إن أخطر ما في وضعنا الاجتماعي هو القناعة السريعة بالمظاهر السطحية دون تأمل ما في دواخلها، وظاهرة صفة إطلاق القناعة السريعة وتعميمها على عامة الناس.
كتب - عبدالله عباس
أشرت في مقالي الأسبوع الماضي إلى حديث بيرجنيسكي مستشار الأمن السابق في الإدارة الأمريكية الذي وجه من خلاله إنذارا، بأن المجتمع الأمريكي مهدد بفوضى مدنية إذا استمر تفاوت الدخل بين الأغنياء والفقراء، وأبدى خوفه من الإنزلاق إلى صراعات اجتماعية حادة، وعداوات اجتماعية، بغض النظر عن بدايات تكوين ما يسمى الآن بـ(الأمة الأمريكية)، فإن المجتمع الأمريكي ككل المجتمعات البشرية، طموحه الاستقلال والحرية دفعه في عام 1776 عند إعلان الثورة، ما أدى إلى إصدار إعلان الاستقلال والذي جاء فيه: إننا نؤمن بأن الناس خُلقوا سواسية وأن خالقهم قد وهبهم حقوقاً لا تقبل المساومة، ومنها حق الحياة والسعي لتحقيق السعادة... إلخ.
والآن نترك صورة المجتمع الأمريكي في الداخل وننظر إلى صورته و(إبداعاته) في الخارج، إذ تشن القوات الأمريكية وفي وقت واحد هجمات صاروخية من طائرات بدون طيار وتفجيرات وغارات واغتيالات ومعارك على الأرض في مناطق لخمس دول هي، أفغانستان، وباكستان، والعراق، وليبيا، واليمن، وأن الرئيس أوباما الذي يدين بالفضل لفوزه في انتخابات 2008 إلى الغضب الشعبي الأمريكي من الحربين اللتين شنهما بوش في أفغانستان والعراق، والذي هو من أدانها قبل ولايته، وبذلك نرى أن نتيجة الانتخابات لم تغير شيئا من صورة أمريكا البشعة أمام العالم، وأن أوباما ورث المذهب الشائن للإدارة السابقة. إن الإمبريالية الأمريكية لها حق شن الحرب ضد أي بلد ينظر إليه على أنه تهديد (محتمل) للأمن الأمريكي!.
وربما يتذكر بعض القراء الأعزاء أنني رويت هذا الحدث: (جمعتني الصدفة في مكان عام مع أحد الزملاء من الصحفيين الشباب، كان يعمل محرراً في الصحيفة التي كنت رئيس تحريرها قبل أعوام؛ وهو عائد تواً من (جنة أمريكا) بعد أن قضى شهراً (شهر فقط لا غير) في إحدى المدن الأمريكية ضمن مجموعة شباب من العراق أرسلوا تحت عنوان (دورة تدريبية للصحفيين الشباب)، وبدون أن يطلب منه أحد بدأ بمدح المجتمع الأمريكي (بأنه شعب محب للإنسانية ومجتمع عاطفي متماسك لا يفكر إلا في الحب والصداقة.. إلخ) وختم محاضرته وهو يمشي ويقول: (والله يا أستاذ إحنا ظلمنا الأمريكيين عندما وصفناهم بالشرسين والشرانيين ..!!) وبسرعة استدرك كما نقول بلغة الصحفيين وقال: (والله إني ما أعتقد ذوله الجنود المحتلين أمريكيين ومن نفس المجتمع اللي أنا عشت معهم ..!!) فما كان مني إلا أن قلت له: لاحول ولا قوة إلا بالله.. تصور إحنا أحياناً نظلم أبرياء وبالذات الأمريكيين!!".
إن أخطر ما في وضعنا الاجتماعي هو القناعة السريعة بالمظاهر السطحية دون تأمل ما في دواخلها، وظاهرة صفة إطلاق القناعة السريعة وتعميمها على عامة الناس!. هل يكفي الشهر لشاب ذهب للمشاركة في دورة مهنية لتقييم المجتمع الأمريكي بالشكل الذي رويته لكم...؟ المجتمع الأمريكي الذي يصف الفيلسوف الفرنسي حضارته بأنها حضارة كونكريتية؟.
من يتابع بتجرد وضع المجتمع الأمريكي يرى مجتمعا مريضاً يعاني من كل المشكلات التي تعانيها كل مجتمعات العالم، بل أمريكا أيضا تعاني مشكلات أكثر صعوبة من المشكلات التي تعانيها بعض الدول في عالم الجنوب! وهم وداخل أمريكا يتحدثون ويحللون خطورة هذه المشكلات، فعلى سبيل المثال؛ الخبراء الأمريكيين بين فترةِ وأخرى يشددون على ضرورة عدم تجاهل الارتفاع الحاد في عدد وقوة الميليشيات في كثير من مدنهم التي ساعدت في إذكاء جذوة الإرهاب الداخلي منذ التسعينيات وتطويعها التقنيات الحديثة لتجنيد عناصر جديدة لبث الخوف والكراهية.
وكان تقرير أعده مركز (ساوثرن بوفرتي) قد حذر من خطر تصاعد قوة الميليشيات اليمينية المسلحة في أمريكا، ونبه إلى أن تنامي قدراتها قد يهدد بدخول أمريكا في دوامة من العنف الداخلي في المستقبل القريب، وذكر المركز أن الأجهزة الأمنية الأمريكية رصدت وجود خمسين ميليشيا جديدة في البلاد منذ العام 2009م، وتمارس هذه الميليشيات تدريبات مسلحة مكثفة!.
إلى ذلك؛ لفت تقرير المركز ويحمل عنوان (الموجة الجديدة.. عودة الميليشيات) إلى أن العناصر المسلحة المنضوية في هذه التنظيمات تضم (عناصر قومية) موزعة على حركات لمجموعات شبه مسلحة أو تيارات تعارض دفع الضرائب للحكومة المركزية أو اتجاهات تنادي بـ(السيادة الوطنية) أي الانفصال عن الولايات المتحدة!.
ويؤكد التقرير أن الميليشيات اليمينية شهدت خلال العقد الحالي نمواً غير مسبوق وبذلك فإن الأمر لا يحتاج إلى أكثر من شرارة الوصول الى مرحلة من العنف والتهديدات.. يعني مسألة وقت ليس إلا.
وأوضح تقرير آخر أعدته هيئة أمريكية مختصة أن التنظيمات المتشددة والعنصرية المعروفة باسم (مجموعات الكراهية) تزايدت بنسبة 54% منذ عام 2000 لتصل إلى أعداد غير مسبوقة في تاريخ أمريكا، وذكر التقرير أن تلك المجموعات التي كانت تصب جام غضبها على المهاجرين اللاتينيين؛ اليوم لديها أعداء جدد؛ وعلى رأسهم أول رئيس أمريكي أسود اللون باراك حسن أوباما إلى جانب الأزمة المالية العالمية التي رفعت منسوب المشاعر العدائية.
وأخيراً؛ وأنا أتحدث بهذا الموضوع قال لي صديقي: ألا يمكن أن نساعد هذه المعارضة كما تفعل أمريكا، كل من يخرب بلداننا وبحجة الحرية؟، والله فكرة.. ليش لا!؟، ولكن الخوف أن هؤلاء ربما لا يقبلون التدخل الخارجي في شؤونهم.
أكثر...
كتب - عبدالله عباس
أشرت في مقالي الأسبوع الماضي إلى حديث بيرجنيسكي مستشار الأمن السابق في الإدارة الأمريكية الذي وجه من خلاله إنذارا، بأن المجتمع الأمريكي مهدد بفوضى مدنية إذا استمر تفاوت الدخل بين الأغنياء والفقراء، وأبدى خوفه من الإنزلاق إلى صراعات اجتماعية حادة، وعداوات اجتماعية، بغض النظر عن بدايات تكوين ما يسمى الآن بـ(الأمة الأمريكية)، فإن المجتمع الأمريكي ككل المجتمعات البشرية، طموحه الاستقلال والحرية دفعه في عام 1776 عند إعلان الثورة، ما أدى إلى إصدار إعلان الاستقلال والذي جاء فيه: إننا نؤمن بأن الناس خُلقوا سواسية وأن خالقهم قد وهبهم حقوقاً لا تقبل المساومة، ومنها حق الحياة والسعي لتحقيق السعادة... إلخ.
والآن نترك صورة المجتمع الأمريكي في الداخل وننظر إلى صورته و(إبداعاته) في الخارج، إذ تشن القوات الأمريكية وفي وقت واحد هجمات صاروخية من طائرات بدون طيار وتفجيرات وغارات واغتيالات ومعارك على الأرض في مناطق لخمس دول هي، أفغانستان، وباكستان، والعراق، وليبيا، واليمن، وأن الرئيس أوباما الذي يدين بالفضل لفوزه في انتخابات 2008 إلى الغضب الشعبي الأمريكي من الحربين اللتين شنهما بوش في أفغانستان والعراق، والذي هو من أدانها قبل ولايته، وبذلك نرى أن نتيجة الانتخابات لم تغير شيئا من صورة أمريكا البشعة أمام العالم، وأن أوباما ورث المذهب الشائن للإدارة السابقة. إن الإمبريالية الأمريكية لها حق شن الحرب ضد أي بلد ينظر إليه على أنه تهديد (محتمل) للأمن الأمريكي!.
وربما يتذكر بعض القراء الأعزاء أنني رويت هذا الحدث: (جمعتني الصدفة في مكان عام مع أحد الزملاء من الصحفيين الشباب، كان يعمل محرراً في الصحيفة التي كنت رئيس تحريرها قبل أعوام؛ وهو عائد تواً من (جنة أمريكا) بعد أن قضى شهراً (شهر فقط لا غير) في إحدى المدن الأمريكية ضمن مجموعة شباب من العراق أرسلوا تحت عنوان (دورة تدريبية للصحفيين الشباب)، وبدون أن يطلب منه أحد بدأ بمدح المجتمع الأمريكي (بأنه شعب محب للإنسانية ومجتمع عاطفي متماسك لا يفكر إلا في الحب والصداقة.. إلخ) وختم محاضرته وهو يمشي ويقول: (والله يا أستاذ إحنا ظلمنا الأمريكيين عندما وصفناهم بالشرسين والشرانيين ..!!) وبسرعة استدرك كما نقول بلغة الصحفيين وقال: (والله إني ما أعتقد ذوله الجنود المحتلين أمريكيين ومن نفس المجتمع اللي أنا عشت معهم ..!!) فما كان مني إلا أن قلت له: لاحول ولا قوة إلا بالله.. تصور إحنا أحياناً نظلم أبرياء وبالذات الأمريكيين!!".
إن أخطر ما في وضعنا الاجتماعي هو القناعة السريعة بالمظاهر السطحية دون تأمل ما في دواخلها، وظاهرة صفة إطلاق القناعة السريعة وتعميمها على عامة الناس!. هل يكفي الشهر لشاب ذهب للمشاركة في دورة مهنية لتقييم المجتمع الأمريكي بالشكل الذي رويته لكم...؟ المجتمع الأمريكي الذي يصف الفيلسوف الفرنسي حضارته بأنها حضارة كونكريتية؟.
من يتابع بتجرد وضع المجتمع الأمريكي يرى مجتمعا مريضاً يعاني من كل المشكلات التي تعانيها كل مجتمعات العالم، بل أمريكا أيضا تعاني مشكلات أكثر صعوبة من المشكلات التي تعانيها بعض الدول في عالم الجنوب! وهم وداخل أمريكا يتحدثون ويحللون خطورة هذه المشكلات، فعلى سبيل المثال؛ الخبراء الأمريكيين بين فترةِ وأخرى يشددون على ضرورة عدم تجاهل الارتفاع الحاد في عدد وقوة الميليشيات في كثير من مدنهم التي ساعدت في إذكاء جذوة الإرهاب الداخلي منذ التسعينيات وتطويعها التقنيات الحديثة لتجنيد عناصر جديدة لبث الخوف والكراهية.
وكان تقرير أعده مركز (ساوثرن بوفرتي) قد حذر من خطر تصاعد قوة الميليشيات اليمينية المسلحة في أمريكا، ونبه إلى أن تنامي قدراتها قد يهدد بدخول أمريكا في دوامة من العنف الداخلي في المستقبل القريب، وذكر المركز أن الأجهزة الأمنية الأمريكية رصدت وجود خمسين ميليشيا جديدة في البلاد منذ العام 2009م، وتمارس هذه الميليشيات تدريبات مسلحة مكثفة!.
إلى ذلك؛ لفت تقرير المركز ويحمل عنوان (الموجة الجديدة.. عودة الميليشيات) إلى أن العناصر المسلحة المنضوية في هذه التنظيمات تضم (عناصر قومية) موزعة على حركات لمجموعات شبه مسلحة أو تيارات تعارض دفع الضرائب للحكومة المركزية أو اتجاهات تنادي بـ(السيادة الوطنية) أي الانفصال عن الولايات المتحدة!.
ويؤكد التقرير أن الميليشيات اليمينية شهدت خلال العقد الحالي نمواً غير مسبوق وبذلك فإن الأمر لا يحتاج إلى أكثر من شرارة الوصول الى مرحلة من العنف والتهديدات.. يعني مسألة وقت ليس إلا.
وأوضح تقرير آخر أعدته هيئة أمريكية مختصة أن التنظيمات المتشددة والعنصرية المعروفة باسم (مجموعات الكراهية) تزايدت بنسبة 54% منذ عام 2000 لتصل إلى أعداد غير مسبوقة في تاريخ أمريكا، وذكر التقرير أن تلك المجموعات التي كانت تصب جام غضبها على المهاجرين اللاتينيين؛ اليوم لديها أعداء جدد؛ وعلى رأسهم أول رئيس أمريكي أسود اللون باراك حسن أوباما إلى جانب الأزمة المالية العالمية التي رفعت منسوب المشاعر العدائية.
وأخيراً؛ وأنا أتحدث بهذا الموضوع قال لي صديقي: ألا يمكن أن نساعد هذه المعارضة كما تفعل أمريكا، كل من يخرب بلداننا وبحجة الحرية؟، والله فكرة.. ليش لا!؟، ولكن الخوف أن هؤلاء ربما لا يقبلون التدخل الخارجي في شؤونهم.
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية