* السلطان بيبرس يعيد للأزهر مكانته التي ضاعت أيام الأيوبيين.
حلقات كتبها : د. خالد محمد غازي
كان لطبيعة القاهرة الخاصة كمدينة بنيت لتكون مقرا لاقامة الخليفة وكموقع للدفاع عن المملكة في مواجهة الغزو ان اتخذت طابعا معماريا مختلفا ، فأصبحت مدينة ارستقراطية ، محرم دخولها على الغرباء وأيضا كانت مدينة الابواب السبعة التي تنفتح على المدينة وآثارها .
وفي قلب القاهرة كانت مدينة مزدانة بالخضرة في شوارعها وحاراتها وأيضا على منازلها واسقف بيوتها ، بينما كان الماء العذب ينقله السقاءون في قربة من الماء إلى البيوت البعيدة ، لقد حرص الحكام على تخطيط القاهرة وأن تكون مدينة آمنة وجميلة وساحرة .
وأحاط القاهرة سور يعلوه طريق دائري يتسع لمرور فارسين ومن الصعب تتبع آثار هذا السور على وجه دقيق فلم يكن منتظم البناء وكانت أضلاعه تقريبا موجهة إلى الجهات الأصلية . وفي السور الذي كان يفصل المدينة عن القطائع والعسكر فتح بابان متقاربان هما "بابا زويلة " وكانا واقعين إلى الشمال قليلا من الباب الحالي الذي يحمل نفس الاسم وهو اسم قبيلة من البربر أتت مع جوهر الصقلي ، وعندما جاء المعز من القيروان سنة 972 م دخل المدينة من الباب الأيمن فتدافع الناس للدخول من الباب الأيسر ليلحقوا به ، وقد أدي هذا إلى اشاعة ان الباب الثاني مشئوم ويفسد مشاريع من يعبره ، وقد قيل إن مفصلات ضلفتي الباب اتخذت من الزجاج .
وكان باب زويلة مسرحا لتنفيذ حكم الاعدام العلني مما ساعد على تدعيم السمعة السيئة للباب الأيسر . فضلا عن وجود سوق لآلات الموسيقي كالعود والرباب .. الخ ، التي كرهها الدين . فصار هذا المكان مقصداً للمغنيين وللراقصين وهم قوم سيئو السمعة واشتد تطير الناس من هذا الباب حتى انتهي الأمر إلى سده تماما .
أبواب القاهرة السبعة
يقول الباحث الفرنسي اولج فولكف : ( أما حائط المدينة الشمالي الموازي للحائط السابق فكان به بابان هما " باب الفتوح " و " باب النصر " وقد شيدهما معماريون وكان يقعا إلى الجنوب من البابين الحاليين اللذين يحملان نفس الاسم ). وفتحت في الحائط الغربي ثلاثة أبواب: باب سعادة وباب الفرج وباب القنطرة ، وبالقرب منه كانت توجد قنطرة على الخليج تربط المدينة بضواحيها وبميناء المقس وأم دنين ( الأزبكية الحالية) والمنطقة الواقعة شمالها وكان بالحائط الشرقي بابان " البرقية " و " المحروق " ، وأقام جوهر قنطرة على النيل تربط الجيزة بالضفة الشرقية ، وحفر خندقا عام 971 م إلى الشمال من القاهرة قرب " منية الاصبع " عرضه عشرة أذرع ومثلها عمقه ، وكان يمتد من الصحراء إلى الأرض الزراعية وقد حفر لحماية المدينة من غارات القرامطة المتواصلة .
وقدرت المساحة المربعة التي أحاطها السور بـ 041 هيكتاراً . وكان طول كل جانب من جوانبها يتراوح ما بين 1100 و 1200 متر وهي أبعاد الفسطاط والعسكر ، لكن تخطيط القاهرة كان أعظم وأكثر تناسقا ، وقد أحسن تخطيطها فظهرت كتحفة فنية قيض لها أن تعيش أطول ما بقت من عمائر العباسيين وابن طولون المتعجلة .
حدائق القاهرة
يقول ناصر خسرو [ وزار مصر بين 1064 و 1049 م ] :" من أهم خصائص مصر أن من يريد أن يعمل حديقة يمكنه ان يحقق رغبته في أي فصل من فصول السنة . فمن اليسير هناك على المرء أن يزرع أو يحصل على نبات سواء كان اشجاراً للزينة أو اشجار فاكهة محملة بالثمار . فهناك أناس يمارسون هذا النوع من التجارة وهم على استعداد دائم لتوريد أي صنف ولديهم اشجار مزروعة في براميل خشبية موضوعة على أسطح منازلهم التي تشبه الحدائق ، وهي أشجار في الغالب مغطاة بالفاكهة من البرتقال أو الرمان أو التفاح أو السفرجل ولديهم أيضا مشاتل للورود والرياحين ، وللنباتات العطرية . فإذا ما رغب إنسان في شيء منها أتي الحمالون لنقل الصناديق الخشبية التي زرعت فيها الاشجار ، وتربط الصناديق إلى قوائم خشبية يحملها الحمالون الذين ينقلونها إلى المكان المطلوب . وبعد ان تفرغ الصناديق من محتوياتها تزرع الأشجار التي لم يلحق بها أدني ضرر . ولم اشهد لهذا مثيلاً في أي بلد في العالم ولم أسمع بهذا في أي مكان آخر ولابد أن أضيف انها عادة لطيفة جداً .
ويصف خسرو انبهاره بالسواقي التي ترفع الماء اللازم لتلك الحدائق بقوله " على الأسطح زرعت الأشجار وبنيت جواسق . أما الماء اللازم للمدينة فقد كان يجلبه السقاؤون من النيل وكان ينقل على ظهر 25 ألف جمل خصصت لهذا الغرض !!!" وبالطبع بالغ كثيرا في هذا الرقم وإن كان على أي حال يدل على مدى ضخامة هذه المهمة .
حارة السقايين
وزودت المدينة أيضا بآبار حفرت بالقرب من النيل بالماء العذب لكن ماءها كان يتحول إلى ملحي كلما بعدت المسافة عن شاطئ النهر . وكان السقاء يحمل الماء على ظهره في اناء من الفخار المسامي وكان القادرون يدفعون ثمنا مقابل أكواب الماء اما الفقراء فكانوا يشربون مجانا أو مقابل قطعة من الخبز يضعها السقا في جراب معلق على جانبه . ولتشجيع هذا العمل النبيل سمح للسقائين بأخذ الماء دون مقابل من الأسبلة وهي خزانات ماء شيدها الأثرياء وحرصوا على تزويدها دائما بالماء العذب . فضلا عن أنهم أعفوا من دفع الضرائب . وفي الموالد كان الأتقياء يستأجرون السقاين لتوزيع الماء مجانا على الحجاج وعلى من يريد الشرب.
منازل القاهرة
كانت منازل القاهرة غارقة في الخضرة حيث ألفت مجموعة بديعة منتقاة . وكان من الممكن للمدينة - لولا وجود العمارات العالية - أن يكون لها شكل مدن الحدائق المنتشرة في أوروبا الآن . والى الجنوب خارج الأسوار كانت توجد بركة الفيل التي سميت على اسم أحد أتباع ابن طولون . وعلى مياهها كان الخليفة مولعاً بالتنزه في قاربه ولابد ان المشهد كان ساحرا حينما كانت الجواسق التي تحف بها تضاء وقد نظم فيها الشاعر ابن سعيد المغربي قصيدة يقول فيها :
انظر إلى بركة الفيل التي اكتنفت
بها المناظر كالأهداب للبصر
كأنما هي والأبصار ترمقها
كواكب قد أداروها على القمر
وقد بني جوهر في شمال القاهرة ديرا للأقباط مكان الدير الذي هدمه عندما شرع في بناء القاهرة . ويقع بالقرب من جامع الأقمر وكان يعرف بدير العظام وكان به بئر مازال موجودا خلف الجامع إلى وقتنا هذا ، وقد نقل جوهر رفات القديسين التي كانت محفوظة في هذا الدير إلى آخر بني حديثا هو دير الخندق . وفيما بعد أكد الرحالة اكزافيه جهود محمد على لتوسيع الشوارع وحرصه على تنظيم الأحياء فقد قام بهدم العديد من الشوارع ، واهتم بفتح شوارع جديدة خاصة في الموسكي ، وحرص على تخطيطها بحيث تتسم بالطول والاستقامة والعرض ، وابدى اكزافيه انزعاجه من عمليات التوسعة والهدم فلا نسمع اثناء السير سوى أصوات الهدم والعربات التي تحمل الأنقاض ولا نري سوى العمال الذين يعملون على إزالة الأتربة ولا يتوقفون عن العمل .
وتقول الباحثة د. الهام ذهني : أما منازل القاهرة فهي تشبه منازل استنبول ، ولكن الأخيرة أجمل وأرق على حد قول دي كان ورأي مونتوليه ان منازل القاهرة تبدو من الخارج مقززة بلا زينة ولكنها من الداخل ولا سيما منازل الأتراك تتسم بالعظمة والفخامة والنظافة فهي مبنية من الأحجار ، أبوابها مزينة بأجمل الرسومات ، وقد نجد في هذه المنازل العديد من الأعمدة الأثرية معظمها انتزع من الآثار القديمة خاصة في منف ، وعبر مونتوليه عن أسفه لهذه الظاهرة حتى إن محمد على وأولاده انتزعوا الأعمدة الأثرية لتزيين قصورهم . ولعل هذه القفزة التاريخية بين العصر الفاطمي وحكم محمد على كانت لبيان مدي التطور الذي لحق بالقاهرة وما اتسمت به منازلها من الاتساع مع وجود حدائق جميلة بداخلها ، فقد حرص الأهالي على تزيين منازلهم حتى الأبواب والنوافذ التي كانت مزينة بالأصداف والعاج ، والحجرات متسعة ، ويوجد ديوان لاستقبال الزوار وهو بمثابة غرف للإستقبال ، وتزين مدخل المنزل نافورة كبيرة من المرمر ، والفناء الداخلي سقفه مفتوح يسمح بدخول الهواء والضوء ويحرص الأتراك وكبار القوم والأثرياء على تزيين منازلهم بالمفروشات الرائعة والثمينة . وتتكون المنازل من عدة طوابق وتغطي الوجهات بمشربيات جميلة الصنع مزينة وتخصص الأدوار العليا لسكن النساء .
الجامع الأزهر
بني جوهر الصقلي - جامع الأزهر - وهو أول جامع بني بالقاهرة وانما سمي بالأزهر لزهارته بين الجوامع ، وكان بناؤه من أهم أحداث تلك الفترة حيث استغرق عامين ، وقد بدأ فيه العمل في 4 ابريل سنة 972 م في المنطقة المجاورة لقصر المعز . ويرجع الفضل في إنشائه إلى يعقوب بن كلس وكان في الأصل يهوديا ثم اهتدي للاسلام . وقد كان يدعى هذا الجامع احيانا جامع القاهرة وقد لعب جامع الأزهر في المدينة الجديدة نفس الدور الذي لعبه جامع عمرو في الفسطاط ، وجامع ابن طولون في القطائع ، فكل منها كان مركزا دينيا لمدينته، وفيه كانت تؤدي صلاة الجمعة ويخطب الخليفة في جموع المصلين . وفي عام 990 م بني الجامع الأنور ( فيما بعد الحاكم ) على الطرف الشمالي لمدينة القاهرة وقد تمتع بنفس امتيازات الجامع الأزهر . يقول ابن اياس في بدائع الزهور : ( فلما بني جامع الحاكم بأمر الله تلاشى أمر جامع الأزهر وخُرب وأقام مدة طويلة وهو خراب إلى ايام الملك الظاهر بيبرس البندقداري فأمر بإصلاحه واعاد فيه الخطبة بعد تعطله لمدة طويلة) .
وقيل إن جامع الأزهر كان به تنور فضة – و 27 قنديلاً من الفضة وفي محرابه منطقة فضية - وكان به طلسم برسم الطيور - فكان لا يقربه عصفور - ولا حمام ولا يمام ولا شيء من انواع الطيور .
ويعد الجامع الأزهر من أشهر جوامع العالم الاسلامي وقد احتفظ صحنه بالشكل المربع الذي رآه عليه المعز عام 973 م عندما دخله حاملاً رفات أجداده ، وصلى عليهم فيه ثم اتجه إلى قصره يسبقه موكب من حرسه وأربعة من أبنائه وفيلان . وعلى مر الزمان تغير شكل الجامع حتى وصل لما هو عليه الآن . لقد عمد الكثير من الملوك خاصة الفاطميين منهم إلى توسيعه واثرائه بالهبات أو بالاضافات المعمارية .
يقول فولكف : نحن نجهل متى تمت تعلية سقفه المنخفض ، لكن يحتمل أن العزيز نزار ( 976 -996 ) هو الذي أضاف الايوانين الجانبيين ( الشمالي والجنوبي ) اللذين ضما ثلاثة بوائك على كل جانب وأدخل الحاكم بأمر الله ( 996 – 1020 م ) عليه تحسينات في هذا العهد وقد بني الجامع من القرميد وخصصت جدرانه التي تركت في بعض المواضع عارية من الزخرفة ، وفي مواضع أخرى حفرت الزخارف ، وتحمل عقود الجامع أعمدة رشيقة جلبت من عمائر أخرى .
الطوق الفضي
وقد لعب الأزهر دوراً مهما في السياسة والدعاية الفاطمية بسبب نشاطه التعليمي . ولذا قاسى أثناء حركة " العودة إلى المذهب السني " أثناء حكم الأسرة الأيوبية التي حكمت مصر في عام 1171 - فتعرضت للاهمال مبانيه وانتزع صلاح الدين بعض زخارفه مثل الطوق الفضي الذي كان يزين محرابه ومنع فيه الخطبة واقتصرت صلاة الجمعة في القاهرة على جامع الحاكم . لكن الحال تغيرت في حكم المماليك ، فقد ساء الأمير ايدمر الحلي الذي كان يسكن بالقرب منه ما آل إليه الجامع ، فقرر اصلاحه على نفقته بمساعدة السلطان الظاهر بيبرس الذي سمح باعادة الخطبة إليه . وبين عامي 1302 – 1303 م أصيب الجامع بأضرار نتيجة لزلزال وأصلحه الأمير سلار .
وفي القرن الرابع عشر الميلادي أصلح الجامع واستخدم الرخام بقدر ضئيل في محراب، لكن هذا الاصلاح لم يؤرخ على وجه التحديد . أما محاريب المدارس الثلاث التي انشئت في العصر المملوكي خارجه ثم الحقت به فقد جلدت بالرخام على نحو رائع وهي مدرسة " الأمير طيرس " وبنيت عامي 1309 – 1310 م ، ومدرسة " الأمير اقبعا عبد الواحد " بين عامي 9331 - 0431م ، والمدرسة التي شيدها الحصن جوهر القنقبائي ودفن بها ( 1440 - 1441م ) .
ثم حدث ان مالت إحدي المآذن على نحو خطير فهدمت واعيد بناؤها ثلاث مرات ( 1397 - 1398 / 1414 - 1415 / 1423 – 1424 م ) وفي عام 1423 – 1424 م بني صهريج وسط الصحن به ميضأة . وقد فشلت محاولة لزرع أربعة اشجار فيه . واهتم بعمارته السلطان قايتباي ، فأعاد تشييد الباب البحري على نحو بديع وأضاف إليه مئذنة قايتباي ، وامر باصلاحه اصلاحا شاملا ، ثم اقام السلطان الغوري مئذنة من طراز فريد عام 1510 م ، وازدادت مساحة الجامع مرة أخرى في القرن السابع عشر وأصبح الجامعة الوحيدة للدراسات الدينية في مصر .
(وكالة الصحافة العربية)
أكثر...
حلقات كتبها : د. خالد محمد غازي
كان لطبيعة القاهرة الخاصة كمدينة بنيت لتكون مقرا لاقامة الخليفة وكموقع للدفاع عن المملكة في مواجهة الغزو ان اتخذت طابعا معماريا مختلفا ، فأصبحت مدينة ارستقراطية ، محرم دخولها على الغرباء وأيضا كانت مدينة الابواب السبعة التي تنفتح على المدينة وآثارها .
وفي قلب القاهرة كانت مدينة مزدانة بالخضرة في شوارعها وحاراتها وأيضا على منازلها واسقف بيوتها ، بينما كان الماء العذب ينقله السقاءون في قربة من الماء إلى البيوت البعيدة ، لقد حرص الحكام على تخطيط القاهرة وأن تكون مدينة آمنة وجميلة وساحرة .
وأحاط القاهرة سور يعلوه طريق دائري يتسع لمرور فارسين ومن الصعب تتبع آثار هذا السور على وجه دقيق فلم يكن منتظم البناء وكانت أضلاعه تقريبا موجهة إلى الجهات الأصلية . وفي السور الذي كان يفصل المدينة عن القطائع والعسكر فتح بابان متقاربان هما "بابا زويلة " وكانا واقعين إلى الشمال قليلا من الباب الحالي الذي يحمل نفس الاسم وهو اسم قبيلة من البربر أتت مع جوهر الصقلي ، وعندما جاء المعز من القيروان سنة 972 م دخل المدينة من الباب الأيمن فتدافع الناس للدخول من الباب الأيسر ليلحقوا به ، وقد أدي هذا إلى اشاعة ان الباب الثاني مشئوم ويفسد مشاريع من يعبره ، وقد قيل إن مفصلات ضلفتي الباب اتخذت من الزجاج .
وكان باب زويلة مسرحا لتنفيذ حكم الاعدام العلني مما ساعد على تدعيم السمعة السيئة للباب الأيسر . فضلا عن وجود سوق لآلات الموسيقي كالعود والرباب .. الخ ، التي كرهها الدين . فصار هذا المكان مقصداً للمغنيين وللراقصين وهم قوم سيئو السمعة واشتد تطير الناس من هذا الباب حتى انتهي الأمر إلى سده تماما .
أبواب القاهرة السبعة
يقول الباحث الفرنسي اولج فولكف : ( أما حائط المدينة الشمالي الموازي للحائط السابق فكان به بابان هما " باب الفتوح " و " باب النصر " وقد شيدهما معماريون وكان يقعا إلى الجنوب من البابين الحاليين اللذين يحملان نفس الاسم ). وفتحت في الحائط الغربي ثلاثة أبواب: باب سعادة وباب الفرج وباب القنطرة ، وبالقرب منه كانت توجد قنطرة على الخليج تربط المدينة بضواحيها وبميناء المقس وأم دنين ( الأزبكية الحالية) والمنطقة الواقعة شمالها وكان بالحائط الشرقي بابان " البرقية " و " المحروق " ، وأقام جوهر قنطرة على النيل تربط الجيزة بالضفة الشرقية ، وحفر خندقا عام 971 م إلى الشمال من القاهرة قرب " منية الاصبع " عرضه عشرة أذرع ومثلها عمقه ، وكان يمتد من الصحراء إلى الأرض الزراعية وقد حفر لحماية المدينة من غارات القرامطة المتواصلة .
وقدرت المساحة المربعة التي أحاطها السور بـ 041 هيكتاراً . وكان طول كل جانب من جوانبها يتراوح ما بين 1100 و 1200 متر وهي أبعاد الفسطاط والعسكر ، لكن تخطيط القاهرة كان أعظم وأكثر تناسقا ، وقد أحسن تخطيطها فظهرت كتحفة فنية قيض لها أن تعيش أطول ما بقت من عمائر العباسيين وابن طولون المتعجلة .
حدائق القاهرة
يقول ناصر خسرو [ وزار مصر بين 1064 و 1049 م ] :" من أهم خصائص مصر أن من يريد أن يعمل حديقة يمكنه ان يحقق رغبته في أي فصل من فصول السنة . فمن اليسير هناك على المرء أن يزرع أو يحصل على نبات سواء كان اشجاراً للزينة أو اشجار فاكهة محملة بالثمار . فهناك أناس يمارسون هذا النوع من التجارة وهم على استعداد دائم لتوريد أي صنف ولديهم اشجار مزروعة في براميل خشبية موضوعة على أسطح منازلهم التي تشبه الحدائق ، وهي أشجار في الغالب مغطاة بالفاكهة من البرتقال أو الرمان أو التفاح أو السفرجل ولديهم أيضا مشاتل للورود والرياحين ، وللنباتات العطرية . فإذا ما رغب إنسان في شيء منها أتي الحمالون لنقل الصناديق الخشبية التي زرعت فيها الاشجار ، وتربط الصناديق إلى قوائم خشبية يحملها الحمالون الذين ينقلونها إلى المكان المطلوب . وبعد ان تفرغ الصناديق من محتوياتها تزرع الأشجار التي لم يلحق بها أدني ضرر . ولم اشهد لهذا مثيلاً في أي بلد في العالم ولم أسمع بهذا في أي مكان آخر ولابد أن أضيف انها عادة لطيفة جداً .
ويصف خسرو انبهاره بالسواقي التي ترفع الماء اللازم لتلك الحدائق بقوله " على الأسطح زرعت الأشجار وبنيت جواسق . أما الماء اللازم للمدينة فقد كان يجلبه السقاؤون من النيل وكان ينقل على ظهر 25 ألف جمل خصصت لهذا الغرض !!!" وبالطبع بالغ كثيرا في هذا الرقم وإن كان على أي حال يدل على مدى ضخامة هذه المهمة .
حارة السقايين
وزودت المدينة أيضا بآبار حفرت بالقرب من النيل بالماء العذب لكن ماءها كان يتحول إلى ملحي كلما بعدت المسافة عن شاطئ النهر . وكان السقاء يحمل الماء على ظهره في اناء من الفخار المسامي وكان القادرون يدفعون ثمنا مقابل أكواب الماء اما الفقراء فكانوا يشربون مجانا أو مقابل قطعة من الخبز يضعها السقا في جراب معلق على جانبه . ولتشجيع هذا العمل النبيل سمح للسقائين بأخذ الماء دون مقابل من الأسبلة وهي خزانات ماء شيدها الأثرياء وحرصوا على تزويدها دائما بالماء العذب . فضلا عن أنهم أعفوا من دفع الضرائب . وفي الموالد كان الأتقياء يستأجرون السقاين لتوزيع الماء مجانا على الحجاج وعلى من يريد الشرب.
منازل القاهرة
كانت منازل القاهرة غارقة في الخضرة حيث ألفت مجموعة بديعة منتقاة . وكان من الممكن للمدينة - لولا وجود العمارات العالية - أن يكون لها شكل مدن الحدائق المنتشرة في أوروبا الآن . والى الجنوب خارج الأسوار كانت توجد بركة الفيل التي سميت على اسم أحد أتباع ابن طولون . وعلى مياهها كان الخليفة مولعاً بالتنزه في قاربه ولابد ان المشهد كان ساحرا حينما كانت الجواسق التي تحف بها تضاء وقد نظم فيها الشاعر ابن سعيد المغربي قصيدة يقول فيها :
انظر إلى بركة الفيل التي اكتنفت
بها المناظر كالأهداب للبصر
كأنما هي والأبصار ترمقها
كواكب قد أداروها على القمر
وقد بني جوهر في شمال القاهرة ديرا للأقباط مكان الدير الذي هدمه عندما شرع في بناء القاهرة . ويقع بالقرب من جامع الأقمر وكان يعرف بدير العظام وكان به بئر مازال موجودا خلف الجامع إلى وقتنا هذا ، وقد نقل جوهر رفات القديسين التي كانت محفوظة في هذا الدير إلى آخر بني حديثا هو دير الخندق . وفيما بعد أكد الرحالة اكزافيه جهود محمد على لتوسيع الشوارع وحرصه على تنظيم الأحياء فقد قام بهدم العديد من الشوارع ، واهتم بفتح شوارع جديدة خاصة في الموسكي ، وحرص على تخطيطها بحيث تتسم بالطول والاستقامة والعرض ، وابدى اكزافيه انزعاجه من عمليات التوسعة والهدم فلا نسمع اثناء السير سوى أصوات الهدم والعربات التي تحمل الأنقاض ولا نري سوى العمال الذين يعملون على إزالة الأتربة ولا يتوقفون عن العمل .
وتقول الباحثة د. الهام ذهني : أما منازل القاهرة فهي تشبه منازل استنبول ، ولكن الأخيرة أجمل وأرق على حد قول دي كان ورأي مونتوليه ان منازل القاهرة تبدو من الخارج مقززة بلا زينة ولكنها من الداخل ولا سيما منازل الأتراك تتسم بالعظمة والفخامة والنظافة فهي مبنية من الأحجار ، أبوابها مزينة بأجمل الرسومات ، وقد نجد في هذه المنازل العديد من الأعمدة الأثرية معظمها انتزع من الآثار القديمة خاصة في منف ، وعبر مونتوليه عن أسفه لهذه الظاهرة حتى إن محمد على وأولاده انتزعوا الأعمدة الأثرية لتزيين قصورهم . ولعل هذه القفزة التاريخية بين العصر الفاطمي وحكم محمد على كانت لبيان مدي التطور الذي لحق بالقاهرة وما اتسمت به منازلها من الاتساع مع وجود حدائق جميلة بداخلها ، فقد حرص الأهالي على تزيين منازلهم حتى الأبواب والنوافذ التي كانت مزينة بالأصداف والعاج ، والحجرات متسعة ، ويوجد ديوان لاستقبال الزوار وهو بمثابة غرف للإستقبال ، وتزين مدخل المنزل نافورة كبيرة من المرمر ، والفناء الداخلي سقفه مفتوح يسمح بدخول الهواء والضوء ويحرص الأتراك وكبار القوم والأثرياء على تزيين منازلهم بالمفروشات الرائعة والثمينة . وتتكون المنازل من عدة طوابق وتغطي الوجهات بمشربيات جميلة الصنع مزينة وتخصص الأدوار العليا لسكن النساء .
الجامع الأزهر
بني جوهر الصقلي - جامع الأزهر - وهو أول جامع بني بالقاهرة وانما سمي بالأزهر لزهارته بين الجوامع ، وكان بناؤه من أهم أحداث تلك الفترة حيث استغرق عامين ، وقد بدأ فيه العمل في 4 ابريل سنة 972 م في المنطقة المجاورة لقصر المعز . ويرجع الفضل في إنشائه إلى يعقوب بن كلس وكان في الأصل يهوديا ثم اهتدي للاسلام . وقد كان يدعى هذا الجامع احيانا جامع القاهرة وقد لعب جامع الأزهر في المدينة الجديدة نفس الدور الذي لعبه جامع عمرو في الفسطاط ، وجامع ابن طولون في القطائع ، فكل منها كان مركزا دينيا لمدينته، وفيه كانت تؤدي صلاة الجمعة ويخطب الخليفة في جموع المصلين . وفي عام 990 م بني الجامع الأنور ( فيما بعد الحاكم ) على الطرف الشمالي لمدينة القاهرة وقد تمتع بنفس امتيازات الجامع الأزهر . يقول ابن اياس في بدائع الزهور : ( فلما بني جامع الحاكم بأمر الله تلاشى أمر جامع الأزهر وخُرب وأقام مدة طويلة وهو خراب إلى ايام الملك الظاهر بيبرس البندقداري فأمر بإصلاحه واعاد فيه الخطبة بعد تعطله لمدة طويلة) .
وقيل إن جامع الأزهر كان به تنور فضة – و 27 قنديلاً من الفضة وفي محرابه منطقة فضية - وكان به طلسم برسم الطيور - فكان لا يقربه عصفور - ولا حمام ولا يمام ولا شيء من انواع الطيور .
ويعد الجامع الأزهر من أشهر جوامع العالم الاسلامي وقد احتفظ صحنه بالشكل المربع الذي رآه عليه المعز عام 973 م عندما دخله حاملاً رفات أجداده ، وصلى عليهم فيه ثم اتجه إلى قصره يسبقه موكب من حرسه وأربعة من أبنائه وفيلان . وعلى مر الزمان تغير شكل الجامع حتى وصل لما هو عليه الآن . لقد عمد الكثير من الملوك خاصة الفاطميين منهم إلى توسيعه واثرائه بالهبات أو بالاضافات المعمارية .
يقول فولكف : نحن نجهل متى تمت تعلية سقفه المنخفض ، لكن يحتمل أن العزيز نزار ( 976 -996 ) هو الذي أضاف الايوانين الجانبيين ( الشمالي والجنوبي ) اللذين ضما ثلاثة بوائك على كل جانب وأدخل الحاكم بأمر الله ( 996 – 1020 م ) عليه تحسينات في هذا العهد وقد بني الجامع من القرميد وخصصت جدرانه التي تركت في بعض المواضع عارية من الزخرفة ، وفي مواضع أخرى حفرت الزخارف ، وتحمل عقود الجامع أعمدة رشيقة جلبت من عمائر أخرى .
الطوق الفضي
وقد لعب الأزهر دوراً مهما في السياسة والدعاية الفاطمية بسبب نشاطه التعليمي . ولذا قاسى أثناء حركة " العودة إلى المذهب السني " أثناء حكم الأسرة الأيوبية التي حكمت مصر في عام 1171 - فتعرضت للاهمال مبانيه وانتزع صلاح الدين بعض زخارفه مثل الطوق الفضي الذي كان يزين محرابه ومنع فيه الخطبة واقتصرت صلاة الجمعة في القاهرة على جامع الحاكم . لكن الحال تغيرت في حكم المماليك ، فقد ساء الأمير ايدمر الحلي الذي كان يسكن بالقرب منه ما آل إليه الجامع ، فقرر اصلاحه على نفقته بمساعدة السلطان الظاهر بيبرس الذي سمح باعادة الخطبة إليه . وبين عامي 1302 – 1303 م أصيب الجامع بأضرار نتيجة لزلزال وأصلحه الأمير سلار .
وفي القرن الرابع عشر الميلادي أصلح الجامع واستخدم الرخام بقدر ضئيل في محراب، لكن هذا الاصلاح لم يؤرخ على وجه التحديد . أما محاريب المدارس الثلاث التي انشئت في العصر المملوكي خارجه ثم الحقت به فقد جلدت بالرخام على نحو رائع وهي مدرسة " الأمير طيرس " وبنيت عامي 1309 – 1310 م ، ومدرسة " الأمير اقبعا عبد الواحد " بين عامي 9331 - 0431م ، والمدرسة التي شيدها الحصن جوهر القنقبائي ودفن بها ( 1440 - 1441م ) .
ثم حدث ان مالت إحدي المآذن على نحو خطير فهدمت واعيد بناؤها ثلاث مرات ( 1397 - 1398 / 1414 - 1415 / 1423 – 1424 م ) وفي عام 1423 – 1424 م بني صهريج وسط الصحن به ميضأة . وقد فشلت محاولة لزرع أربعة اشجار فيه . واهتم بعمارته السلطان قايتباي ، فأعاد تشييد الباب البحري على نحو بديع وأضاف إليه مئذنة قايتباي ، وامر باصلاحه اصلاحا شاملا ، ثم اقام السلطان الغوري مئذنة من طراز فريد عام 1510 م ، وازدادت مساحة الجامع مرة أخرى في القرن السابع عشر وأصبح الجامعة الوحيدة للدراسات الدينية في مصر .
(وكالة الصحافة العربية)
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية