانترنت اذ بوسع أى احد أن ينشئ موقعا وهو قاعد في بيته، ثم يقول إن عشرة آلاف تضامنوا معه ويظل «الثائر» مجهولا، كما أن احدا لا يستطيع أن يتحقق من اعداد اولئك المتضامنين وما إذا كانوا اشخاصا حقيقيين أم وهميين. ولعل كثيرين يذكرون أن بعض الناشطين اعلنوا عن حملة لجمع 15 مليون توقيع لتأييد المطالبة بالدستور أولا، وقصدوا أن يكون الرقم متجاوزا الـ 14 مليونا الذين صوتوا لصالح التعديلات الدستورية ولأن التوقيع يفترض أن يتم عبر الانترنت، فإن حامل الكمبيوتر ذكر بعد ساعات انه تلقى 300 ألف توقيع، وفي المساء قيل ان مليون شخص أيدوا المطلب، وفي اليوم التالي أعلن أن عدد الموقعين وصل إلى ثلاثة ملايين، وكانت تلك الاخبار تحتل مكانها على الصفحات الاولى للصحف المنحازة للموقف، ولكن يبدو أن الذين دبروا الحملة ادركوا أن الحيلة «واسعة» بعض الشيء فأوقفوها بعد ايام قليلة.
قصص الانتحال التي من ذلك القبيل كثيرة بينها قصة المذكرتان اللتان قدمتا إلى المجلس العسكري ومجلس الوزراء وضمتا آلاف التوقيعات التي أيدت فكرة المطالبة بالدستور أولا، ثم تبين أن أغلب التوقيعات لشخص واحد وقلم واحد لم يتغير!
(3)في ظل النظام السابق كان يقال إن عشرين شخصا يحتكرون اغلب ثروة البلد وفي النظام الجديد لدينا اضعافهم يحتكرون الحديث باسم الثورة، كأنما كتب علينا أن نظل محلا للاحتكار من جانب فئة من الطامحين، والذي تغير لم يتجاوز اسماء المحتكرين وموضوع الاحتكار، من نماذج ذلك أن ينبري اكثر من واحد من الطامحين لتشكيل وتمويل تجمع يضم أصدقاءه ومعارفه ومن لف لفه، ومن هؤلاء يشكل مؤتمرا تحت لافتة تحمل اسما كبيرا ورنانا، وهذا التجمع ينتخب الرجل أمينا ويرشحه ــ رئيسا ويباشر ذلك التجمع انشطة متعددة بدعوى انه يمثل الامة، هكذا مرة واحدة.
قرأت بيانا لتجمع من هذا القبيل اصدر بيانا استهله بعبارات تقول: اثناء التحضير لمؤتمر مصر الأول والذي عقد يوم 7 مايو 2011 تحت شعار «الشعب يحمي ثورته» بحضور خمسة آلاف مشارك يمثلون جغرافيا كل مصر وجميع اطيافها السياسية والاجتماعية والثقافية، قدمت مجموعة العمل الوطنية لنهضة مصر الدستورية والقانونية التي تمثل خبرات رفيعة المستوى من الفقهاء الدستوريين وكبار القضاة والمحامين والقانونيين مشروع وثيقة لإعلان مبادئ الدستور المصري القادم بعد ثورة 25 يناير، سميت الوثيقة واحد، تم طرحها للحوار الوطني عبر موقع المؤتمر (المجلس الوطني) لمدة ثلاثة اسابيع، وقد وردت على الموقع آلاف الاستجابات التي تمثل افكارا وآراء قيمة من جموع ابناء الشعب المصري بجميع اطيافه، وتم ادراج هذه الافكار في الوثيقة (2) التي عرضت في الجلسة الاولى لمؤتمر مصر الاول، وشارك في مناقشتها عشرات المشاركين من كل التيارات. وقدمت مئات من المقترحات البناءة حول ما ورد فيها، وتمت اضافة العديد من هذه الافكار القيمة والمبادئ المهمة، فكانت الوثيقة (3) التي عرضتها جريدة الشروق ليتواصل الحوار الوطني حول ما تضمنته من مبادئ وافكار دستورية لرسم معالم شرعيتنا الدستورية القادمة.
هذا النص يجسد فكرة الجهد الخاص الذي يتصدى باسم الأمة لصياغة الحاضر والمستقبل، لكنه يظل مفتقدا للشرعية رغم استخدامه أوصافا كبيرة رنانة. فصاحب المشروع تخير اناسا بذواتهم شكّل منهم ما سماه المجلس الوطني وهذا المجلس دعا إلى مؤتمر مصر الاول، الذي قيل ان خمسة آلاف شخص شاركوا فيه يمثلون كل أطياف مصر السياسية والاجتماعية والثقافية، وقد قدمت اليهم مجموعة العمل الوطنية المختارة والتي ضمت ارفع خبرات الفقهاء الدستوريين وكبار القضاة والمحامين وهؤلاء رسموا معالم الشرعية الدستورية القادمة لمصر. بعد ذلك التقديم اللغوي الفاخر الذي اريد به اسكاتنا وافحامنا وجدنا أن الشخصيات المحترمة المختارة قدمت لنا وثيقة اغرب ما فيها بندان: الاول يعبث بالمادة الثانية من الدستور ويضعف من الهوية الاسلامية لمصر، حيث يبقى النص على أن الاسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسي للتشريع ويضيف اليه عبارة تقول: مع تأكيد هذا المبدأ بالضمانات الدستورية التي تكفل حق غير المسلمين في الاستناد لمبادئ شرائعهم الخاصة كمصدر لتشريعات أحوالهم الشخصية، وهي إضافة تشكك في عدالة النص الاول الذي يعد مرجعا ضامنا لحقوق غير المسلمين، ولم يحدث في اي مرحلة من مراحل التاريخ المصري أن كان سببا في تعطيل اي حق من حقوق غير المسلمين، الأمر الذي يشكك في براءة هدف تلك الإضافة.
البند الثاني يقتبس من الدستور العلماني التركي الذي تجاوزوه هناك منذ اربعين عاما نصا يقضي بقيام القوات المسلحة وليس المجتمع بحماية الدولة المدنية والنظام الجمهوري الديمقراطي من اي انتهاك، وهي الفكرة التي حولت الجيش هناك إلى صانع للسياسة ودفعته إلى القيام بثلاثة انقلابات عسكرية واحد كل عشر سنوات.
هل يمكن أن يقال إن مواقف من ذلك القبيل تعبر بأمانة عن جميع الاطياف في مصر، ام انها وجهة نظر تيار علماني انتحل تمثيل الامة وأراد أن يفرض رأيه على المجتمع من خلال شخصيات لم يخترها ذلك المجتمع.
(4)ليست لديّ مشكلة مع مثل هذه الوثائق، التي تعبر عن آراء واجتهادات يمكن أن تحترم، اتفقنا معها او اختلفنا، لكن المشكلة تنشأ حين يصر اصحاب تلك الآراء على فرضها علينا بدعوى انها تمثل كل اطياف المجتمع المصرى، إذ يحق لنا حينئذ أن نتساءل عمن ندبهم إلى ذلك وعن المعيار الذي لجأوا اليه في ادعاء تمثيل المجتمع. ادري أن القدرات المالية التي يتمتع بها البعض وزعيق الأبواق الإعلامية التي تعبر عنهم وامكانات ثورة الاتصال التي تيسر الوصول إلى دائرة واسعة من البشر، هذه كلها وسائل تثبت الحضور حقا لكنها لا توفر شرعية التعبير عن المجتمع بخاصة فيما يتعلق بنظامه السياسي ووثائق وخرائط مستقبله. وهو ما يسوغ لنا أن نقول إنه بعد ستة أشهر من الثورة فإننا في مصر لم ننجح في إقامة اي كيان يستند في شرعيته على انتخاب الناس واختيارهم الحر ــ والحالة الوحيدة التي عبر الناس عن رأيهم فيها كانت الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي لم يكن لها من هدف سوى انها وفرت لنا خريطة طريق لتأسيس المجتمع المدني الذي يتشدق به الجميع ويهتفون له. ولكن لأن النتيجة لم تكن على هوى البعض فقد تم الطعن في نتيجة الاستفتاء وجرى تشويه من أيدوه وتسفيه موقفهم.
الآن عرفنا لماذا قاوموا بشدة فكرة البدء باجراء الانتخابات التشريعية، ولماذا يحاولون الاستباق والانفراد بصياغة الحاضر والمستقبل على النحو الذي يستجيب لأهوائهم وأطروحاتهم، ولماذا قبلوا بإطالة أمد استمرار العسكر في السلطة وتأخير تسليمها للمدنيين، إلا أن ذلك لا يمنعنا من التأكيد على أن الانتخاب الحر المباشر هو السبيل الوحيد لاضفاء الشرعية على أي كيان سياسي يبغي تمثيل المجتمع أو كل مشروع يراد له أن يصوغ مستقبل النظام الجديد في مصر.
أكثر...
فهمي هويدي
بعد مضي ستة أشهر على إسقاط نظام مبارك، هل يصح أن نقول إن ركوب الثورة بات مقدما على إنجاحها، وإن شرعية تمثيلها أصبحت محل شك كبير؟
(1)
هذا الكلام يحتاج إلى ضبط كي لا يساء فهمه، من ناحية لأن ذلك الذي نتساءل عنه ما كان له أن ينشأ لولا خصوصية وضع ثورة 25 يناير التي صنعتها الجماهير الغفيرة التي لم تكن لها قيادة أو مشروع واضح المعالم، ثم إنها فرضت نفسها وسط فراغ سياسي مخيم، لذلك كان طبيعيا أن تشكل التجمعات والائتلافات في وقت لاحق وتتسابق لملء ذلك الفراغ، وبسبب التردد والبطء النسبي في اتخاذ القرارات من جانب المجلس العسكري، فقد زادت أهمية تلك التجمعات التي تحولت إلى عنصر ضاغط كان له اثره الفعال في إنجاز بعض الخطوات المهمة التي جاءت ملبية لمطالب الذين خرجوا يوم 25 يناير (تصفية أركان النظام السابق ــ تطهير وزارة الداخلية من قتلة الثوار ــ رعاية أُسر الشهداء ــ علنية محاكمات المسؤولين عن الفساد السياسي والمالي.. إلخ) بالتالي فإن من الظلم البيّن الادعاء بأن التجمعات والائتلافات لم تفعل شيئا، لأنها أدت دورا مهما، إلا أنها لا ينبغي أن توضع كلها في سلة واحدة، حيث فيها الاصيل والدخيل والبريء وغير البريء والحقيقي والوهمي، هذه التمايزات تسوغ لنا أن نتحفظ على تعميم كله «الثوار» على الجميع كي لا يساء استخدامها او ابتذالها، في هذا الصدد فإنني افرق بين الذين خرجوا إلى الميادين يوم 25 يناير وظلوا صامدين فيها حتى أسقطوا نظام مبارك وأرغموه على التنحي في ١١ فبراير، وبين المتظاهرين الذين التحقوا بالأولين بعد ذلك، وشاركوهم الغضب لسبب أو آخر، فافترشوا الميدان واعتصموا واعتلوا المنصات وتسابقت عليهم وسائل الإعلام، التي فتن بعضهم بها وتعلقوا ببريقها، وهؤلاء وهؤلاء يختلفون على المنتحلين الذين تقاطروا على الميدان من كل صوب وتراوحت دوافعهم بين البراءة وغير البراءة.من ناحية أخرى فإنني لا أريد أن أعمم ملاحظاتي على الجميع، وأقر بأن معظم تلك الملاحظات مستقاة من المشهد الراهن في ميدان التحرير، الذي يستأثر بالأضواء وبالاهتمام الاعلامي والدبلوماسي، ويراه كثيرون رمزا ومرآة للثورة، في حين انني ادرك جيدا أن الصورة اكثر جدية ونقاء في محافظات الدلتا والصعيد، التي هي أبعد عن مظان الغواية والفتنة، وهو ما يدعوني إلى القول إن الصورة في ميدان التحرير بالقاهرة وحتى في الإسكندرية، إذا اعتبرت ناطقة باسم ثورة 25 يناير، إلا أنها من بعض الزوايا ليست أفضل ولا أصدق تعبير عنها.
(2)بوسع أي واحد وابن عمه وزوجته وأولاده القصر أن يشكل «ائتلافا» ينسبه إلى الثورة وأن يقدم نفسه بحسبانه «ناشطا»، وأمامه وسليتان لإشهار الائتلاف، الأولى أن يتعرف على احد مندوبي الصحف أو معد من البرامج الحوارية وما أكثرها، أو أن ينشئ لنفسه موقعا على الإنترنت يبث من خلاله ما يشاء من آراء وبيانات «ثورية». واذا اعتبر نفسه ليبراليا ومدافعا عن الدولة المدنية ومنضما إلى جوقة المهاجمين للإخوان والسلفيين والتيارات الدينية، فإنه سيجد من يحتفي به وينقل مقر إقامته من بيته أو المقهى الذي اعتاد الجلوس عليه، بحيث يصبح زبونا في استوديوهات التلفزيون ولأن كل شيء صار مباحا فبوسعه أن يكتسب شعبية واسعة إذا زايد على الجميع واستخدم ألفاظا جارحة في نقده لرئيس الوزراء واحتشم قليلا، ولم يطلب من المشير طنطاوي رئيس المجلس العسكري سوى الاستقالة، بعدما غمز في قناة المجلس العسكري واعتبره جزءا من الثورة المضادة.
ليس في هذا الكلام أية مبالغة، ذلك انه إذا كان في الميدان الآن 130 ائتلافا كما ذكر «الناشط» جورج إسحاق للاهرام يوم الخميس الماضي 21/7، فأغلب الظن أن 80 ٪ من تلك الائتلافات على الاقل قد تشكلت بالطريقة التي ذكرتها، هذا اذا كان لها وجود اصلا.
عند الحد الأدنى، فثمة علامات استفهام كثيرة حول بعض تلك الائتلافات وجهات الاتفاق عليها، وفي حدود معلوماتي فإن شخصا واحدا شكل خمسة ائتلافات باسماء مختلفة، كلها ثورية، ولست متأكدا مما قيل لي عن أن بعض الاجهزة شكلت ائتلافات اخرى لخدمة أغراضها، ولأن الميدان مفتوح امام الجميع فليس مستغربا أن يحاول كل صاحب مصلحة مشروعة او غير مشروعة، أن يثبت حضورا من خلال ائتلاف يعبر عنه وخيمة ينصبها يقيمها في قلب الميدان.
الساحة تبدو اكثر انفتاحا عبر الانترنت اذ بوسع أى احد أن ينشئ موقعا وهو قاعد في بيته، ثم يقول إن عشرة آلاف تضامنوا معه ويظل «الثائر» مجهولا، كما أن احدا لا يستطيع أن يتحقق من اعداد اولئك المتضامنين وما إذا كانوا اشخاصا حقيقيين أم وهميين. ولعل كثيرين يذكرون أن بعض الناشطين اعلنوا عن حملة لجمع 15 مليون توقيع لتأييد المطالبة بالدستور أولا، وقصدوا أن يكون الرقم متجاوزا الـ 14 مليونا الذين صوتوا لصالح التعديلات الدستورية ولأن التوقيع يفترض أن يتم عبر الانترنت، فإن حامل الكمبيوتر ذكر بعد ساعات انه تلقى 300 ألف توقيع، وفي المساء قيل ان مليون شخص أيدوا المطلب، وفي اليوم التالي أعلن أن عدد الموقعين وصل إلى ثلاثة ملايين، وكانت تلك الاخبار تحتل مكانها على الصفحات الاولى للصحف المنحازة للموقف، ولكن يبدو أن الذين دبروا الحملة ادركوا أن الحيلة «واسعة» بعض الشيء فأوقفوها بعد ايام قليلة.
قصص الانتحال التي من ذلك القبيل كثيرة بينها قصة المذكرتان اللتان قدمتا إلى المجلس العسكري ومجلس الوزراء وضمتا آلاف التوقيعات التي أيدت فكرة المطالبة بالدستور أولا، ثم تبين أن أغلب التوقيعات لشخص واحد وقلم واحد لم يتغير!
(3)في ظل النظام السابق كان يقال إن عشرين شخصا يحتكرون اغلب ثروة البلد وفي النظام الجديد لدينا اضعافهم يحتكرون الحديث باسم الثورة، كأنما كتب علينا أن نظل محلا للاحتكار من جانب فئة من الطامحين، والذي تغير لم يتجاوز اسماء المحتكرين وموضوع الاحتكار، من نماذج ذلك أن ينبري اكثر من واحد من الطامحين لتشكيل وتمويل تجمع يضم أصدقاءه ومعارفه ومن لف لفه، ومن هؤلاء يشكل مؤتمرا تحت لافتة تحمل اسما كبيرا ورنانا، وهذا التجمع ينتخب الرجل أمينا ويرشحه ــ رئيسا ويباشر ذلك التجمع انشطة متعددة بدعوى انه يمثل الامة، هكذا مرة واحدة.
قرأت بيانا لتجمع من هذا القبيل اصدر بيانا استهله بعبارات تقول: اثناء التحضير لمؤتمر مصر الأول والذي عقد يوم 7 مايو 2011 تحت شعار «الشعب يحمي ثورته» بحضور خمسة آلاف مشارك يمثلون جغرافيا كل مصر وجميع اطيافها السياسية والاجتماعية والثقافية، قدمت مجموعة العمل الوطنية لنهضة مصر الدستورية والقانونية التي تمثل خبرات رفيعة المستوى من الفقهاء الدستوريين وكبار القضاة والمحامين والقانونيين مشروع وثيقة لإعلان مبادئ الدستور المصري القادم بعد ثورة 25 يناير، سميت الوثيقة واحد، تم طرحها للحوار الوطني عبر موقع المؤتمر (المجلس الوطني) لمدة ثلاثة اسابيع، وقد وردت على الموقع آلاف الاستجابات التي تمثل افكارا وآراء قيمة من جموع ابناء الشعب المصري بجميع اطيافه، وتم ادراج هذه الافكار في الوثيقة (2) التي عرضت في الجلسة الاولى لمؤتمر مصر الاول، وشارك في مناقشتها عشرات المشاركين من كل التيارات. وقدمت مئات من المقترحات البناءة حول ما ورد فيها، وتمت اضافة العديد من هذه الافكار القيمة والمبادئ المهمة، فكانت الوثيقة (3) التي عرضتها جريدة الشروق ليتواصل الحوار الوطني حول ما تضمنته من مبادئ وافكار دستورية لرسم معالم شرعيتنا الدستورية القادمة.
هذا النص يجسد فكرة الجهد الخاص الذي يتصدى باسم الأمة لصياغة الحاضر والمستقبل، لكنه يظل مفتقدا للشرعية رغم استخدامه أوصافا كبيرة رنانة. فصاحب المشروع تخير اناسا بذواتهم شكّل منهم ما سماه المجلس الوطني وهذا المجلس دعا إلى مؤتمر مصر الاول، الذي قيل ان خمسة آلاف شخص شاركوا فيه يمثلون كل أطياف مصر السياسية والاجتماعية والثقافية، وقد قدمت اليهم مجموعة العمل الوطنية المختارة والتي ضمت ارفع خبرات الفقهاء الدستوريين وكبار القضاة والمحامين وهؤلاء رسموا معالم الشرعية الدستورية القادمة لمصر. بعد ذلك التقديم اللغوي الفاخر الذي اريد به اسكاتنا وافحامنا وجدنا أن الشخصيات المحترمة المختارة قدمت لنا وثيقة اغرب ما فيها بندان: الاول يعبث بالمادة الثانية من الدستور ويضعف من الهوية الاسلامية لمصر، حيث يبقى النص على أن الاسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسي للتشريع ويضيف اليه عبارة تقول: مع تأكيد هذا المبدأ بالضمانات الدستورية التي تكفل حق غير المسلمين في الاستناد لمبادئ شرائعهم الخاصة كمصدر لتشريعات أحوالهم الشخصية، وهي إضافة تشكك في عدالة النص الاول الذي يعد مرجعا ضامنا لحقوق غير المسلمين، ولم يحدث في اي مرحلة من مراحل التاريخ المصري أن كان سببا في تعطيل اي حق من حقوق غير المسلمين، الأمر الذي يشكك في براءة هدف تلك الإضافة.
البند الثاني يقتبس من الدستور العلماني التركي الذي تجاوزوه هناك منذ اربعين عاما نصا يقضي بقيام القوات المسلحة وليس المجتمع بحماية الدولة المدنية والنظام الجمهوري الديمقراطي من اي انتهاك، وهي الفكرة التي حولت الجيش هناك إلى صانع للسياسة ودفعته إلى القيام بثلاثة انقلابات عسكرية واحد كل عشر سنوات.
هل يمكن أن يقال إن مواقف من ذلك القبيل تعبر بأمانة عن جميع الاطياف في مصر، ام انها وجهة نظر تيار علماني انتحل تمثيل الامة وأراد أن يفرض رأيه على المجتمع من خلال شخصيات لم يخترها ذلك المجتمع.
(4)ليست لديّ مشكلة مع مثل هذه الوثائق، التي تعبر عن آراء واجتهادات يمكن أن تحترم، اتفقنا معها او اختلفنا، لكن المشكلة تنشأ حين يصر اصحاب تلك الآراء على فرضها علينا بدعوى انها تمثل كل اطياف المجتمع المصرى، إذ يحق لنا حينئذ أن نتساءل عمن ندبهم إلى ذلك وعن المعيار الذي لجأوا اليه في ادعاء تمثيل المجتمع. ادري أن القدرات المالية التي يتمتع بها البعض وزعيق الأبواق الإعلامية التي تعبر عنهم وامكانات ثورة الاتصال التي تيسر الوصول إلى دائرة واسعة من البشر، هذه كلها وسائل تثبت الحضور حقا لكنها لا توفر شرعية التعبير عن المجتمع بخاصة فيما يتعلق بنظامه السياسي ووثائق وخرائط مستقبله. وهو ما يسوغ لنا أن نقول إنه بعد ستة أشهر من الثورة فإننا في مصر لم ننجح في إقامة اي كيان يستند في شرعيته على انتخاب الناس واختيارهم الحر ــ والحالة الوحيدة التي عبر الناس عن رأيهم فيها كانت الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي لم يكن لها من هدف سوى انها وفرت لنا خريطة طريق لتأسيس المجتمع المدني الذي يتشدق به الجميع ويهتفون له. ولكن لأن النتيجة لم تكن على هوى البعض فقد تم الطعن في نتيجة الاستفتاء وجرى تشويه من أيدوه وتسفيه موقفهم.
الآن عرفنا لماذا قاوموا بشدة فكرة البدء باجراء الانتخابات التشريعية، ولماذا يحاولون الاستباق والانفراد بصياغة الحاضر والمستقبل على النحو الذي يستجيب لأهوائهم وأطروحاتهم، ولماذا قبلوا بإطالة أمد استمرار العسكر في السلطة وتأخير تسليمها للمدنيين، إلا أن ذلك لا يمنعنا من التأكيد على أن الانتخاب الحر المباشر هو السبيل الوحيد لاضفاء الشرعية على أي كيان سياسي يبغي تمثيل المجتمع أو كل مشروع يراد له أن يصوغ مستقبل النظام الجديد في مصر.
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية