
يُعدُ كِتاب" الدِّين والتّحليل النّفسي" بحثا في سيكولوجيّة الأخلاق من ناحيةِ تأثيرِ الدِّين عليها ، ويحوي الكتاب على خمسةِ فُصول : ( المُشكلة _ فرويد ويونغ_ تحليل لأنماطٍ من الخبرةِ الدِّينيّة _المُحلِّل النّفسي بوصفِهِ طبيبا روحيّا _ هل التّحليل النّفسي يُهدِّد الدِّين؟) ...
بدايةً يُؤكِّد أريك فروم مستدلّا بأقوالِ الفلاسفةِ أنّ الإنسان غايةٌ في ذاتِهِ ، وأنّه إنّما امتاز بالوعيِ بالذّاتِ والعقلِ والتّخيُّلِ ؛ليُسخِّرها في إسعادِ نفسِهِ ، وإشاعةِ الحُبِّ والإخاء ، ويتطرّق إلى المُشكلة الّتي يولِّدها الإيمان بدين تسلُّطي تتعالق معه مصالِح سياسيّة واجتماعيّة ، كما ويتحدُث في الكتاب عن فِكرة الدِّين وكيف تكوّنت والدّافِع لها ، وعن تأثير الدّين كموحِّد للبشر وجامِع لهم في دائِرة واحِدة متّصِلة إذا يرى أنّه لم يستطع شئٌ كالدِّينِ توحيدَ البشرِ ، وجمعهم في دائِرةٍ واحِدةٍ متّصلةٍ دائِما ، بل ومتجذِّرة في أعماقِهم منذُ النّشأةِ ؛ لأنّه ما من فِكرةٍ منبتُها عاطفيٌّ إلا وتكونُ أقوى ما يُمكن ، فالدِّينُ توجُّهٌ فِكريٌّ في البدءِ لكنّهُ عزف على وترِ عاطفةِ الشُّعوب ، فأصبح أعظم مؤثِّرٍ فيها.
ميّز إريك فروم في أحد الفصول بين الدِّين التّسلُّطي والدِّين الإنساني ، فالأوّل يُعلي من شأن المعبود بقدرِ ما يحُط من شأنِ الإنسان لدرجةِ العجز ، أمّا الثّاني فيؤكِّد أنّ الإعجاز إنّما موجودٌ في الإنسان ذاتِه وقواه الخاصّة.
ومن خِلالِ تصنيفِ فروم للدِّين نستطيع أن نتبيّن أثرهُ في تكوين شخصيّة الفرد ، فالإنسان الّذي تربّى على دينٍ تسلُّطي _والدِّين هُنا كما يُعرِّفه إريك فروم"أيُّ مذهبٍ للفكرِ والعملِ تشترِكُ فيهِ جماعةٌ ما ، ويُعطي للفردِ إطارا للتّوجيهِ وموضوعا للعبادةِ"_تنشأ شخصيّته إتِّكاليّة ، فهو ما أن أسقط كلّ صِفات الخيرِ والحُبِّ على الإله أصبح فقيرا لها ، ذليلا.. يتسوّلها من المعبود ، وبذلِك يبدأ باحتقار ذاته ، مُتغافِلا الطّاقات الكامِنة داخِله ، مُغتربا عنها ، وعلى النّقيضِ تماما ، فالدِّين الإنساني كما أوضح إريك فروم يؤمن بقدرة الفرد ، ويؤصِّل فيهِ محبّة النّفس وتقبّلها ؛ لينطلق مؤسِّسا بقاعدة الحبِّ والفِكر بناءً صلبا للمعرفةِ دونما تثبيطاتٍ تعوق فهم الموجودات ، وفهم الذّات.
يُقارِب إريك فروم تِلك الأفكار من ارتباط الدِّين بالنّفس وتأثيرها في تكوين شخصيّة الفرد ، وبين إغفالِها لعقلِه وكبتِها للجانِبِ النّقدي من جِهة مُسلِّطا الضّوء على آراء يونغ وفرويد ، وعلى بعض الظّواهِر السُّلوكيّة الّتي تظهر على الفرد نتيجة تبنِّيه أفكار يفرضها الدِّين عليه ،إذ يرى ظاهِرة التّبرير الّتي يعمد إليها البعض في تفسير سلوكهم جانبا من جوانب اغتراب المرء عن ذاتِه ، و الّتي تنشأ من رغبته في الاتِّساق مع المُجتمع ، كما أنّ عُقدة الإحساس بالذّنب الّتي تتوالد في النّفس نتيجة بعض المُمارسات ، والّتي لا تتّسق مع المتعارف عليه في العُرف الدِّيني ، فتتشكّل مع مرور الوقت على هيئة كابوس يؤرِق الفرد ويُعيقه عن مُمارسة حياته الطّبيعيّة ما هي إلّا نوع من اغتراب المرء عن ذاتِه ، وهذِا الاغتراب إنّما يجرُّ المرء إلى الازدواجيّة ، الّتي من شأنِها الإخلال بالصّحة العقليّة والسّعادة ، فالإنسان في تضارُب رغباتِه وممارساتِه يحيا نوعا من الصِّراع الدّاخلي الّذي من شأنهِ إنقاض الشّخصيّة ، بل وفي بعض الأحيان يؤدِّي بالمرء إلى إحاطة نفسِه بهالة من المُمارسات الخاوية الّتي يخلقها ؛ليواري الصِّراع الّذي يحياه..
وفي الفصلِ الأخير يؤكِّد إريك فروم أنّ الخطر الحقيقيّ الّذي يتهدّد الدِّين لا يكمُنُ في العلمِ ، إنّما في المُمارسات السّائِدة في الحياةِ اليوميّة فعلى مرِّ العُصور .. لم تكُن الحُجج المُناهضة للدِّين في ظاهِرها ضدّ الموقِف الدِّيني ، إنّما ضد ما تزعمه المُؤسسات الدِّينيّة من أنّ أقوالهُ ينبغي أن تؤخذ مأخذ الإيمان، فالدِّينُ السّائِد .. في هذا العصر فِكرةٌ تعالقت بِها الكثير من المصالِح الّتي تخدم القائِمين عليها ، لذلِك فالدِّين _ لما لهُ من تأثيرٍ_ خطرٌ ؛إذ يميل أحيانا إلى تقديس مؤسّسات إنسانيّة سيِّئة ، تحالف معها على مرِّ التاريخ ، وهو بذلِكَ يدفعهم للاعتقادِ في وهمٍ ، وتحريمِ التّفكيرِ النّقدي مما يؤدِّي إلى إغلاق العقل ، فكبت التّفكير النّقدي عند حدٍّ معيّنٍ من شأنِهِ إفقار القُدرات النّقديّة للعقلِ في مجالاتٍ أُخرى ، والدِّين عندما يُقدِّس مؤسّسات أو سُلطات بعينِها ، بذلِك يجعلها خارِج دائِرة النّقد ..مسيّجا إيّاها بالكثير من القُدسيّة ، مُرهِبا كل من يُحاول نقدها .
ختاما يرى إريك فرووم أنّ العودة إلى الدِّينِ هي استجابةٌ للصِّراعات الدّاخليّة الّتي تبعثُ في النّفسِ بواعِثَ الهمِّ والقلق ،مستنكرين عدّها فِعلا إيمانيّا ، مؤكِّدينَ أنّها إنّما تكونُ هربا من شكٍّ لا يُمكِنُ احتمالهُ ، ووهمٍ متأصِّلٍ في النّفس قائِم على رغباتِ الإنسان ، لذلِك فهم يتّخذون قرارَ اعتناق الدِّين بحثا عن الأمنِ.
المصدر : مدونة بدرية العامري
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions