حادث النرويج يدق جرس الإنذار في بريطانيا أخبا

    • حادث النرويج يدق جرس الإنذار في بريطانيا أخبا

      "بريفيك" زار لندن منذ سنوات والأمن يسعى لمعرفة اتصالاته بالمجموعات اليمينية لتجنب تكرار سيناريو أوسلو في بريطانيا

      القوانين البريطانية تكبل التيارات اليمين المتطرفة وتحصرها في هامش ضيق غير أنها تمارس عدوانها داخل الأحياء الفقيرة التي توجد بها أقليات إسلامية

      لندن - يسري حسين

      يُقلق الحادث الإرهابي الذي جرى في النرويج، الدوائر الأمنية البريطانية، خاصة ما يشير إلى اتصالات بين مرتكب هذه الجريمة أندروز بهرينج بريفيك وبعض منظمات اليمين البريطاني، في ظل إشارات بوجود موجة بين تيارات أوروبية يمينية تنحاز إلى تعصب وانغلاق وتلتقي عند محاور عدائية، توجه نيران دعايتها نحو فرق سياسية مختلفة، داعمة لتيار التعدد الثقافي وحقوق الأقليات ومساندة لحقائق على الأرض مرتبطة بالإسلام في البيئة الأوروبية.ودعاة النقاء العنصري على الطريقة الهتلرية، يريدون أوروبا نظيفة تماماً من أديان أخرى غير المسيحية. وهم أقلية في ظل تيار ديمقراطي عريض يرحب بالآخر ويفتح له المجال في ظل تعددية ثقافية تعطي المجتمعات الأوروبية حيوية بالغة وتنوع مثير يصب في صالح الاستقرار والتنمية.

      يشعر التيار القومي الأوروبي المنتشر في بيئات مختلفة، سواء في الدنمارك والنرويج وهولندا وبريطانيا بالحاجة إلى التصدي لما يدعونه بتغيير ثقافة القارة والتأثير على انتماء ديني لها يتمثل في المسيحية.

      والمثير للأمر أن هذه الدول الأوروبية شكلت نهضة اعتماداً على علمانية تفصل بين الدين والدولة. وهذا يعود إلى عصر التنوير الأوروبي الذي حقق هذا الانتقال. لكن الأزمة الأوروبية عكست نبضها في صعود النازية والفاشية واندلاع الحرب العالمية الثانية التي خاضها التحالف على قواعد ديمقراطية صريحة وتعددية وانفتاح يُلغي كافة أشكال التمييز.وقد بدأت في السنوات الأخيرة مع انهيار الاتحاد السوفياتي ظهور رياح قومية في أوروبا، حدث ذلك في قلب يوجسلافيا، عندما حاول الصربيون فرض إرادتهم والقيام بحرب تطهير عنصرية داخل البلقان. ولعل ما جرى في البوسنة والهرسك ثم بعد ذلك في كوسوفو يكشف مدى انهيار القشرة الحضارية المنفتحة وظهور الأمراض العنصرية الكريهة بكل ألوانها. وقد خطط الإرهابي النرويجي لقتل أبرياء من مواطنيه لطرح القضية التي يؤمن بها، وهي تطهير أوروبا من عرقيات وأديان وتأسيسها فقط على الجنس الأبيض المسيحي. هذه الدعوة هي شكل نازي جديد، غير أنها أكثر قسوة ووحشية، إذ اختار هذا المجرم قتل أكثر من 90 شخصاً من مواطنين وأهل بلده لتجسيد فكرته وجذب الأنظار إليها.هذا يكشف مدى جنون العنصرية وتخريبها وتزمتها وأزمتها أيضاً، إذ كان يمكن له الدعوة لأفكاره بطريقة سلمية تختلف تماماً عما ارتكبه وتلتقي مع رغبات المجتمعات الأوروبية التي تسمح بحرية التعبير مهما كانت الأفكار سخيفة وسوداء.وقد شرح أندروز بريفيك أفكاره المدمرة ووجه انتقادات حادة لبلاده نتيجة مشاركة حلف شمال الأطلسي في الحرب على النظام العنصري الصربي الذي كان يقود الحرب الإبادية ضد مسلمي البلقان.

      هذه الحرب أزعجت الاتجاهات اليمينية المتطرفة في أوروبا والتي ترتدي قناع المسيحية، بينما تلتزم بأبشع الأفكار دموية والدليل ما قام به الإرهابي النرويجي، الذي قتل مواطنين بعمد وإصرار للفت الانتباه إلى مشروعه الذي يدعو إليه للمحافظة على أوروبا نقية من أقليات وعرقيات وأديان خاصة الإسلام.يستخدم أندروز تعبيراً بشأن ما يدعيه بأسلمة أوروبا، أو المعنى الأكثر تطرفاً بالحديث عن الاستعمار الإسلامي للقارة في نظره. وكانت النازية أعلى مراحل التدمير وتتحدث عن النقاء العنصري والإنسان الأوروبي المتفوق. وهذه النظرية الوحشية قاتلة، لكن تعتنقها بعض تيارات متطرفة داخل القارة ولعل حادث النرويج يكشف الخطر في الداخل وليس في الخارج.

      لقد اعتادت أوروبا على اكتساب هجرات مختلفة، واعتمدت دائماً على فكرة التسامح والمساواة. وتلك شعارات الثورة الفرنسية في أعلى درجات تجلياتها، غير أن القارة مع أزمات اقتصادية وهزات عنيفة تمر بها تفرز بعض التيارات المدمرة القادرة على ارتكاب هذه الحماقات بتلك الدرجة الإجرامية كما حدث في النرويج.المجرم النرويجي زار لندن منذ سنوات، وتسعى الأجهزة الأمنية لمعرفة اتصالاته بالمجموعات اليمينية المتطرفة، وإذا كان هناك ما يشبه التخطيط لتكرار عمليات بهذا الحجم مثلما حدث في العاصمة النرويجية : أوسلو.ويعبر أندروز بريفيك عن عداء مرضي للإسلام، ويضيف إلى سلسلة العداء المجموعات السياسية والفكرية الداعية للتنوع الثقافي والحامية للأقليات باعتبار أن الجميع يصنع ثقافة إنسانية واحدة تفيد الجنس البشري.لكن هؤلاء أعداء السلم الإنساني يفجرون الأرض بالعنصرية البغيضة ويقتلون أبرياء بالتعبير عن أفكارهم المريضة والغارقة في الكراهية والمشبعة بحقد دفين لا مبرر له على الإطلاق.

      لقد انهزمت النازية والفاشية معاً بإصرار معسكر الحرية، حيث كان انتصاره يعني حماية العالم كله ووقف الحرب المدمرة لتجريد الكرة الأرضية من تنوع سكانها وتعدد ديانات وثقافات، هي التي تمنح الكون وهجه الإنساني. واليمين البريطاني ومجموعات هامشية نازية تدور في الحلقة ذاتها، وأصبحت تركز هدفها على دائرة واحدة تسمى بالإسلام وتطلق النيران وتحرض عليه، غير أن قوانين بريطانيا الصارمة تكبل هذه التيارات وتحصرها في هامش ضيق، غير أنها تمارس عدوانها داخل الأحياء الفقيرة التي توجد بها أقليات إسلامية وأخرى تنتمي إلى عرقيات إفريقية وآسيوية.إن هناك من يرفض في أوروبا انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي حتى لا يختل التوازن لصالح أغلبية إسلامية. وهذا منطق مغلوط فانضمام أنقرة سيثري الاتحاد بالمزيد من التنوع والتجدد وعادات تضاف إلى رصيد شعوبه.ويعمل هذا الحادث النرويجي لإزالة العقبات لدخول تركيا إلى عضوية الاتحاد لقمع الاتجاهات العنصرية وإقناعها بأن توسيع الساحة وقبول الآخر الإسلامي داخل حدود القارة يشكل الإثراء لأوروبا الجديدة التي يدخل الإسلام ضمن مكوناتها.إن العنصرية تموت وتحتضر وهذا ما حدث في جنوب إفريقيا، ولابد من القارة الأوروبية من تطهير بيتها الداخلي من تلك الأعشاب الضارة والقاتلة بالمزيد من الانفتاح ووقف هذا العداء للإسلام ورفض الآخر مهما كان الخلاف معه. فالحل هو العيش معا في ظل قيم الدولة الحديثة التي تطبق قواعد المساواة كما وضعها الفرنسيون خلال ثورتهم العظيمة التي حررت البشرية من طغيان واستبداد.

      حادث النرويج سيفتح عيون الأجهزة والمؤسسات البريطانية لمتابعة منظمات يمينية متطرفة تمارس الشغب ضد المسلمين والقوى الليبرالية والداعية لمساندة التعدد الثقافي في كل أشكاله.

      الجريمة التي شهدتها النرويج هدف مرتكبها لشد الانتباه إلى قضية عنصرية فاسدة يتحمس لها، لكن على الجبهة الأخرى ستفتح ملفات هذه الجماعات ليس في بريطانيا فقط وإنما داخل الاتحاد الأوروبي لمعرفة نوعية الخطر الحقيقي والأمراض السخيفة التي تنمو داخل عقول بعض الشبان، إذ يتصورون أن تطهير بلادهم من فئات وأديان أخرى سيمنحهم السلام، بينما العكس هو ما سيحدث إذا تمت هذه الكارثة، ويكفي الرجوع للخلف لأكثر من نصف قرن لنرى ما فعله هتلر وكل أنصاره من أصحاب نظرية التطهير العنصري، التي ظهرت في طبعة جديدة مخيفة على يد شياطين الصرب ومذابحهم المروعة وهزيمتهم بفعل الإرادة الدولية التي أنقذت البلقان من يدهم القذرة.

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية