الحوار مع مشروع النهضة التونسي وتحفيز ال3

    • الحوار مع مشروع النهضة التونسي وتحفيز ال3

      لندن - يسري حسين

      الشيخ راشد الغنوشي عاش في بريطانيا لأكثر من عشرين عاماً، وقد مارس حياته ودعوته في ظل تعددية بريطانية تقبل الآخر وترحب بعاداته وتقاليده أيضاً. وقد كسبت بريطانيا مكانة مرموقة في أوروبا باهتمامها بتأكيد التسامح وتطبيقه ومحاربة الطوائف العنصرية والمتزمتة.

      ومن المؤكد أن زعيم حزب النهضة التونسية تأثر بهذه الحالة، وهو معروف عنه الاعتدال وقراءة متغيرات الواقع والتفاعل معه. وينتمي الشيخ راشد إلى المجددين ويحبذ الحوار، وقد التقيته أكثر من مرة وشركته في حوار بدولة قطر بشأن المستقبل للجماعات الإسلامية وتبني الأطر البرلمانية والتفاعل معها على قاعدة التنوع والديمقراطية. وكان في ذهني تجربة تركية، التي قبلت في حزب التنمية والعدالة التحرك ضمن قواعد اللعبة البرلمانية الضامنة لحماية الخصوصية الإسلامية والدفاع عنها.

      وأنصار المدرسة التركية يهتمون بالتنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي القائم على التنوع وترسيخ مبدأ الحرية وتداول السلطة، بمعنى عدم الوقوف بتحجر عند القضايا الفقهية والاستغراق فيها، وإنما التركيز على موضوعات سياسية وصياغتها حتى تدفع في النهاية المجتمعات الإسلامية إلى تحقيق العدالة ومناهضة الاستبداد وتوسيع رقعة الحوار وقبول الآخرين.عندما ذهبت إلى تركيا تعرفت على تجربة تفتح المجتمع إلى الأمام ولا تجره إلى الخلف، ولا تنزلق في جدل عقيم يتعلق بالملبس والمظهر، فالمهم هو التوجه العام الذي يحفاظ على تماسك المجتمع ويوفر التعليم لكل فرض مع الرعاية الصحية وتأكيد ضمانات حقيقية لممارسة الحرية في ضوء القانون والقيم العامة.

      وعندما رجع الشيخ راشد الغنوشي إلى بلاده تونس، أصبح مع حزبه: النهضة، ضمن القوى المشاركة في تكوين مستقبل البلاد. وقد اطلعت على حديث أخير له بصحيفة "التايمز" البريطانية، يبدو خلاله بصورة أكثر عقلانية وتناغم مع أحوال تونس مع محاولة الاستجابة لمطالب اقتصادية وأخرى اجتماعية تؤكد على تنمية الحرية ورفض الاستبداد بكل أشكاله.تونس اعتمدت ولا تزال على السياحة، كما هو حال تركيا التي قدمت في عهد حكم حزب العدالة والتنمية عشرات الحوافز لمضاعفة حال السياحة وجذب الأفواج الأوروبية. وكان على الشيخ راشد عرض وجهة نظره في قضية السياحة والسياح واستقبالهم والترحيب بهم في بلدهم تونس. وقد لمست اتساع أفق الغنوشي واهتمامه بالمحافظة على دخل يأتي من هذه الصناعة. ولم يعط إجابات صارمة تجهز على ما تحقق لبلاده عبر السنوات الماضية، لقد جاءت تصريحاته في إطار قبول تقاليد الآخرين والترحيب بها، على أن تأخذ في حسابها عادات تونس والضوابط التي تحكم أهلها.والشيخ راشد معجب بالنموذج التركي، حيث يحكم حزب إسلامي يدير البلاد على قواعد برلمانية ديمقراطية. وهذا النموذج يقدم أمثلة ناجحة تستوعب متغيرات وتتفاعل معها، وتدرك حاجات اقتصادية، إذن يمكن الانفتاح مع المحافظة في الوقت نفسه على تماسك المجتمع، وإن الانغلاق على العكس تماماً قد يؤدي إلى هزات وأزمات وأمراض مع تراكم الاختناق الاقتصادي بكل أشكاله.

      إن وجود الشيخ راشد في بريطانيا لسنوات طويلة طرح أمامه فكرة المجتمع القوي التعددي الذي يستطيع في الوقت نفسه المحافظة على تقاليده وترك الآخرين يمارسون شعائر دينهم وتوفير الحماية لهم.

      تسمح بريطانيا للمسلمين ممارسة حياتهم دون تدخل، بل أحياناً تعطي المنح للمدارس الإسلامية وتشجع على بناء المساجد ودور العبادة والمحافظة على هوية إسلامية أصبح لها حضورها الواضح في البلاد.

      هذا النموذج يمكن العثور على المقابل له في التجربة التركية، حيث تركت الحكومة الحراك الاجتماعي دون فرض صيغة معينة عليه، مع الاهتمام بالإنفاق على التعليم والانتفاع بالتكنولوجيا وتشجيع الاجتهاد العام وتعميق تجربة الديمقراطية وصيانتها من محاولات الانقضاض عليها من يمين متخلف، لا يزال يحلم بعودة العسكر مرة أخرى إلى الحكم.لقد أعطى نموذج حزب العدالة والتنمية التركي عوامل الالتفاف حوله ما أجهض تيارات اليمين المتحالفة مع بعض التيارات العسكرية لإعادة قبضة الفاشية التي كانت تحكم تركيا من قبل بالحديد والنار وإجهاض الحياة البرلمانية.النموذج التركي يبرق في ذهن الشيخ راشد الغنوشي الذي عاش في بريطانيا لأكثر من عشرين عاماً وتأثر أيضاً بالمعادلة التي اطلع عليها والتي تضمن إبعاد العنصريين وغولات المتطرفين عن الحكم والبرلمان لتشجيع الحوار والتنوع والانفتاح.وبعض الآراء حاولت تصوير تصريحات الغنوشي بأنها تغازل الغرب وأنها مصطنعة ولا تعبر عن فكر حزب النهضة ومواقفه. والحقيقة أن هذا الحزب ظل طويلاً في حالة مطاردة من حكومة الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، ولا يمكن أن يصبح البديل الذي يطرحه هذا الحزب هو الانغلاق والتطرف، إذ هناك ضرورات اقتصادية تفرض نفسها خصوصاً مع يتعلق بقطاع السياحة حيث يستفيد منها قطاع كبير من الشعب التونسي.

      حزب العدالة والتنمية التركي عندما وصل إلى الحكم، لم يكن همه تغيير عادات وأسلوب حياة الأتراك، وإنما دفع كل جهده لتحريك المصانع وتطوير المدارس ودفع المجتمع خطوة إلى الأمام، وهذا في حد ذاته هدف إسلامي جليل.كنت أتمنى من بعض الأقلام التي تدعي الليبرالية عدم فتح النيران على تصريحات الشيخ الغنوشي، بل تشجيعه لأنه رجل مخلص وجاد ويبحث مثلنا جميعاً عن حلول للتنمية تكون في إطار عقيدته حتى لا ينتج النظام مرة أخرى الاستبداد والقمع تحت أي شكل كان.

      لقد صدمت من الموجة السلفية التي ظهرت فجأة على سطح الحياة المصرية وبدت كأنها خارجة من كهوف العصر الوسيط، لا تدرك شيئاً عن الواقع ومتطلباته ولا تحديات التنمية والصراع للخروج من أزمة الاستبداد التي طاردت الحياة المصرية.

      كان من أوائل مطالب السلفيين: هي هدم الأضرحة واصطدموا مع قطاع هائل من المصريين لديهم قناعات ترسبت عبر قناعات وتدخل ضمن التراث الشعبي وعادات الفلكلور بكل ألوانه.

      هذا تحرك كشف عن غياب طويل عن المشهد العام الذي يتحرك بقوة دفع تتحدث عن بناء جامعات وتحرير العقل وإسقاط الاستبداد وإقامة العدل. وكل هذه المطالب تتعانق مع الجوهر الإسلامي وتطلعه إلى حياة نبيلة خالية من أشكال الجور والعسف والظلم الاجتماعي.

      علينا تشجيع اتجاهات إسلامية للحوار مع متطلبات العصر وتحديات وحاجات الشعوب، التي تراهن بكل قوتها لتحقيق نهضة تعانق العلم والتكنولوجيا وتلبي المطالب الاجتماعية وتفتح الباب أمام الحداثة بكل أشكالها المشجعة للحرية والبحث والاجتهاد لحل قضايا تواجه الحاضر، الذي تكالبت عليه الهموم نتيجة الاستبداد البشع وقمع الحريات وانتهاك حقوق الإنسان.والشعوب التي تحررت من الاستبداد لا يمكن لها قبول الوقوع في قبضة التزمت والانغلاق، ولعل هذا ما تنبه إليه النظام التركي تحت حكم رجب طيب أردوجان، حيث أدرك أن الأتراك عانوا بقسوة شديدة تحت حكم العسكر وأنظمة مستبدة، وإنه عندما تأتي السلطة إلى حكم يسند إلى مرجعية إسلامية، عليه تجسيد القيم الحقيقية في أشكال مساندة للتنمية الصناعية والأخرى التجارية وتوفير المناخ المناسب لتحريك طاقات الإبداع.

      وقد كان شيوخ النهضة في عصور سابقة مثل رفاعة الطهطاوي والإمام محمد عبده يهتمون بالحوار مع حضارات أخرى واقتباس النافع منها لدفع مجريات الحياة في عالمنا العربي. كان الطهطاوي الذي ذهب إلى باريس وانفعل بتقدمها اهتم بالترجمة ونقل أمهات الكتب الفرنسية إلى العربية لتوضيح المسار المطلوب للخروج من أزمة التخلف واهتم الإمام محمد عبده بالتحديث وشرح الفقه في ضوء مكتسبات العلم وأسس المجتمعات الحديثة.

      تصريحات الشيخ راشد الغنوشي محاولة من جانبه تعبر عن استنارة ترى تحديات تفرض نفسها على بلده تونس، والتعامل معها ليس بفتح الكتب القديمة، وإنما الوصول إلى حلول في ضوء احتياجات مجتمعه وفي ظل مصالحه.

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية