إسرائيل وأزمة الهوية أراء الكتاب الشبيبة

    • إسرائيل وأزمة الهوية أراء الكتاب الشبيبة

      * رغم إعلان إسرائيل أنها الدولة القومية للشعب اليهودي فإنها ليس لديها تعريف قانوني محدد لمصطلح "يهودي" سوى التعريف الديني: فالحاخامات هم من يحددون للدولة الإسرائيلية من هو اليهودي

      يوناتان توفال

      منذ تقلده لمنصب رئيس الوزراء منذ أكثر من عامين، ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشكل متكرر على الفلسطينيين للاعتراف بإسرائيل كـ"دولة يهودية". وفي خطابه أمام الكونجرس الأمريكي في شهر مايو الفائت جعل نتنياهو من مطلبه هذا محور أي اتفاقية سلام مستقبلية، واعدا بحدوث "تسوية بعيدة المدى" فقط إذا ما قال الرئيس الفلسطيني بشكل معلن "أقبل بوجود دولة يهودية".

      وللأسف آمنت إدارة أوباما بلا تبصر بفكرة نتنياهو وتعمل حاليا من خلف الكواليس على الضغط على حلفائها الرئيسيين لتبني صيغة من شأنها أن تدعو إسرائيل والفلسطينيين إلى استئناف المفاوضات على أساس حدود عام 1967 وللمرة الأولى في عملية السلام في الشرق الأوسط تذكر التوقعات الدولية بأن يعترف الفلسطينيون بإسرائيل كدولة يهودية.

      لقد قيل الكثير عن سبب رفض الفلسطينيين لمنح إسرائيل هذا الاعتراف - بالتأكيد في هذه المرحلة من المفاوضات. ولكن المفارقة أن الإسرائيليين ربما يكونوا هم أول من يعترض على هذا التعريف لدولتهم، أو على الأقل أول من يسبب لهم هذا التعريف تشوشا وتخبطا، حيث إنه من غير الواضح بالمرة لأي أحد، وليس أقلهم مواطنو إسرائيل اليهود، ماذا يعني نتنياهو بهذا المطلب على وجه التحديد.

      من الناحية التاريخية، سعت الحركة الصهيونية الحديثة إلى تحويل مصطلح "يهودي" إلى مصطلح قومي بوضوح. ولكن هذا المسعى لم ينجح تماما. ولو أنه كان قد نجح لربما كان مصطلح "يهودي" يشير اليوم إلى أفراد مجتمع قومي- على غرار، مثلا، "فرنسي" في إشارة إلى القومية الفرنسية أو "بولندي" في الإشارة إلى القومية البولندية.

      ولكن في كثير من أنحاء العالم مازال مصطلح "يهودي" اليوم غامضا يعتمد معناه الدقيق على السياق. فكلمة "يهودي" يمكن أن تعني صفة دينية أو عرقية أو روحية. كما أنها يمكن أن تعني مجموعة عرقية أو تقليدا ثقافيا. وبالنسبة لبعض اليهود، وبخاصة في أوروبا ما قبل التحرر، كان هناك شعور بأن اليهودية هي قضاء وقدر. وفي بعض الأوساط في الولايات المتحدة اليوم تشير كلمة "يهودي" في الأساس إلى نوع من الفكاهة.

      في الحقيقة، في إسرائيل فقط يشير مصطلح "يهودي" إلى جنسية الإنسان، رغم أن مصدر السلطة يقع خارج نطاق الاختصاص الحصري للدولة. وفي الحقيقة رغم إعلان إسرائيل أنها الدولة القومية للشعب اليهودي فإنها ليس لديها تعريف قانوني محدد لمصطلح "يهودي" سوى التعريف الديني: فالحاخامات هم من يحددون للدولة الإسرائيلية من هو اليهودي.

      ويرجع تاريخ هذا الفشل في صياغة تعريف متماسك لمصطلح "يهودي" إلى بداية الحركة الصهيونية. حيث إنه من أجل تحويل الشعب اليهودي إلى أمة من الضروري جمعهم في أرض واحدة وتحديد لغة جماعية لهم- حيث كانت الأرض واللغة هما السمتان الرئيسيتان للقومية في القرن التاسع عشر- فقد تصارعت الصهيونية مع عدة خيارات لكلا السمتين. وقد شملت هذه الخيارات أوغندا والأرجنتين كأراض ممكنة، بينما كانت الألمانية هي اللغة المفضلة لدى تيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية.

      ولكن على الرغم من النبض العلماني للصهيونية السائدة فقد كان الاختيار النهائي للأرض هو أرض إسرائيل التوراتية وللغة لغة التوراة. وفي حين أن اختيار الأرض ربما كان له معنى براجماتي في ذلك الوقت (ولم يكن اختيار اللغة كذلك)، فإن ظهور الحركة الصهيونية لم يساعد في شيء، حيث عمل على تصعيد وليس تخفيف الأسس الدينية للأمة اليهودية.

      وهذه من بين الأسباب الجوهرية لكون شخصية الدولة الإسرائيلية مازالت قضية متنازع عليها بشكل كبير داخل إسرائيل نفسها. فما الذي يجعل إسرائيل "يهودية"؟ وهل السيادة على الأرض التوراتية أمر مهم للهوية اليهودية الذاتية لإسرائيل (كما تجادل حركة المستوطنين)؟ وهل إسرائيل هي دولة اليهود الذين يعيشون في إسرائيل أم أيضا هؤلاء الذين يعيشون في أماكن أخرى من العالم؟ (ختم نتنياهو خطابه أمام الكونجرس قائلا "أنا أتحدث نيابة عن الشعب اليهودي والدولة اليهودية.") وهل "يهودية" إسرائيل تمنعها من أن تكون دولة لكل مواطنيها، حتى غير اليهود منهم؟

      الجدل داخل إسرائيل حول هذه القضايا جدل عاطفي ومستمر. وهو يمنع إسرائيل من التوصل إلى تعريف متماسك لهويتها، ناهيك عن تعريف يقبله ويعترف به أغلبية مواطنيها والذين معظمهم علمانيون وليبراليون بكل المقاييس الغربية.

      ومن ثم فبدلا من مطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية فإن هذه المهمة مطلوبة من إسرائيل نفسها. وبينما من المغري إلقاء العبء على الآخرين فإنه يظل من واجب إسرائيل في المقام الأول اكتشاف ماذا تعني عندما تقول إنها "يهودية"، وأن تتأكد من أن هذا التعريف مقبول ومعترف به من قبل مواطنيها. وعندما تفعل إسرائيل ذلك فربما تكون قادرة على مطالبة جيرانها بمطلب أكثر تماسكا.

      * كاتب ومحلل سياسي في مجال السياسة الخارجية في تل أبيب خدمة نيويورك تايمز

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية