* "مصر أصبحت أمام مفترق طرق، وعلى أهلها الآن أن يختاروا بين التركيز على القضايا الأساسية التي تحقق أهداف الثورة، وبين الانصراف إلى الفروع والشواغل الجانبية والبحث عن بطولات زائفة"
د. حسني نصر
خلال الأسبوعين الماضيين استطعت ان أتوقف عن الكتابة في الشأن العربي. تلك الكتابة التي يرى الأطباء أنها أحد أسباب ارتفاع ضغط الدم الذي أعاني منه. ومع ذلك فلم استطع منع نفسي من التفكير فيما يجري من أحداث تبعث على الأسى والقنوط. وفي الأيام الأخيرة وأمام ما يحدث في مصر تحديدا وجدت نفسي غير قادر على مقاومة غواية الكتابة، خاصة بعد ان شاهدت ما يمكن اعتباره ردة على الثورة المصرية من خلال محاولات شغل الثوار وحكومة الثورة والمجلس العسكري الحاكم عن مهامهم الأساسية المنوطة بهم لتعزيز التحول الثوري وتحقيق أهداف الثورة.
وتؤكد الأحداث الأخيرة التي وقعت في مصر الأسبوع الماضي ان مصر تقف الآن أمام مفترق طرق، تدفع كلها باتجاه الانحراف عن المسار الصحيح، والالتفاف على مطالب الثورة من خلال شغل الناس والحكومة والمجلس العسكري الحاكم بقضايا فرعية ليس هذا وقتها. ففي الوقت الذي كان المجلس العسكري يتأهب لاتخاذ خطوات إيجابية فيما يتعلق بالجدول الزمني لنقل السلطة إلى حكومة مدنية ورئيس منتخب من خلال انتخابات برلمانية ورئاسية نزيهة، وتلبية المطالب الفئوية المختلفة، والانتهاء من محاكمة رموز النظام السابق، جاءت الأحداث التي تلت جمعة تصحيح مسار الثورة لتعرقل كل هذا وتعيد عقارب الساعة إلى الوراء، وتضيع على البلاد مزيدا من الوقت وتضعها في مواجهة مبكرة وغير محسوبة مع إسرائيل والمجتمع الدولي.
والواقع انه لا يمكن تناول الأحداث التي انتهت باقتحام السفارة الإسرائيلية في القاهرة ومحاولة اقتحام وزارة الداخلية ومديرية امن الجيزة، وما ترتب عليها من إدانات دولية لمصر ومطالبتها ربما للمرة الأولى باحترام التزاماتها الدولية وتأمين البعثات الدبلوماسية، دون العودة إلى ما حدث في سيناء قبل أيام قليلة من عيد الفطر المبارك واستشهاد مجموعة من رجال الأمن المصريين على الحدود مع إسرائيل برصاص المقاتلات الصهيونية، وما تلا ذلك من غضب شعبي عارم في مصر ومحاصرة المتظاهرين للسفارة الإسرائيلية في القاهرة والمطالبة بطرد السفير الإسرائيلي وقطع العلاقات الدبلوماسية مع الدولة اليهودية.
ونظرا لأنني كنت في القاهرة في تلك الفترة، فقد رأيت بعيني الحدث وتداعياته الذي اختلطت فيه المشاعر والعواطف الجياشة بالحقائق الموجودة على الأرض، ووصل الأمر في النهاية إلى تسلق شاب لمبنى السفارة وانزال العلم الإسرائيلي وإبداله بالعلم المصري، ثم بناء جدار عازل أمام السفارة، وهدم المتظاهرين له في جمعة تصحيح المسار واقتحام شقة تابعة للسفارة وإلقاء محتوياتها في الشارع وإجلاء السفير الإسرائيلي وموظفي السفارة من القاهرة وعودتهم إلى تل أبيب.
والواقع ان هذه الأحداث المتلاحقة تثير الكثير من علامات الاستفهام مثلما تثير القلق على مستقبل الثورة المصرية وقدرتها على تجاوز الأزمات التي تواجهها من الخارج والداخل.واذا كنا لا نفترض حسن النية فيما قامت به إسرائيل من جرائم في سيناء، فإننا أيضا يجب أن لا نفترض حسن النية فيمن قاموا باقتحام السفارة وعرضوا سمعة مصر الدبلوماسية للخطر، ودفعوا المجلس العسكري الحاكم إلى تأجيل حسم العديد من الأمور المعلقة بدعوى التفرغ لمعالجة الأزمة، ثم اتخاذ إجراءات يمثل بعضها ردة على الثورة وعودة عن طريق الإصلاح والحرية مثل إغلاق بعض القنوات التلفزيونية الفضائية وإعادة إحياء محاكم أمن الدولة لملاحقة النشطاء والإعلاميين، وبالتالي إعادة إنتاج ممارسات النظام السابق. لقد كان من الممكن استيعاب الغضب الشعبي المتصاعد من التصرفات الإسرائيلية من خلال خطاب سياسي
وإعلامي عقلاني يستند إلى فقه الأولويات. فليس من صالح مصر في هذه المرحلة الانتقالية الحساسة من تاريخها إثارة مسألة الصدام مع إسرائيل وإعادة النظر في اتفاقيات كامب ديفيد المسؤولة عن إخلاء سيناء من الجيش المصري وتركها مرتعا للجماعات الجهادية المسلحة. ويدرك عقلاء المصريين ان هناك قضايا أهم يجب أن يتفرغوا لها، على رأسها قضية البناء الديمقراطي للدولة والاستحقاقات البرلمانية والرئاسية القادمة، بالإضافة إلى قضية تنمية سيناء.
وقد قدر لي في الأيام الأخيرة ان اقطع سيناء من الغرب إلى الشرق في رحلة استجمام قصيرة في شرم الشيخ، وعاينت بنفسي مساحات شاسعة من الصحراء شبه خالية من البشر ومن الحياة، وأدركت حجم الإهمال الذي عانت منه سيناء على مدى العقود الثلاثة الماضية منذ عودتها كاملة إلى مصر في العام 1982. كان من الممكن تأمين سيناء وتحصينها من أية مطامع إسرائيلية قادمة- حتى في ظل غياب الجيش- من خلال ملئها بالبشر والمشروعات التنموية، وهو ما لم يحدث في ظل النظام السابق الذي كان حريصا على تنمية مدينة شرم الشيخ والمنتجعات السياحية النخبوية فقط، وترك سيناء صحراء جرداء يسهل اختراقها واحتلالها خلال ساعات. وفي ظني ان الاستثمارات التي ضخت في شرم الشيخ وحدها كانت كفيلة بتعمير كل سيناء. في هذه المرحلة يبدو توحيد الجهود الوطنية لتنمية سيناء اهم بكثير من التفكير في إلغاء أو تعديل اتفاقيات السلام مع إسرائيل.
لقد بدأت الحكومة المؤقتة التي يرأسها د. عصام شرف- رغم مشاغلها الكثيرة ومسؤولياتها الجسام- في وضع خطط طموحة لتنمية وإعمار سيناء وإدماج أهلها في النسيج الشعبي المصري، ولكن إسرائيل ومعها المتربصين بمصر من الداخل والخارج لا يروق لهم ذلك، ويحاولون بشتى السبل وقف المد المصري في شبه الجزيرة التي ارتوت بدماء المصريين في ثلاث حروب سابقة في 1956، و1967، و1973.
ويمكن القول بعد الأحداث الأخيرة أن مصر أصبحت أمام مفترق طرق، وأن على أهلها الآن أن يختاروا بين التركيز على القضايا الأساسية التي تحقق أهداف الثورة، وبين الانصراف إلى الفروع والشواغل الجانبية والبحث عن بطولات زائفة لا تسمن ولا تغني من جوع بتسلق السفارات واقتحامها ومهاجمة الوزارات ومقار الشرطة.
التي يرى الأطباء أنها أحد أسباب ارتفاع ضغط الدم الذي أعاني منه. ومع ذلك فلم استطع منع نفسي من التفكير فيما يجري من أحداث تبعث على الأسى والقنوط. وفي الأيام الأخيرة وأمام ما يحدث في مصر تحديدا وجدت نفسي غير قادر على مقاومة غواية الكتابة، خاصة بعد ان شاهدت ما يمكن اعتباره ردة على الثورة المصرية من خلال محاولات شغل الثوار وحكومة الثورة والمجلس العسكري الحاكم عن مهامهم الأساسية المنوطة بهم لتعزيز التحول الثوري وتحقيق أهداف الثورة.
وتؤكد الأحداث الأخيرة التي وقعت في مصر الأسبوع الماضي ان مصر تقف الآن أمام مفترق طرق، تدفع كلها باتجاه الانحراف عن المسار الصحيح، والالتفاف على مطالب الثورة من خلال شغل الناس والحكومة والمجلس العسكري الحاكم بقضايا فرعية ليس هذا وقتها. ففي الوقت الذي كان المجلس العسكري يتأهب لاتخاذ خطوات إيجابية فيما يتعلق بالجدول الزمني لنقل السلطة إلى حكومة مدنية ورئيس منتخب من خلال انتخابات برلمانية ورئاسية نزيهة، وتلبية المطالب الفئوية المختلفة، والانتهاء من محاكمة رموز النظام السابق، جاءت الأحداث التي تلت جمعة تصحيح مسار الثورة لتعرقل كل هذا وتعيد عقارب الساعة إلى الوراء، وتضيع على البلاد مزيدا من الوقت وتضعها في مواجهة مبكرة وغير محسوبة مع إسرائيل والمجتمع الدولي.
والواقع انه لا يمكن تناول الأحداث التي انتهت باقتحام السفارة الإسرائيلية في القاهرة ومحاولة اقتحام وزارة الداخلية ومديرية امن الجيزة، وما ترتب عليها من إدانات دولية لمصر ومطالبتها ربما للمرة الأولى باحترام التزاماتها الدولية وتأمين البعثات الدبلوماسية، دون العودة إلى ما حدث في سيناء قبل أيام قليلة من عيد الفطر المبارك واستشهاد مجموعة من رجال الأمن المصريين على الحدود مع إسرائيل برصاص المقاتلات الصهيونية، وما تلا ذلك من غضب شعبي عارم في مصر ومحاصرة المتظاهرين للسفارة الإسرائيلية في القاهرة والمطالبة بطرد السفير الإسرائيلي وقطع العلاقات الدبلوماسية مع الدولة اليهودية.
ونظرا لأنني كنت في القاهرة في تلك الفترة، فقد رأيت بعيني الحدث وتداعياته الذي اختلطت فيه المشاعر والعواطف الجياشة بالحقائق الموجودة على الأرض، ووصل الأمر في النهاية إلى تسلق شاب لمبنى السفارة وانزال العلم الإسرائيلي وإبداله بالعلم المصري، ثم بناء جدار عازل أمام السفارة، وهدم المتظاهرين له في جمعة تصحيح المسار واقتحام شقة تابعة للسفارة وإلقاء محتوياتها في الشارع وإجلاء السفير الإسرائيلي وموظفي السفارة من القاهرة وعودتهم إلى تل أبيب. والواقع ان هذه الأحداث المتلاحقة تثير الكثير من علامات الاستفهام مثلما تثير القلق على مستقبل الثورة المصرية وقدرتها على تجاوز الأزمات التي تواجهها من الخارج والداخل.واذا كنا لا نفترض حسن النية فيما قامت به إسرائيل من جرائم في سيناء، فإننا أيضا يجب أن لا نفترض حسن النية فيمن قاموا باقتحام السفارة وعرضوا سمعة مصر الدبلوماسية للخطر، ودفعوا المجلس العسكري الحاكم إلى تأجيل حسم العديد من الأمور المعلقة بدعوى التفرغ لمعالجة الأزمة، ثم اتخاذ إجراءات يمثل بعضها ردة على الثورة وعودة عن طريق الإصلاح والحرية مثل إغلاق بعض القنوات التلفزيونية الفضائية وإعادة إحياء محاكم أمن الدولة لملاحقة النشطاء والإعلاميين، وبالتالي إعادة إنتاج ممارسات النظام السابق.
لقد كان من الممكن استيعاب الغضب الشعبي المتصاعد من التصرفات الإسرائيلية من خلال خطاب سياسي وإعلامي عقلاني يستند إلى فقه الأولويات. فليس من صالح مصر في هذه المرحلة الانتقالية الحساسة من تاريخها إثارة مسألة الصدام مع إسرائيل وإعادة النظر في اتفاقيات كامب ديفيد المسؤولة عن إخلاء سيناء من الجيش المصري وتركها مرتعا للجماعات الجهادية المسلحة. ويدرك عقلاء المصريين ان هناك قضايا أهم يجب أن يتفرغوا لها، على رأسها قضية البناء الديمقراطي للدولة والاستحقاقات البرلمانية والرئاسية القادمة، بالإضافة إلى قضية تنمية سيناء.
وقد قدر لي في الأيام الأخيرة ان اقطع سيناء من الغرب إلى الشرق في رحلة استجمام قصيرة في شرم الشيخ، وعاينت بنفسي مساحات شاسعة من الصحراء شبه خالية من البشر ومن الحياة، وأدركت حجم الإهمال الذي عانت منه سيناء على مدى العقود الثلاثة الماضية منذ عودتها كاملة إلى مصر في العام 1982. كان من الممكن تأمين سيناء وتحصينها من أية مطامع إسرائيلية قادمة- حتى في ظل غياب الجيش- من خلال ملئها بالبشر والمشروعات التنموية، وهو ما لم يحدث في ظل النظام السابق الذي كان حريصا على تنمية مدينة شرم الشيخ والمنتجعات السياحية النخبوية فقط، وترك سيناء صحراء جرداء يسهل اختراقها واحتلالها خلال ساعات. وفي ظني ان الاستثمارات التي ضخت في شرم الشيخ وحدها كانت كفيلة بتعمير كل سيناء. في هذه المرحلة يبدو توحيد الجهود الوطنية لتنمية سيناء اهم بكثير من التفكير في إلغاء أو تعديل اتفاقيات السلام مع إسرائيل.
لقد بدأت الحكومة المؤقتة التي يرأسها د. عصام شرف- رغم مشاغلها الكثيرة ومسؤولياتها الجسام- في وضع خطط طموحة لتنمية وإعمار سيناء وإدماج أهلها في النسيج الشعبي المصري، ولكن إسرائيل ومعها المتربصين بمصر من الداخل والخارج لا يروق لهم ذلك، ويحاولون بشتى السبل وقف المد المصري في شبه الجزيرة التي ارتوت بدماء المصريين في ثلاث حروب سابقة في 1956، و1967، و1973.
ويمكن القول بعد الأحداث الأخيرة أن مصر أصبحت أمام مفترق طرق، وأن على أهلها الآن أن يختاروا بين التركيز على القضايا الأساسية التي تحقق أهداف الثورة، وبين الانصراف إلى الفروع والشواغل الجانبية والبحث عن بطولات زائفة لا تسمن ولا تغني من جوع بتسلق السفارات واقتحامها ومهاجمة الوزارات ومقار الشرطة.
أكثر...
د. حسني نصر
خلال الأسبوعين الماضيين استطعت ان أتوقف عن الكتابة في الشأن العربي. تلك الكتابة التي يرى الأطباء أنها أحد أسباب ارتفاع ضغط الدم الذي أعاني منه. ومع ذلك فلم استطع منع نفسي من التفكير فيما يجري من أحداث تبعث على الأسى والقنوط. وفي الأيام الأخيرة وأمام ما يحدث في مصر تحديدا وجدت نفسي غير قادر على مقاومة غواية الكتابة، خاصة بعد ان شاهدت ما يمكن اعتباره ردة على الثورة المصرية من خلال محاولات شغل الثوار وحكومة الثورة والمجلس العسكري الحاكم عن مهامهم الأساسية المنوطة بهم لتعزيز التحول الثوري وتحقيق أهداف الثورة.
وتؤكد الأحداث الأخيرة التي وقعت في مصر الأسبوع الماضي ان مصر تقف الآن أمام مفترق طرق، تدفع كلها باتجاه الانحراف عن المسار الصحيح، والالتفاف على مطالب الثورة من خلال شغل الناس والحكومة والمجلس العسكري الحاكم بقضايا فرعية ليس هذا وقتها. ففي الوقت الذي كان المجلس العسكري يتأهب لاتخاذ خطوات إيجابية فيما يتعلق بالجدول الزمني لنقل السلطة إلى حكومة مدنية ورئيس منتخب من خلال انتخابات برلمانية ورئاسية نزيهة، وتلبية المطالب الفئوية المختلفة، والانتهاء من محاكمة رموز النظام السابق، جاءت الأحداث التي تلت جمعة تصحيح مسار الثورة لتعرقل كل هذا وتعيد عقارب الساعة إلى الوراء، وتضيع على البلاد مزيدا من الوقت وتضعها في مواجهة مبكرة وغير محسوبة مع إسرائيل والمجتمع الدولي.
والواقع انه لا يمكن تناول الأحداث التي انتهت باقتحام السفارة الإسرائيلية في القاهرة ومحاولة اقتحام وزارة الداخلية ومديرية امن الجيزة، وما ترتب عليها من إدانات دولية لمصر ومطالبتها ربما للمرة الأولى باحترام التزاماتها الدولية وتأمين البعثات الدبلوماسية، دون العودة إلى ما حدث في سيناء قبل أيام قليلة من عيد الفطر المبارك واستشهاد مجموعة من رجال الأمن المصريين على الحدود مع إسرائيل برصاص المقاتلات الصهيونية، وما تلا ذلك من غضب شعبي عارم في مصر ومحاصرة المتظاهرين للسفارة الإسرائيلية في القاهرة والمطالبة بطرد السفير الإسرائيلي وقطع العلاقات الدبلوماسية مع الدولة اليهودية.
ونظرا لأنني كنت في القاهرة في تلك الفترة، فقد رأيت بعيني الحدث وتداعياته الذي اختلطت فيه المشاعر والعواطف الجياشة بالحقائق الموجودة على الأرض، ووصل الأمر في النهاية إلى تسلق شاب لمبنى السفارة وانزال العلم الإسرائيلي وإبداله بالعلم المصري، ثم بناء جدار عازل أمام السفارة، وهدم المتظاهرين له في جمعة تصحيح المسار واقتحام شقة تابعة للسفارة وإلقاء محتوياتها في الشارع وإجلاء السفير الإسرائيلي وموظفي السفارة من القاهرة وعودتهم إلى تل أبيب.
والواقع ان هذه الأحداث المتلاحقة تثير الكثير من علامات الاستفهام مثلما تثير القلق على مستقبل الثورة المصرية وقدرتها على تجاوز الأزمات التي تواجهها من الخارج والداخل.واذا كنا لا نفترض حسن النية فيما قامت به إسرائيل من جرائم في سيناء، فإننا أيضا يجب أن لا نفترض حسن النية فيمن قاموا باقتحام السفارة وعرضوا سمعة مصر الدبلوماسية للخطر، ودفعوا المجلس العسكري الحاكم إلى تأجيل حسم العديد من الأمور المعلقة بدعوى التفرغ لمعالجة الأزمة، ثم اتخاذ إجراءات يمثل بعضها ردة على الثورة وعودة عن طريق الإصلاح والحرية مثل إغلاق بعض القنوات التلفزيونية الفضائية وإعادة إحياء محاكم أمن الدولة لملاحقة النشطاء والإعلاميين، وبالتالي إعادة إنتاج ممارسات النظام السابق. لقد كان من الممكن استيعاب الغضب الشعبي المتصاعد من التصرفات الإسرائيلية من خلال خطاب سياسي
وإعلامي عقلاني يستند إلى فقه الأولويات. فليس من صالح مصر في هذه المرحلة الانتقالية الحساسة من تاريخها إثارة مسألة الصدام مع إسرائيل وإعادة النظر في اتفاقيات كامب ديفيد المسؤولة عن إخلاء سيناء من الجيش المصري وتركها مرتعا للجماعات الجهادية المسلحة. ويدرك عقلاء المصريين ان هناك قضايا أهم يجب أن يتفرغوا لها، على رأسها قضية البناء الديمقراطي للدولة والاستحقاقات البرلمانية والرئاسية القادمة، بالإضافة إلى قضية تنمية سيناء.
وقد قدر لي في الأيام الأخيرة ان اقطع سيناء من الغرب إلى الشرق في رحلة استجمام قصيرة في شرم الشيخ، وعاينت بنفسي مساحات شاسعة من الصحراء شبه خالية من البشر ومن الحياة، وأدركت حجم الإهمال الذي عانت منه سيناء على مدى العقود الثلاثة الماضية منذ عودتها كاملة إلى مصر في العام 1982. كان من الممكن تأمين سيناء وتحصينها من أية مطامع إسرائيلية قادمة- حتى في ظل غياب الجيش- من خلال ملئها بالبشر والمشروعات التنموية، وهو ما لم يحدث في ظل النظام السابق الذي كان حريصا على تنمية مدينة شرم الشيخ والمنتجعات السياحية النخبوية فقط، وترك سيناء صحراء جرداء يسهل اختراقها واحتلالها خلال ساعات. وفي ظني ان الاستثمارات التي ضخت في شرم الشيخ وحدها كانت كفيلة بتعمير كل سيناء. في هذه المرحلة يبدو توحيد الجهود الوطنية لتنمية سيناء اهم بكثير من التفكير في إلغاء أو تعديل اتفاقيات السلام مع إسرائيل.
لقد بدأت الحكومة المؤقتة التي يرأسها د. عصام شرف- رغم مشاغلها الكثيرة ومسؤولياتها الجسام- في وضع خطط طموحة لتنمية وإعمار سيناء وإدماج أهلها في النسيج الشعبي المصري، ولكن إسرائيل ومعها المتربصين بمصر من الداخل والخارج لا يروق لهم ذلك، ويحاولون بشتى السبل وقف المد المصري في شبه الجزيرة التي ارتوت بدماء المصريين في ثلاث حروب سابقة في 1956، و1967، و1973.
ويمكن القول بعد الأحداث الأخيرة أن مصر أصبحت أمام مفترق طرق، وأن على أهلها الآن أن يختاروا بين التركيز على القضايا الأساسية التي تحقق أهداف الثورة، وبين الانصراف إلى الفروع والشواغل الجانبية والبحث عن بطولات زائفة لا تسمن ولا تغني من جوع بتسلق السفارات واقتحامها ومهاجمة الوزارات ومقار الشرطة.
التي يرى الأطباء أنها أحد أسباب ارتفاع ضغط الدم الذي أعاني منه. ومع ذلك فلم استطع منع نفسي من التفكير فيما يجري من أحداث تبعث على الأسى والقنوط. وفي الأيام الأخيرة وأمام ما يحدث في مصر تحديدا وجدت نفسي غير قادر على مقاومة غواية الكتابة، خاصة بعد ان شاهدت ما يمكن اعتباره ردة على الثورة المصرية من خلال محاولات شغل الثوار وحكومة الثورة والمجلس العسكري الحاكم عن مهامهم الأساسية المنوطة بهم لتعزيز التحول الثوري وتحقيق أهداف الثورة.
وتؤكد الأحداث الأخيرة التي وقعت في مصر الأسبوع الماضي ان مصر تقف الآن أمام مفترق طرق، تدفع كلها باتجاه الانحراف عن المسار الصحيح، والالتفاف على مطالب الثورة من خلال شغل الناس والحكومة والمجلس العسكري الحاكم بقضايا فرعية ليس هذا وقتها. ففي الوقت الذي كان المجلس العسكري يتأهب لاتخاذ خطوات إيجابية فيما يتعلق بالجدول الزمني لنقل السلطة إلى حكومة مدنية ورئيس منتخب من خلال انتخابات برلمانية ورئاسية نزيهة، وتلبية المطالب الفئوية المختلفة، والانتهاء من محاكمة رموز النظام السابق، جاءت الأحداث التي تلت جمعة تصحيح مسار الثورة لتعرقل كل هذا وتعيد عقارب الساعة إلى الوراء، وتضيع على البلاد مزيدا من الوقت وتضعها في مواجهة مبكرة وغير محسوبة مع إسرائيل والمجتمع الدولي.
والواقع انه لا يمكن تناول الأحداث التي انتهت باقتحام السفارة الإسرائيلية في القاهرة ومحاولة اقتحام وزارة الداخلية ومديرية امن الجيزة، وما ترتب عليها من إدانات دولية لمصر ومطالبتها ربما للمرة الأولى باحترام التزاماتها الدولية وتأمين البعثات الدبلوماسية، دون العودة إلى ما حدث في سيناء قبل أيام قليلة من عيد الفطر المبارك واستشهاد مجموعة من رجال الأمن المصريين على الحدود مع إسرائيل برصاص المقاتلات الصهيونية، وما تلا ذلك من غضب شعبي عارم في مصر ومحاصرة المتظاهرين للسفارة الإسرائيلية في القاهرة والمطالبة بطرد السفير الإسرائيلي وقطع العلاقات الدبلوماسية مع الدولة اليهودية.
ونظرا لأنني كنت في القاهرة في تلك الفترة، فقد رأيت بعيني الحدث وتداعياته الذي اختلطت فيه المشاعر والعواطف الجياشة بالحقائق الموجودة على الأرض، ووصل الأمر في النهاية إلى تسلق شاب لمبنى السفارة وانزال العلم الإسرائيلي وإبداله بالعلم المصري، ثم بناء جدار عازل أمام السفارة، وهدم المتظاهرين له في جمعة تصحيح المسار واقتحام شقة تابعة للسفارة وإلقاء محتوياتها في الشارع وإجلاء السفير الإسرائيلي وموظفي السفارة من القاهرة وعودتهم إلى تل أبيب. والواقع ان هذه الأحداث المتلاحقة تثير الكثير من علامات الاستفهام مثلما تثير القلق على مستقبل الثورة المصرية وقدرتها على تجاوز الأزمات التي تواجهها من الخارج والداخل.واذا كنا لا نفترض حسن النية فيما قامت به إسرائيل من جرائم في سيناء، فإننا أيضا يجب أن لا نفترض حسن النية فيمن قاموا باقتحام السفارة وعرضوا سمعة مصر الدبلوماسية للخطر، ودفعوا المجلس العسكري الحاكم إلى تأجيل حسم العديد من الأمور المعلقة بدعوى التفرغ لمعالجة الأزمة، ثم اتخاذ إجراءات يمثل بعضها ردة على الثورة وعودة عن طريق الإصلاح والحرية مثل إغلاق بعض القنوات التلفزيونية الفضائية وإعادة إحياء محاكم أمن الدولة لملاحقة النشطاء والإعلاميين، وبالتالي إعادة إنتاج ممارسات النظام السابق.
لقد كان من الممكن استيعاب الغضب الشعبي المتصاعد من التصرفات الإسرائيلية من خلال خطاب سياسي وإعلامي عقلاني يستند إلى فقه الأولويات. فليس من صالح مصر في هذه المرحلة الانتقالية الحساسة من تاريخها إثارة مسألة الصدام مع إسرائيل وإعادة النظر في اتفاقيات كامب ديفيد المسؤولة عن إخلاء سيناء من الجيش المصري وتركها مرتعا للجماعات الجهادية المسلحة. ويدرك عقلاء المصريين ان هناك قضايا أهم يجب أن يتفرغوا لها، على رأسها قضية البناء الديمقراطي للدولة والاستحقاقات البرلمانية والرئاسية القادمة، بالإضافة إلى قضية تنمية سيناء.
وقد قدر لي في الأيام الأخيرة ان اقطع سيناء من الغرب إلى الشرق في رحلة استجمام قصيرة في شرم الشيخ، وعاينت بنفسي مساحات شاسعة من الصحراء شبه خالية من البشر ومن الحياة، وأدركت حجم الإهمال الذي عانت منه سيناء على مدى العقود الثلاثة الماضية منذ عودتها كاملة إلى مصر في العام 1982. كان من الممكن تأمين سيناء وتحصينها من أية مطامع إسرائيلية قادمة- حتى في ظل غياب الجيش- من خلال ملئها بالبشر والمشروعات التنموية، وهو ما لم يحدث في ظل النظام السابق الذي كان حريصا على تنمية مدينة شرم الشيخ والمنتجعات السياحية النخبوية فقط، وترك سيناء صحراء جرداء يسهل اختراقها واحتلالها خلال ساعات. وفي ظني ان الاستثمارات التي ضخت في شرم الشيخ وحدها كانت كفيلة بتعمير كل سيناء. في هذه المرحلة يبدو توحيد الجهود الوطنية لتنمية سيناء اهم بكثير من التفكير في إلغاء أو تعديل اتفاقيات السلام مع إسرائيل.
لقد بدأت الحكومة المؤقتة التي يرأسها د. عصام شرف- رغم مشاغلها الكثيرة ومسؤولياتها الجسام- في وضع خطط طموحة لتنمية وإعمار سيناء وإدماج أهلها في النسيج الشعبي المصري، ولكن إسرائيل ومعها المتربصين بمصر من الداخل والخارج لا يروق لهم ذلك، ويحاولون بشتى السبل وقف المد المصري في شبه الجزيرة التي ارتوت بدماء المصريين في ثلاث حروب سابقة في 1956، و1967، و1973.
ويمكن القول بعد الأحداث الأخيرة أن مصر أصبحت أمام مفترق طرق، وأن على أهلها الآن أن يختاروا بين التركيز على القضايا الأساسية التي تحقق أهداف الثورة، وبين الانصراف إلى الفروع والشواغل الجانبية والبحث عن بطولات زائفة لا تسمن ولا تغني من جوع بتسلق السفارات واقتحامها ومهاجمة الوزارات ومقار الشرطة.
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية