عندما تدور الماكينات أراء الكتاب الشبيبة

    • عندما تدور الماكينات أراء الكتاب الشبيبة

      * " إن الربيع العربي الذي هز بقوة الأنظمة السياسية العربية وأطاح بعدد منها حتى الآن، يطيح كذلك بالصورة التقليدية للجامعة العربية التي لابد وأن ترتفع إلى مستوى الأحداث في تعاملها مع ما يجري، وقد بدأت السير في هذا الطريق وإن كان بخطوات محدودة."

      د. عبد الحميد الموافي

      في حوالي الحادية عشرة والنصف – قبيل منتصف الليل – رن جرس الهاتف، لم اكن قد غرقت في النوم بعد، وبالنظر إلى الشاشة ادركت ان حدثا ما حدث، وبالفعل بادرني صديقي بالسؤال، هل سمعت آخر خبر ؟ لقد تأجلت زيارة نبيل العربي – امين عام جامعة الدول العربية - المقررة فى الصباح الى سوريا، والخبر منشور غدا .سألت بدوري، هل تم طبع الصحيفة ؟

      فقال انني اكلمك من البيت . كان صديقي يعلم اهتمامي الكبير بما يجري في الشقيقة سوريا، وزيارة العربي لها مؤشر لاحتمال السير في طريق اكثر ايجابية، ومع ان اهتمامه الاول كان منصبا على نشر الخبر في الصباح حول الزيارة في حين ان دمشق اجلتها في اللحظات الاخيرة وقبل اتصاله بلحظات .

      اثار ذلك في ذهني نقطتين اساسيتين، الاولى لماذا اجلت سوريا الزيارة في اللحظات الاخيرة ؟ والثانية هي المأزق الذي يحدث احيانا بفعل التطور السريع لحدث ما، وفي الوقت القاتل، اي بعد ان تدور ماكينات الطباعة بالنسبة للصحف الورقية .

      والميزة التي تتمتع بها الصحافة الالكترونية والقنوات الاخبارية هي القدرة على ملاحقة الحدث لحظة بلحظة .

      عدت بذهني الى منطوق الخبر المنشور حول زيارة نبيل العربي الى دمشق وكانت به جملة مختارة بعناية قالها الامين العام لجامعة الدول العربية في اعلانه عن الزيارة، واثارت اهتمامي ، وهي انه سيبحث مع الرئيس الاسد " المطالب المشروعة للشعب السوري " ودار في ذهني تساؤل سرعان ما تجاوزته وهو هل سيقبل الرئيس السوري هذه العبارة من نبيل العربي قبل الزيارة ؟ ولم تسفر محاولة البحث عن سبب محدد وقوي لتأجيل الزيارة حتى غرقت في النوم .وفي الصباح اتضحت المسألة التي يمكن تفسيرها بأن نبيل العربي استقبل عشية الزيارة وفدا من المعارضة السورية . ومن المؤكد ان ذلك اضاف الى العبارة المشار اليها سابقا ما لا يمكن ان تتحمله دمشق من جامعة الدول العربية ، وبالتالي تم تأجيل الزيارة على النحو الذي حدث .

      ومع الوضع في الاعتبار ان الامين العام لجامعة الدول العربية تعرض للنقد من جانب دمشق، ومن جانب العديد من الاوساط العربية المتعاطفة مع الشعب السوري الشقيق وما يتعرض له من اعمال عنف بدعوى مواجهة مؤامرة خارجية !! الا ان دمشق ارادت على الارجح احراج نبيل العربي والدول العربية الاخرى الاعضاء في الجامعة – لانه يحمل مبادرتها الى الرئيس السوري – وذلك من خلال الكيفية التي تأجلت بها الزيارة، أي بالاعلان من طرف واحد وعدم تحديد موعد جديد لها، وهو امر اقرب الى الالغاء منه الى التأجيل .

      نعم قد تجد دمشق في نص ميثاق جامعة الدول العربية ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية نوعا من المبرر لرفض تحرك الجامعة او حتى مناقشتها لما يتعرض له الشعب السوري على مدى الاشهر الاخيرة . ولكن الصحيح ايضا هو ان الجامعة العربية اخذت على مدى الاشهر الاخيرة منحى عمليا مختلفا في التعامل مع الاوضاع العربية وما قد تتعرض له بعض الشعوب العربية من اعمال عنف وقتل واسعة، وقد تجسد ذلك في التعامل مع التطورات في ليبيا، والتعامل بحذر وعلى استحياء، ولاسباب محددة مع ما يجري في سوريا التي كانت دوما الاكثر قوة في الدعوة لتطوير جامعة الدول العربية ومنحها مزيدا من القدرة على التأثير في الاوضاع العربية . غير ان الامر الآن مختلف لانه يتصل بها هي ويضع العديد من الاشقاء العرب في موقف حرج ولذا فضل الجميع العمل من خلال الجامعة والاختباء وراء زيارة الامين العام لدمشق التي اجلتها سوريا لان حكومتها تنظر الى المعارضة على انها جزء من مؤامرة خارجية ، فكيف تتحدث معها الجامعة او حتى تستمع اليها ؟ على اية حال فان الربيع العربي الذي هز بقوة الانظمة السياسية العربية واطاح بعدد منها حتى الآن يطيح كذلك بالصورة التقليدية للجامعة العربية التي لابد وان ترتفع الى مستوى الاحداث في تعاملها مع ما يجري، وقد بدأت السير في هذا الطريق وان كان بخطوات محدودة . ولذا فانها لن تكون كما كانت من قبل وعلى الدول العربية التكيف مع ذلك بشكل او بآخر . وما يرجح ذلك ان نبيل العربي يدرك اهمية هذا التحول حتى وان كان الامر في النهاية بيد ممثلي الدول الاعضاء في الجامعة .

      اما بالنسبة لنشر الخبر في الصباح بسبب انتهاء الطباعة، فان ذلك أعاد الى ذهني صورة بعض الصحف المصرية مساء السادس من اكتوبر 19881 والتي صدرت حاملة أنباء مشاهدة الرئيس الراحل انور السادات للعرض العسكري بمناسبة الاحتفال بذكرى السادس من اكتوبر في حين انه كان قد فارق الحياة بعد قليل من حادث اغتياله اثناء العرض العسكري، فبعد ان تدور الماكينات لا يمكن حذف الاخبار الا من خلال اعادة الطباعة وهذه تكلفة باهظة لاتحدث الا اذا كان هناك مبرر قوي للقيام بها ومتسع من الوقت ايضا لاتمامها، اما الفضائيات والصحف الالكترونية فانها لاتقع في مثل هذا المأزق عادة .

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية