حلقات كتبها: د. خالد محمد غازي
كانت الفسطاط قد عرفت في عهد العباسيين ظاهرتان سلبيتان الأولى عندما قام الخليفة الأموي الهارب اليها مروان الثاني بحرقها قبل ان يدخلها العباسيون، والثانية عندما انشأ العباسيون مدينة جديدة لهما هي "العسكر" إلا ان ذلك لم يكن عقبة أمام ما تحقق لمدينة الفسطاط من الاتساع والنمو ، ففي عام 750 م بعد أن دخلت مصر القوات العباسية لمطاردة الخليفة مروان الثاني ، الذي كان قد أحرق الفسطاط ، لم تقم هذه القوات بالفسطاط ، لكنها شيدت لها مقراً يدعى "دار الإمارة " في منطقة "الحمراء القصوي" وحولها ظهر حي جديد ضم مسجداً وثكنات للجند وأسواقاً ومنشآت مختلفة ، وعرفت تلك المنطقة باسم العسكر وذلك عام 751 م ، وفيها أقام 65 والياً عباسياً خلال 118 عاماً .
ولكن لم تمنع تلك الظاهرتان من أن تستعيد الفسطاط وبسرعة مكانتها ورونقها ، وتضيف " العسكر " التي اتخذها الولاة العباسيون مقرا لهم إلى امتداداتها .
يقول الباحث الفرنسي أولج فولكف : اتخذت الفسطاط تدريجيا شكل مثلث ذي ثلاثة بوابات "باب الصفا" شرقاً و"باب مصر" في الشمال و"باب القنطرة" بالجنوب ، وكان النيل لها بمثابة وتر المثلث ، واشتد التصاق المدينة بالنهر لأنه مكنها من احتكار التجارة وبالتالي الصناعة ، فبفضله صارت مركزاً مهماً للتبادل التجاري ومركزاً للطرق التجارية التي وصلت إلى الجزيرة العربية والمغرب وسوريا والجزر اليونانية وافريقيا السوداء .
وقد جاهدت المدينة على ألا تفقد ارتباطها بالنهر ، فواصلت تقدمها في الاتجاه الشمالي الشرقي ، أما المنطقة البعيدة المجاورة لجبل المقطم فقد تركت للموتى ، حيث أقيمت فيها مقابر للأقباط والمسلمين ، وقد عرفت جبانة المسلمين "بالقرافة الكبرى" وربطت بقلب الفسطاط عن طريق شارع جنائزي سمي "طريق الوداع" وفي تلك المنطقة أقيمت أضرحة للسيدة نفيسة وللأئمة : الشافعي ، الليثي ، وسيدي عقبة ، وبذا تشكلت مدينتان متجاورتان إحداهما من منازل والأخرى من مقابر . واصلتا الزحف جنبا إلى جنب على نحو متماثل .
* رخاء وازدهار
في أوج ازدهار الحكم الفاطمي ، أولى الرحالة الذين زاروا مصر الفسطاط ، التي دام ازدهارها قروناً عديدة وأدمجت فيها مدينة العسكر . وقد وصفها الرحالة بأنها مدينة إقليمية عامرة بالسكان ومفعمة بالحيوية ، وقدرها ابن حوقل والأصخري سنة 977 م بثلث مساحة بغداد ، وفي خلال بضع سنوات صارت الفسطاط قلب الأمة الاسلامية ، حيث اهتم كافور الاخشيدي بالعلوم والآداب ، وشيد مدرسة ، كما شيد العديد من الجوامع إلي جانب جامع عمرو ، وقد ظل الأخير على مكانته كمركز تدور حوله كل أنشطة المدينة . وكانت الأسواق مزدحمة بالناس والمصانع التي تنتج السكر والورق ، وعلى النيل أقيم ميناء المقس ، ودار لصناعة السفن . ويصف المؤرخ المقدسي دهشته لعظم عدد سكان الفسطاط عام 985 م ، بقوله في يوم الجمعة كان يؤدي الصلاة عشرة آلاف رجل خلف الإمام ، واحتكر سوق القناديل التجارة والمعاملات ، وانتشرت في كل مكان منازل من أربعة وخمسة طوابق كان بعضها يتسع لمائتي نفس .
ويضيف : إنها أبهي مدن الإسلام وأكثرها عمرانا ، وفضلا عن ذلك كان المرء يجد فيها كل الأشياء التي قد يحتاجها في حياته بأسعار زهيدة حيث كانت تتدفق عليها البضائع من أرجاء العالم باستمرار . ويقول المؤرخ القلقشندي كان الرخاء عاماً في الفسطاط في نهاية القرن العاشر الميلادي حتي إن الأغنياء لم يجدوا فقراء يؤدون إليهم الزكاة فشكوا إلي الوزير كافور الذي أشار عليهم ببناء المساجد وتوريث أموالهم . ووصف الرحالة الفارسي "ناصر خسرو ، سوق القناديل" بأنه أغني أسواق الدنيا ويشير بدهشة فائقة إلي ارتفاع منازل الفسطاط ، فيذكر أن منها من كان ذا أربعة عشر طابقا ، كما أن الحدائق كانت تغرس علي أسطح المنازل ، وقد عدد خسرو صنوف البضائع الفاخرة والنادرة التي كانت تباع في الفسطاط ، وتحدث عن مصنوعاتها المحلية وقد امتدح هدوءها وأمنها وحسن سياسة حاكمها .
* مقياس النيل عراقيا
ظلت الفسطاط لمدة طويلة أهم مدن العالم الإسلامي وبعد قرن كامل من تشييد مقياس النيل الذي يقيس ارتفاع فيضان النيل ، أعيد بناؤه في عام 861 م بأمر من الخليفة المأمون ثم الخليفة المتوكل الذي أوفد من العراق معمارياً مشهوراً هو محمد بن كثير الفرغاني ، وقد صحبه عالم رياضي يدعي محمد ينتصب الفلكي ، ثم رممه الخليفة المستنصر بالله في القرن الحادي عشر الميلادي ، ويتألف مقياس النيل من بئر مستطيل متصل بقاع النهر ، ومن أعلى يفتح على فنار مربع وفي مركز البئر ينتصب عمود رخامي مثمن قسم إلى درجات أو أذرع تحدد ارتفاع الماء . ويمكن عن طريق سلم دائري منحوت في حوائط البئر أن تنزل حتى سطح الماء الذي يكسبه الظلام مظهر مرمر أسود سائلاً ، وعلى الضفة المقابلة مثلث الجيزة وكانت مدينة صناعية صغيرة علي أطرافها شيدت فيلات فاخرة وجهت بطريقة تسمح لها باستقبال نسيم النيل .
وهكذا صمدت الفسطاط تلك المدينة المزدحمة بالسكان والتي لعبت دوراً صناعياً وتجارياً مهما طويلا ، بعد أن اتخذ الخلفاء والارستقراطيون من القاهرة سكنا لهم ، واستمرت فيها مصانع الحديد والنحاس والصابون والزجاج والورق والسكر والمنسوجات حتى القرن الثالث عشر الميلادي .وفي عام 1119 م صنعت فيها حلقة من النحاس المطروق مقسمة إلى درجات يبلغ قطرها بضعة أقدام وتزن بضعة أطنان ، وقد استخدمت كحامل لآلة للرصد الفلكي .
وتشهد آثار الفسطاط وما عثر عليه في خزائنها من خزف قديم ومصنوعات زجاجية علي الازدهار الذي عاشته وكانت الضربة القاصمة لها حين بدأ الضعف يدب في النصف الثاني من مدة خلافة الخليفة المستنصر (1035-1094) حيث قضت المجاعة والفتن العسكرية على رخاء هذا العهد .
وكانت أكثر مناطقها تأثراً هي المنطقة الشمالية والقطائع مدينة الطولونيين ومدينة العسكر العتيقة ، ولما زار الرحالة الفارسي ناصر خسرو الفسطاط في عهد الخليفة المستنصر ، وجدها مدينة مهجورة تحولت إلي خرائب ، واعيد استخدام ما امكن نقله منها في أبنية القاهرة في عصر بدر الجمالي ، وتبع ذلك بناء حوائط حتي تحجب منظر الخرائب الكئيب عن نظر الخليفة إذا ما غادر القاهرة متوجها إلي الفسطاط ماراً بالشارع الأعظم.
وفي عصر الخليفة الآمر (1101-1130) أمر وزيره المأمون البطائحي كل من يملك عقاراً خرباً أن يصلحه أو يسكنه أو يبيعه أو يؤجره ، وإلا فقد حق ملكيته . ولكن هذا الأمر أدى إلى ظهور أحياء جديدة جنوب القاهرة بين ميدان الرميلة وباب زويلة .
* حرائق وخراب ومجاعات
أهملت الفسطاط وظلت عارية من التحصينات ، لتأتي النهاية في عصر الخليفة العاص في الوقت الذي كان جيش الصليبيين يزحف عليها ، وخشي الوزير شاور أن يتخذ الصليبيون الفسطاط قاعدة لهم ، فأمر سكانها بالرحيل ، فغادروها كلهم "كأنما خرجوا من قبورهم إلى المحشر : لا يعبأ والد بولده ولا يلتفت أخ إلي أخيه" ، وفي القاهرة أوى المهاجرون في المساجد والحمامات والشوراع ، وبمجرد أن أخليت المدينة حمل إليها شاور في 22 نوفمبر 1168 م عشرين ألف قدرة نفط وعشرة آلاف مشعل ، واضرم فيها النار ، تحولت المدينة إلى موقد ملتهب رهيب ، واستمرت النار متأججة أربعة وخمسين يوما محيت فيها المدينة ، التي قاومت النار كان اعلانا منها بأنها ترفض الاندثار دونما أن تترك أثراً مهما كانت سوء حالته .
ولمدة قرن من الزمان توالت على الفسطاط ، النوائب وأخذ أهلها يهجرونها وأخيراً عجزت عن منافسة القاهرة بثرائها الذي لمع كفنار يرسل ضوءه عبر القمر ويعلق المؤرخ الفرنسي : ولج فولكف على ما حدث لمدينة ناضلت من أجل البقاء بقوله : أخذت القاهرة الفتية في التباعد عن الفسطاط الميتة وقد فصلتهما تلال من الركام ، يخترقها طريق ترابي يبدأ من باب زويلة (جنوب القاهرة) ، ويمتد إلى المنازل القليلة المحيطة بجامع عمرو ، وهي المنطقة الوحيدة التي عمرت بعد الحريق . وقد أخذت المدينة تناضل للبقاء ، فبالرغم من الأوبئة والمجاعات التي فتكت بسكانها مرات ، إلا أنها استمرت تلعب دوراً مهما في اقتصاد البلاد ، ولكن دون أن تصل أبدا إلي سالف مجدها الذي بهر ناصري خسروي المؤرخ الفارسي.
لقد تحولت بوابة المدينة والكثير من المنازل إلي خرائب ، وصارت شوارعها ضيقة قذرة ، أما جامعها الذي كان قد أصلحه صلاح الدين بعناية فائقة ، فقد هُجر من جديد وأصبح طريقاً للمسير ، ورغم هذا فُعندما كان المرء يلتفت بنظره إلى النيل كان يرى عددا من السفن التجارية الراسية واستمر السكر والحرير يصنعا بها ، واستمرت أيضا مركزاً للتجارة والصناعة ومنها تنقل البضائع إلى القاهرة .
وعلى النقيض من القاهرة المدينة الحديثة الحربية مثلت الفسطاط مدينة تجارية مشغولة بمصالحها المادية . وقد امتدح ابن سعيد وداعة أهلها فقال "لم أرقط في أي من البلاد أكثر من أهل الفسطاط مودة" ويصفهم بالرقة والتسامح كتجار أصلاء يحاولون مضاعفة معارفهم .
وتدريجيا أخذت القاهرة في اجتذاب التجارة إليها على حساب الفسطاط ففي العصور الوسطى لم تعد أسواقها تجذب انتباه الرحالة الذين اهتموا بوصف أسواق القاهرة التي أدهشتهم . ويختفي اسم المدينة في الظلام ولا يبق منها سوى اسم مصر .
* مصر القديمة
ويكاد يكون تاريخ الفسطاط مجهولا بدءا من القرن السادس عشر ميلادي بينما أخذت القاهرة في الازدهار وتعاظمت سطوتها حتى صارت الفسطاط تعرف في النهاية بمصر القديمة وقد سميت بالقديمة لأن فيها عاصمة مصر القديمة (الفسطاط) ، ويرى الأوربيون أن موقعها أفضل بكثير من موقع القاهرة لقربها من النيل ، ولقد نالت الفسطاط اهتماماً كبيراً من الرحالة كما أوردت د. إلهام ذهني في كتابها (مصر في كتابات الرحالة الفرنسيين) في القرن التاسع عشر ، فلا تذكر الفسطاط إلا ويذكر معها عمرو بن العاص وتاريخ بناء المدينة ومعنى اسمها .
وتمثل مصر القديمة مزاراً مهما للرحالة ، ففيها العديد من الكنائس خاصة كنيسة العذراء ، وأبي سرجة ، وبها أيضا دير للفتيات اليونانيات وغيرها من المزارات المسيحية ، وفي عهد محمد على أصبحت مصر القديمة سكناً للأثرياء وكبار الشخصيات الذين اهتموا باقامة الحدائق الجميلة فيها واتسمت شوارعها بالهدوء والنظافة .وقد بلغ عدد سكان مصر القديمة أثناء حملة نابليون عشرة آلاف نسمة تقريباً من بينهم ستمائة مسيحي ، وقد أشار علماء الحملة إلي أهمية مينائها في الملاحة النهرية إلي مصر العليا ، وفي التاسع عشر صارت منطقة نشطة ، وبلغ عدد سكانها في أحصاء 1897 م واحداً وثلاثين الف نسمة . وقد امتدت مصر القديمة بحذاء شاطئ النيل ويلتحم طرفها الشمالي مع مدينة القاهرة ، وقد غطت بقاياها أكوام من الأتربة تمتد حتى جبل المقطم وذلك في نهاية العصر الفاطمي .
وقبل رسوخ القاهرة كعاصمة أبدية لمصر .. كانت مدينة القطائع العاصمة المصرية الثالثة منذ الفتح الإسلامي فقد اسسها أحمد بن طولون في عصر الطولونيين عام 870 م في الجانب الشمالي من "العسكر" ، وأقام في وسطها مسجداً وجامعاً يعد من أكبر مساجد العالم الاسلامي وأبهاها ..
فما هي قصة صعود وهبوط تلك المدينة ؟ .. هذا ما سنعرفه في الحلقة التالية .
أكثر...
كانت الفسطاط قد عرفت في عهد العباسيين ظاهرتان سلبيتان الأولى عندما قام الخليفة الأموي الهارب اليها مروان الثاني بحرقها قبل ان يدخلها العباسيون، والثانية عندما انشأ العباسيون مدينة جديدة لهما هي "العسكر" إلا ان ذلك لم يكن عقبة أمام ما تحقق لمدينة الفسطاط من الاتساع والنمو ، ففي عام 750 م بعد أن دخلت مصر القوات العباسية لمطاردة الخليفة مروان الثاني ، الذي كان قد أحرق الفسطاط ، لم تقم هذه القوات بالفسطاط ، لكنها شيدت لها مقراً يدعى "دار الإمارة " في منطقة "الحمراء القصوي" وحولها ظهر حي جديد ضم مسجداً وثكنات للجند وأسواقاً ومنشآت مختلفة ، وعرفت تلك المنطقة باسم العسكر وذلك عام 751 م ، وفيها أقام 65 والياً عباسياً خلال 118 عاماً .
ولكن لم تمنع تلك الظاهرتان من أن تستعيد الفسطاط وبسرعة مكانتها ورونقها ، وتضيف " العسكر " التي اتخذها الولاة العباسيون مقرا لهم إلى امتداداتها .
يقول الباحث الفرنسي أولج فولكف : اتخذت الفسطاط تدريجيا شكل مثلث ذي ثلاثة بوابات "باب الصفا" شرقاً و"باب مصر" في الشمال و"باب القنطرة" بالجنوب ، وكان النيل لها بمثابة وتر المثلث ، واشتد التصاق المدينة بالنهر لأنه مكنها من احتكار التجارة وبالتالي الصناعة ، فبفضله صارت مركزاً مهماً للتبادل التجاري ومركزاً للطرق التجارية التي وصلت إلى الجزيرة العربية والمغرب وسوريا والجزر اليونانية وافريقيا السوداء .
وقد جاهدت المدينة على ألا تفقد ارتباطها بالنهر ، فواصلت تقدمها في الاتجاه الشمالي الشرقي ، أما المنطقة البعيدة المجاورة لجبل المقطم فقد تركت للموتى ، حيث أقيمت فيها مقابر للأقباط والمسلمين ، وقد عرفت جبانة المسلمين "بالقرافة الكبرى" وربطت بقلب الفسطاط عن طريق شارع جنائزي سمي "طريق الوداع" وفي تلك المنطقة أقيمت أضرحة للسيدة نفيسة وللأئمة : الشافعي ، الليثي ، وسيدي عقبة ، وبذا تشكلت مدينتان متجاورتان إحداهما من منازل والأخرى من مقابر . واصلتا الزحف جنبا إلى جنب على نحو متماثل .
* رخاء وازدهار
في أوج ازدهار الحكم الفاطمي ، أولى الرحالة الذين زاروا مصر الفسطاط ، التي دام ازدهارها قروناً عديدة وأدمجت فيها مدينة العسكر . وقد وصفها الرحالة بأنها مدينة إقليمية عامرة بالسكان ومفعمة بالحيوية ، وقدرها ابن حوقل والأصخري سنة 977 م بثلث مساحة بغداد ، وفي خلال بضع سنوات صارت الفسطاط قلب الأمة الاسلامية ، حيث اهتم كافور الاخشيدي بالعلوم والآداب ، وشيد مدرسة ، كما شيد العديد من الجوامع إلي جانب جامع عمرو ، وقد ظل الأخير على مكانته كمركز تدور حوله كل أنشطة المدينة . وكانت الأسواق مزدحمة بالناس والمصانع التي تنتج السكر والورق ، وعلى النيل أقيم ميناء المقس ، ودار لصناعة السفن . ويصف المؤرخ المقدسي دهشته لعظم عدد سكان الفسطاط عام 985 م ، بقوله في يوم الجمعة كان يؤدي الصلاة عشرة آلاف رجل خلف الإمام ، واحتكر سوق القناديل التجارة والمعاملات ، وانتشرت في كل مكان منازل من أربعة وخمسة طوابق كان بعضها يتسع لمائتي نفس .
ويضيف : إنها أبهي مدن الإسلام وأكثرها عمرانا ، وفضلا عن ذلك كان المرء يجد فيها كل الأشياء التي قد يحتاجها في حياته بأسعار زهيدة حيث كانت تتدفق عليها البضائع من أرجاء العالم باستمرار . ويقول المؤرخ القلقشندي كان الرخاء عاماً في الفسطاط في نهاية القرن العاشر الميلادي حتي إن الأغنياء لم يجدوا فقراء يؤدون إليهم الزكاة فشكوا إلي الوزير كافور الذي أشار عليهم ببناء المساجد وتوريث أموالهم . ووصف الرحالة الفارسي "ناصر خسرو ، سوق القناديل" بأنه أغني أسواق الدنيا ويشير بدهشة فائقة إلي ارتفاع منازل الفسطاط ، فيذكر أن منها من كان ذا أربعة عشر طابقا ، كما أن الحدائق كانت تغرس علي أسطح المنازل ، وقد عدد خسرو صنوف البضائع الفاخرة والنادرة التي كانت تباع في الفسطاط ، وتحدث عن مصنوعاتها المحلية وقد امتدح هدوءها وأمنها وحسن سياسة حاكمها .
* مقياس النيل عراقيا
ظلت الفسطاط لمدة طويلة أهم مدن العالم الإسلامي وبعد قرن كامل من تشييد مقياس النيل الذي يقيس ارتفاع فيضان النيل ، أعيد بناؤه في عام 861 م بأمر من الخليفة المأمون ثم الخليفة المتوكل الذي أوفد من العراق معمارياً مشهوراً هو محمد بن كثير الفرغاني ، وقد صحبه عالم رياضي يدعي محمد ينتصب الفلكي ، ثم رممه الخليفة المستنصر بالله في القرن الحادي عشر الميلادي ، ويتألف مقياس النيل من بئر مستطيل متصل بقاع النهر ، ومن أعلى يفتح على فنار مربع وفي مركز البئر ينتصب عمود رخامي مثمن قسم إلى درجات أو أذرع تحدد ارتفاع الماء . ويمكن عن طريق سلم دائري منحوت في حوائط البئر أن تنزل حتى سطح الماء الذي يكسبه الظلام مظهر مرمر أسود سائلاً ، وعلى الضفة المقابلة مثلث الجيزة وكانت مدينة صناعية صغيرة علي أطرافها شيدت فيلات فاخرة وجهت بطريقة تسمح لها باستقبال نسيم النيل .
وهكذا صمدت الفسطاط تلك المدينة المزدحمة بالسكان والتي لعبت دوراً صناعياً وتجارياً مهما طويلا ، بعد أن اتخذ الخلفاء والارستقراطيون من القاهرة سكنا لهم ، واستمرت فيها مصانع الحديد والنحاس والصابون والزجاج والورق والسكر والمنسوجات حتى القرن الثالث عشر الميلادي .وفي عام 1119 م صنعت فيها حلقة من النحاس المطروق مقسمة إلى درجات يبلغ قطرها بضعة أقدام وتزن بضعة أطنان ، وقد استخدمت كحامل لآلة للرصد الفلكي .
وتشهد آثار الفسطاط وما عثر عليه في خزائنها من خزف قديم ومصنوعات زجاجية علي الازدهار الذي عاشته وكانت الضربة القاصمة لها حين بدأ الضعف يدب في النصف الثاني من مدة خلافة الخليفة المستنصر (1035-1094) حيث قضت المجاعة والفتن العسكرية على رخاء هذا العهد .
وكانت أكثر مناطقها تأثراً هي المنطقة الشمالية والقطائع مدينة الطولونيين ومدينة العسكر العتيقة ، ولما زار الرحالة الفارسي ناصر خسرو الفسطاط في عهد الخليفة المستنصر ، وجدها مدينة مهجورة تحولت إلي خرائب ، واعيد استخدام ما امكن نقله منها في أبنية القاهرة في عصر بدر الجمالي ، وتبع ذلك بناء حوائط حتي تحجب منظر الخرائب الكئيب عن نظر الخليفة إذا ما غادر القاهرة متوجها إلي الفسطاط ماراً بالشارع الأعظم.
وفي عصر الخليفة الآمر (1101-1130) أمر وزيره المأمون البطائحي كل من يملك عقاراً خرباً أن يصلحه أو يسكنه أو يبيعه أو يؤجره ، وإلا فقد حق ملكيته . ولكن هذا الأمر أدى إلى ظهور أحياء جديدة جنوب القاهرة بين ميدان الرميلة وباب زويلة .
* حرائق وخراب ومجاعات
أهملت الفسطاط وظلت عارية من التحصينات ، لتأتي النهاية في عصر الخليفة العاص في الوقت الذي كان جيش الصليبيين يزحف عليها ، وخشي الوزير شاور أن يتخذ الصليبيون الفسطاط قاعدة لهم ، فأمر سكانها بالرحيل ، فغادروها كلهم "كأنما خرجوا من قبورهم إلى المحشر : لا يعبأ والد بولده ولا يلتفت أخ إلي أخيه" ، وفي القاهرة أوى المهاجرون في المساجد والحمامات والشوراع ، وبمجرد أن أخليت المدينة حمل إليها شاور في 22 نوفمبر 1168 م عشرين ألف قدرة نفط وعشرة آلاف مشعل ، واضرم فيها النار ، تحولت المدينة إلى موقد ملتهب رهيب ، واستمرت النار متأججة أربعة وخمسين يوما محيت فيها المدينة ، التي قاومت النار كان اعلانا منها بأنها ترفض الاندثار دونما أن تترك أثراً مهما كانت سوء حالته .
ولمدة قرن من الزمان توالت على الفسطاط ، النوائب وأخذ أهلها يهجرونها وأخيراً عجزت عن منافسة القاهرة بثرائها الذي لمع كفنار يرسل ضوءه عبر القمر ويعلق المؤرخ الفرنسي : ولج فولكف على ما حدث لمدينة ناضلت من أجل البقاء بقوله : أخذت القاهرة الفتية في التباعد عن الفسطاط الميتة وقد فصلتهما تلال من الركام ، يخترقها طريق ترابي يبدأ من باب زويلة (جنوب القاهرة) ، ويمتد إلى المنازل القليلة المحيطة بجامع عمرو ، وهي المنطقة الوحيدة التي عمرت بعد الحريق . وقد أخذت المدينة تناضل للبقاء ، فبالرغم من الأوبئة والمجاعات التي فتكت بسكانها مرات ، إلا أنها استمرت تلعب دوراً مهما في اقتصاد البلاد ، ولكن دون أن تصل أبدا إلي سالف مجدها الذي بهر ناصري خسروي المؤرخ الفارسي.
لقد تحولت بوابة المدينة والكثير من المنازل إلي خرائب ، وصارت شوارعها ضيقة قذرة ، أما جامعها الذي كان قد أصلحه صلاح الدين بعناية فائقة ، فقد هُجر من جديد وأصبح طريقاً للمسير ، ورغم هذا فُعندما كان المرء يلتفت بنظره إلى النيل كان يرى عددا من السفن التجارية الراسية واستمر السكر والحرير يصنعا بها ، واستمرت أيضا مركزاً للتجارة والصناعة ومنها تنقل البضائع إلى القاهرة .
وعلى النقيض من القاهرة المدينة الحديثة الحربية مثلت الفسطاط مدينة تجارية مشغولة بمصالحها المادية . وقد امتدح ابن سعيد وداعة أهلها فقال "لم أرقط في أي من البلاد أكثر من أهل الفسطاط مودة" ويصفهم بالرقة والتسامح كتجار أصلاء يحاولون مضاعفة معارفهم .
وتدريجيا أخذت القاهرة في اجتذاب التجارة إليها على حساب الفسطاط ففي العصور الوسطى لم تعد أسواقها تجذب انتباه الرحالة الذين اهتموا بوصف أسواق القاهرة التي أدهشتهم . ويختفي اسم المدينة في الظلام ولا يبق منها سوى اسم مصر .
* مصر القديمة
ويكاد يكون تاريخ الفسطاط مجهولا بدءا من القرن السادس عشر ميلادي بينما أخذت القاهرة في الازدهار وتعاظمت سطوتها حتى صارت الفسطاط تعرف في النهاية بمصر القديمة وقد سميت بالقديمة لأن فيها عاصمة مصر القديمة (الفسطاط) ، ويرى الأوربيون أن موقعها أفضل بكثير من موقع القاهرة لقربها من النيل ، ولقد نالت الفسطاط اهتماماً كبيراً من الرحالة كما أوردت د. إلهام ذهني في كتابها (مصر في كتابات الرحالة الفرنسيين) في القرن التاسع عشر ، فلا تذكر الفسطاط إلا ويذكر معها عمرو بن العاص وتاريخ بناء المدينة ومعنى اسمها .
وتمثل مصر القديمة مزاراً مهما للرحالة ، ففيها العديد من الكنائس خاصة كنيسة العذراء ، وأبي سرجة ، وبها أيضا دير للفتيات اليونانيات وغيرها من المزارات المسيحية ، وفي عهد محمد على أصبحت مصر القديمة سكناً للأثرياء وكبار الشخصيات الذين اهتموا باقامة الحدائق الجميلة فيها واتسمت شوارعها بالهدوء والنظافة .وقد بلغ عدد سكان مصر القديمة أثناء حملة نابليون عشرة آلاف نسمة تقريباً من بينهم ستمائة مسيحي ، وقد أشار علماء الحملة إلي أهمية مينائها في الملاحة النهرية إلي مصر العليا ، وفي التاسع عشر صارت منطقة نشطة ، وبلغ عدد سكانها في أحصاء 1897 م واحداً وثلاثين الف نسمة . وقد امتدت مصر القديمة بحذاء شاطئ النيل ويلتحم طرفها الشمالي مع مدينة القاهرة ، وقد غطت بقاياها أكوام من الأتربة تمتد حتى جبل المقطم وذلك في نهاية العصر الفاطمي .
وقبل رسوخ القاهرة كعاصمة أبدية لمصر .. كانت مدينة القطائع العاصمة المصرية الثالثة منذ الفتح الإسلامي فقد اسسها أحمد بن طولون في عصر الطولونيين عام 870 م في الجانب الشمالي من "العسكر" ، وأقام في وسطها مسجداً وجامعاً يعد من أكبر مساجد العالم الاسلامي وأبهاها ..
فما هي قصة صعود وهبوط تلك المدينة ؟ .. هذا ما سنعرفه في الحلقة التالية .
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية