ثلاث قـطرات دم أخبار الشبيبة

    • ثلاث قـطرات دم أخبار الشبيبة

      بقلم - سميرة الخروصية

      القرية مجتمع خاص، ممطرة أزقته بالحكايات، والروايات الطويلة، أفراده مجموعة تراكيب بشرية، لهم مفهوم ثابت وموحَّد، أرواحهم مرتبطة بالأرض، بالنخيل، بالأفلاج، بروائح البن والزعفران، بالعُقد القَبَلية المتأصلة في الجوهر الإنساني، ولا تكاد تخلو قرية من "معلم"، لا يشترط أن يكون هذا الأخير مشعوذا أو دجالا، لكن ربما درويشا على باب الله يبحث عن رزق!. ففي قرية هي أقرب إلى هذا المناخ عاشت "الحاجة سلامة" بعكس والديها المحب للخلوات الصوفية والابتهالات الروحية، حتى أن البعض شهد لوالدها بالكمال، فصدق الكذبة!.الحاجة التي لم تتوجه يوما إلى "مكة" كانت تحب الغناء، لكن اتجاهها كان مختلفا، فقد كانت تحب عزف "الطار"، وموسيقى التراث الشعبي، ومتعتها الخاصة كانت هي الجلوس في "الحوش" والاستماع إلى الأغاني التراثية القديمة التي لا يكتمل الاستماع إليها إلا بحضور "القدو" الذي كان يشاركها بصوت إيقاعه الشاذ وصواعد روائحه نشوة السماع والاستمتاع والرجوع إلى الزمن القديم!.

      أثناء طقسها الصباحي عُرفت"الحاجة سلامة" بأنها تعيش لحظتها حالة توحد مع عالمها الخاص، مع أنها حظيت باحترام العامة لان سجِّل والدها كان فاتحة خير عليها، وما ساعد "الحاجة سلامة" في زمنها، أن صبياً من أبناء القرية كاد أن يفقد عينه إثر مرض عضال، فنصحتهم الحاجة بان تجرح أم الصبي جانبا من إصبعها اليمنى وتضع ثلاث قطرات دم في عين الصبي لتشفى عينه المتأذية، وعلى الفور أخذت أم الصبي بنصيحة الحاجة، وما هي إلا شهور وشفي الصبي، فانتشرت بعدها الحكاية في كل أرجاء القرية، عندها قررت الحاجة منذ ذلك اليوم بأن تفتح بيتها مصحا للتداوي بالأعشاب، وأيضا للعلاج وطرد الجان!!.فقد روجت لها تلك الدعاية بابا للرزق وأصبحت بين ليلة وضحاها صاحبة سر إلهي، يعني معلمة من الدرجة الأولى، تفتح بابها منذ الصباح الباكر، لتضع لافتة مكتوب عليها(مفتوح)با للغة العربية و(open) باللغة العربية، على الطريقة الحديثة تماشيا مع العصر!. لكنها لم تفارق "قدوها" الذي بقي متربعا في مملكة الحوش. وماذا بـعد؟!!... ما زالت "سلامة" تبحث عن عمل، ورشتها ما عادت تدر المال كما يجب، فانتشرت إشاعة بأن الحاجة ستعتزل التداوي، لأن جدها المرحوم الذي قيل بأنه كان ولياً ذات زمن قد زارها في المنام، ونصحها بأن توظف عملها في شيء يقربها إلى الله أكثر، وأن تعتكف المنزل لتلقي الوعظ والنصح والإرشاد لنساء القرية، وجمع التبرعات للأسر الفقيرة، فاكتظ منزلها بالنساء، فكأنما أصبح تجوالاً في سوق !!.

      كان يوم الاثنين من كل أسبوع مخصصا لمحاضرة دينية. سألت إحدى النساء يوماً جاراتها في إحدى محاضرات الحاجة: ماذا حلَّ "بقدو" الحاجة سلامة؟ فمكانه يا أختاه خالٍ. لكن هذه الأخيرة قد أخطأت السؤال، لأنه جاء أثناء محاضرة، فسمعتها الواعظة سلامة، ولحقتها هامسة: لستُ متألمة لفراق الشيطان يا امرأة!!. حينها طأطأت المرأة رأسها في استحياء، ثم هزت الحاجة رأسها وأكملت: النميمة حراااام يا جماعة. أما من كان يعرف "سلامة" حق المعرفة فلم يكن يجهل أن "قدو" الحاجة ما زال يتربع طقسه الساحر معها في منتصف الليل وهي تغني معزية فراقه:"مليان قلبي مليان، ويسيل مثل الوديان على فراقك". وماذا بــعد؟؟!..

      وظلت سلامة تبحث عن ورشة مباركة في منزلها بعد أن أحست بأن هناك من يشكك في محاضراتها ويختلف مع آرائها، وبخاصة الفتيات اليافعات، إذ اقتصرت محاضراتها في السابق على النساء الأميات والكثير من المسنات فقط من نساء القرية اللاتي لا يعرفن الشارق من الغارب، أما الجيل الواعد فقد كان بعيدا عن الحسبان. عندها قررت الحاجة اعتزال المهنة بحجة أنها ستتفرغ لتجعل من بابها الطيب بابا مفتوحا لتحفيظ القرآن الكريم، وبذاك تكون قد ابتعدت عن التشكيك وحصلت على مهنة تدر مالا وتجلب البركة(هكذا هي الحياة)نضال دائم.

      كان في تلك القرية من النسوة من هم في حاجة إلى ذلك، والحاجة لم تكن تقوم بمشروع دون دراسة، لذلك اكتسبت خبرة من التلقين والوعظ والتدريس، فألهمها ذلك أن تفتح بيتها مدرسة لمحو الأمية بعد أن أصبحت هناك منافسة، فكثرت منازل تحفيظ القرآن، وسُحِبَ بساط الرزق من تحتها،وماذا بعـد؟!...

      انتشرت آخر إشاعة، بأن مشروع "الحاجة سلامة" قد باء بالفشل الذريع لأنها لم تحصل على رخصة لتفتح مدرسة، فأصيبت باكتئاب، فبقيت في منزلها بعد أن أمطرت المسؤولين بكل غضب الأرض، مردها أن سلامة لا تطأطئ رأسها أو تفشل!.

      عادت الحاجة إلى "حوش" منزلها تزاول طقسها القديم غير آبهة بكلام الوشاة، متوخية الوقوع في مشروع آخر، أو تجربة مع أبناء القرية لكنها تفاجأت ذات ليلة بأن أم الصبي تلك قد عادت من جديد لتدق بابها، بعد أن أصيب ابنها بضرر في عينه اليسرى طمعا منها في علاج له، لكن سلامه أخرجتها عنوة لأنها اعتبرتها فأل شؤم عليها من ناحية، ومعالجتها لابنها بقطرات الدم الثلاثة تلك من ناحية أخرى، والتي كانت هي البدء في الحكاية .

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية